بقلم / د. عصام عبد الله /
تتجه الأنظار إلي واشنطن لمعرفة ردود الفعل علي تفاصيل وثيقة جنيف2003, التي طواها النسيان, وملاحقها التي أضيفت مؤخرا2009, حيث تفيد التصريحات التي تم تسريبها منذ تولي باراك أوباما الرئاسة في الولايات المتحدة مطلع هذا العام, إلي وجود إمكانية للاستفادة من هذه الوثيقة تحديدا كأرضية لحل سلمي مرتقب, وحسب رام إيمانويل رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض, فإن الحل السلمي في الشرق الأوسط سيقوم علي أسس( وثيقة جنيف), وتشهد هذه الوثيقة التي يمكن ان نطلق عليها اسم الدستور( المكونة من47 صفحة), وتم التوقيع عليها في الأول من ديسمبر عام2003, من قبل مفاوضين فلسطينيين واسرائيليين( غير رسميين) برعاية سويسرية, اهتماما حثيثا هذه الأيام بعد الانتهاء من صياغة ملحقات تشتمل علي470 صفحة فصلت فيها مختلف الحلول لنقاط الخلاف الجوهرية القائمة بين الطرفين.
جدير بالذكر أن جريدة الأهرام قد عرضت لخلفيات هذه الوثيقة عقب التوقيع عليها مباشرة, وللآراء المؤيدة والمعارضة لها, فضلا عن نصوص الوثيقة نفسها, علي ثلاث حلقات في صفحة الحوار القومي, بدأت بمقال لكاتب هذه السطور.
صحيح ان شيئا ما لم يتغير علي الأرض منذ ست سنوات, ربما كان الأسوأ فقط, لكن من الواضح ان الأمور لم تعد كما كانت قبل التوقيع علي هذه الوثيقة بالأحرف الأولي, في فندق الموفنبيك المطل علي البحر الميت بالأردن. بيد أنه غالبا ما تكون صور الأشياء الجديدة طلائع للتغيرات الفعلية, ووفقا لمفهوم النموذج أو البرادايم عند توماس كون فإن النظرة إلي العالم تتغير, علي حين غرة وبقوة, بحيث ان الوقائع غير المرئية وغير المسلم بها, تصبح أمورا بديهية. لقد كانت هناك دوما قنوات سرية تتنافس في تحسين الشروط السياسية بين الطرفين, واتفاقية أوسلو عام1993 ـ علي سبيل المثال ـ كانت في الأصل عبارة عن اتصالات أكاديمية, ثم سياسية غير رسمية ثم أصبحت رسمية, وعلي مدي عامين ونصف العام من2001 إلي2003 وبرعاية الحكومة السويسرية التي قدمت دعما ماليا ولوجستيا, وبمشاركة جهات دولية أخري, وأكثر من خمسين شخصية فلسطينية واسرائيلية توزعت لقاءاتها في عدة أماكن, من بينها بريطانيا وسويسرا واليابان ورام الله واسرائيل والأردن, صيغت هذه الوثيقة خطيا, وبصورة نهائية غير قابلة للتأويل. وهي أشبه بمسودة اتفاق وضعت أرضية مشتركة للحل
النهائي والشامل للصراع, وفق جدول زمني واضح, فقد أثبتت ان الصراع ليس أبديا أو ميتافيزيقيا, كما يريد له أصحاب الأصوليات المختلفة, وأن هناك دائما عناصر مركزية في الجانبين ليسوا علي استعداد لتخليده مهما كانت الأسباب, وفضلا عن ذلك, أكدت أن فرص السلام لم ولن تضيع وسط غبار الدمار والخراب, أو في دوامة الانشغال بالذات في الحرب علي الارهاب.
كما كانت أول وثيقة تقتحم اللب النووي للصراع اللاجئين, القدس, الحدود الثابتة, وحسب عاموس عوز, ففي كل الاتفاقيات السابقة بما فيها أوسلو تجنب الطرفان ذلك واكتفوا بمد شريط أبيض حول حقول الألغام تلك, وأجلوا حله الي حين نشوء مستقبل أفضل, أما قمة كامب ديفيد فقد تحطمت عند ملامستها لهذه الألغام.
الأهم من ذلك انها حددت بالتفصيل الثمن المطلوب دفعه من أجل السلام, والتنازلات المؤلمة والحساسة للوصول الي الحل النهائي, وتصدت بشجاعة للمزاعم الاسطورية العقائدية ـ التي كان يتم التهرب منها دوما, إما بتجنبها أو بإنكارها ـ من ذلك اسطورة أن القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي, وبالتالي لا تعرف التقسيم. لقد كانت هي الفعل الوحيد في ظل صمت عربي عالي الصوت, الذي هز بقوة عمق الوعي والموروث والمستقبل, وأدرك ضخامة المتغيرات الإقليمية والعالمية التي تتطلب ابتكار رؤي جديدة مبدعة تؤثر في عوامل القوي المحيطة بالصراع, فضلا عن انها وفرت الظروف والأداة السياسية الملائمة للتحقيق, في يوم من الأيام, هذا الهدف هو إحياء اليسار الاسرائيلي وتعبئة قواه, وايجاد قضية سياسية له تجمع بين أطرافه, لتفعيل المواجهة مع معسكر اليمين وتفكيكه. أضف إلي ذلك, أنها نهضت علي مبادئ الشرعية الدولية, وصيغت علي أسس تنطلق من مكونات ومبادرات( رسمية وغير رسمية) وأفكار تسوية سبق طرحها, ومن رصيد مفاوضات جرت في مراحل سابقة, وحسب الوصف البليغ ليوسي بيلين فقد كان يوم توقيع الاتفاق مع الفلسطينيين بالنسبة لي هو اليوم الثامن ل
محادثات طابا التي استغرقت سبعة أيام وتوقفت في مطلع فبراير2001. ويعني ذلك ان التوقيع علي وثيقة جنيف في الأول من ديسمبر عام2003, كان اليوم الأخير( الإضافي) لمحادثات طابا, وبالتالي فإن قرابة السنوات الثلاث التي تفصل بين التاريخين فترة ضائعة, توقفت فيها المفاوضات بفعل عوامل كثيرة. بيد أن كلام بيلين لايعني حرفيا ان الفترة من(2001 ـ2003) كانت سنوات عجافا, فلم تتوقف المسيرة التفاوضية قط, بل شهدت كثافة من المبادرات والحوارات غير المسبوقة, فقد عرفت تفاهمات( بيريز ـ أبو العلاء) أحمد قريع في مطلع2002, وشهدت إعلان( نسيبة ـ أيالون) أواخر عام2002, كما طرحت أهم مبادرة رسمية فلسطينية( أحادية) بشأن التصورات التفصيلية المتعلقة بقضية التسوية مع اسرائيل, وهي الوثيقة التي قدمها الوزير الفلسطيني نبيل شعث الي إدارة الرئيس بوش, ممثلة بوزير الخارجية وقتئذ كولن باول ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس أواخر مايو2002.
فقد سعي بيلين وفريقه الي تطوير وتجديد ـ مبادرة بيل كلينتون ـ الذي حاول اقناع الرئيس الراحل عرفات بمشروع تسوية ناقص وغامض, ايده باراك في الربع ساعة الأخيرة من ولايته انذاك, وأراد سد نواقص هذه المبادرة باقتراح مشروع تسوية يعطي للجانبين, الفلسطيني والاسرائيلي, مطلبا جوهريا ويبدد لديه هاجسا مقلقا.
مطلب الفلسطينيين الجوهري السيادة أو السيطرة الكاملة علي الحرم القدسي الشريف, لأنه رمز فلسطين وعنوان حيويتها, ومطلب الاسرائيليين الجوهري تخلي القيادة الفلسطينية عن حق العودة الي ديارهم, بذلك تتفادي طغيان الفلسطينيين علي اليهود عدديا, وتحول بالتالي دون الغاء الهوية اليهودية لاسرائيل. لقد كانت هذه الوثيقة في النهاية, بمثابة خطوط عامة موسعة للنقاط التي كان الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات قد طرحها في مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز فبراير2002 تحت عنوان: هذه هي رؤيتي للسلام. ومن سوء الحظ ان النشر تزامن مع مناخات الحرب الأمريكية علي الارهاب بعد أحداث11 سبتمبر2001, ومع اتهام القيادة الفلسطينية بدعم الارهاب إثر الكشف عن باخرة السلاح كارين اي ومع بداية السعي الاسرائيلي لعزل الرئيس عرفات وتدمير مؤسسات السلطة الفلسطينية,
وأيضا( وهو الأهم) محاولات الادارة الأمريكية طرح تصوراتها الخاصة بحل الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي, وهو ما نتج عنه القرار(1397) الصادر من مجلس الأمن في مارس2002, وخطاب الرئيس بوش في يونيو2002, وكلاهما أكد( حق الفلسطينيين في إقامة دولة لهم في الأرض المحتلة عام1967.
وهذا هو جوهر وثيقة حنيف, التي كانت أشبه باتفاق شامل وليس اتفاقا مرحليا, وهو اتفاق يتضمن جدولا زمنيا واضحا, ولم تكن هذه الوثيقة في الواقع ـ حسب وصف عوز نفسه ـ اعلان شهر عسل بين الشعوب, بقدر ما هي حصول الطرفين علي وثيقة طلاق منصفة.
أخيرا فان هذه الوثيقة هي نموذج لحل( موديل) وليس وثيقة رسمية بين الحكومات, أي انها مشروع لتسوية مقبولة بين الطرفين, وتكمن خصوصيتها حين نقارنها مع مبادرات اخري, في أمرين: الأول انها تؤشر الي نهاية الصراع, والثاني انها لاتبقي أية علامات استفهام, من حيث كونها قد أجملت جميع التفاصيل العالقة بحيث لا يظل لأي طرف مطالب إضافية بعدها.