بقلم:حسن عصفور
غادر المبعوث الأمريكي جورج ميتشيل دون أن تمنحه الحكومة الإسرائيلية بعضا مما جاء من اجله عله يضفي بعض ' مصداقة' على الموقف الأمريكي الذي بات يفتقد زخمه المبكر لاعادة ' تحسين ' صورة واشنطن ومكانتها التي وصلت الى الدرك السياسي ، حكومة بيبي نتنياهو رفضت بالمطلق أي تنازل حتى لو شكليا في اطار مسألة الاستيطان ، حتى تجميده المؤقت ، رغم كل صيغ الإغراء الأمريكية لها بخلق أجواء عربية ايجابية نحوها .
إسرائيل وحكومتها الراهنة قررت أن تواصل بناء المستوطنات وتهويد القدس ، وأنها ستفكر بتجميد النشاط الاستيطاني اذا وافقت أمريكا والسلطة الوطنية الفلسطينية والعالم العربي على قبولهم استكمال بناء ما يقارب 5500 وحدة استيطانية جديدة ، وأن تسحب السلطة الفلسطينية اي قضية رفعتها ضد الجيش الإسرائيلي أمام محكمة لاهاي الدولية ( طبعا وأن لا تستغل تقرير 'لجنة غولدستون' حول جرائم الحرب الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة) وتتعهد بعض الأطراف العربية بفتح مجالها الجوي للطيران الإسرائيلي وفتح الهواء للاتصالات الهاتفية ورفع بعض أشكال المقاطعة الإقتصادية عن المنتجات الإسرائيلية ، وغيرها من اجراءات ' بناء الثقة' ، كل ذلك مقابل ' تجميد مؤقت لشهر مع السماح ببناء ما تم الإعلان عنه,
الصفاقة الإسرائيلية هذه جاءت أثر حملة منظمة قامت بها أوساط الضغط الصهيوني داخل الكونغرس الأمريكي على الرئيس اوباما في حين كان هناك ' خمول عربي ' وتحول الموقف الرئاسي الأمريكي من حالة اندفاع وملاحقة لموقف الإسرائيلي وصفته الصحافة الإسرائيلية بأنه الأشد في السنوات الأخيرة ، حتى وصل الأمر ببعض القوى وأوساط اعلامية ترى في نتنياهو كارثة تهدد العلاقات التاريخية بين البلدين ، لكن التحول حدث وارتبكت الادارة الأمريكية وسط تراجع شعبية الرئيس اوباما وظهور بعض المشاكل الداخلية استغلها ' اللوبي الصهيوني ' لوقف اندفاعة البيت الأبيض ضد النشاط الاستيطاني .
جولة ميتشيل الأخيرة كان هدفها ايجاد صيغة توافقية على ' تجميد مؤقت ' لفتح الطريق أمام عودة اللقاءات الفلسطينية – الإسرائيلية ثم عودة المفاوضات لتبدو أمريكا وكأنها حققت ' انجازا سياسيا' يمنحها ' مصداقية ما ، بعد انكشاف عروتها بفعل إسرائيلي صارخ ، واشنطن المرتبكة أمام تصاعد الغضب من السلوك الإسرائيلي سواء في ملف الاستيطان أو جرائم الحرب تعمل جاهدة لتطويق ذلك عبر كسر حلقة الموقف العربي- الفلسطيني من خلال ترتيب ' لقاء ثلاثي' ، ومع فشلها في هذا فهي تبحث صيغ أخرى لذلك الإحراج بعد رفض الطرف الفلسطيني هذا اللقاء ، وتعمل على ترتيب ' لقاء مصافحة ' بدلا من لقاء سياسي ، تعتقد أن هذه المصافحة ستفتح الطريق لما هو قادم.
واشنطن التي فشلت في الضغط على الطرف الإسرائيلي تجاه الاستيطان تعمل من اجل نقل حلقة الضغط مجددا الى الطرف الفلسطيني عبر أبواب خلفية متعددة عربية وفلسطينية ، وتستفيد بكل قوة من حالة الانقسام بل وتستخدم موقف حماس للضغط على أبو مازن والشرعية الفلسطينية ، ولديها بعض الأوراق التي يمكنها أن تشكل ' كعب أخيل' في الموقف الوطني الفلسطيني في المرحلة اللاحقة ، خاصة اذا ما تمت ' لقاء المصافحة' في البيت الأبيض بين الرئيس عباس وبيبي نتنياهو بالصدفة المنظمة بينهما عبر صاحب البيت الأبيض، وستخرج صورة المصافحة لتصبح الأحدث الإعلامي الابرز في فترة انعقاد الجمعية العامة للامم المتحدة ، حتى وأن خرج كل ' جهابذة الكلام ' الفلسطيني لتفسير تلك المصافحة – المصادفة وأن ذلك لن يؤثر على صلابة الموقف أو يغيره ن لكن معرفة الدعاية الأمريكية – الاسرائيلية ومعها بعض المتربصين عربا وعجما وفلسطينين سيجعلونها ' الأحدث التنازلي الأضخم' في مسار الواقع السياسي ، وستنتقل معركة ' تطويق بيبي واسرائيل ' الى حالة إرباك سياسي داخلي فلسطيني ما يتحيح لإسرائيل ترتيب أوراقها وسط ' تنازع فلسطيني داخلي ، وبتآكل صوابية موقف الرئيس عباس خاصة ,انها تسبق مرحلة سياسة حاسمة ومصيرية عشية إصدار المرسوم الرئاسي ، وهو ما ستعمل حماس وأنصارها باستخدام اي ' لقاء ' ضد قيمة المرسوم السياسية ، بل ستعمل كل وسائل الدعاية الأمريكية – الإسرائيلية وأخرى عربية حاقدة على الشرعية لابراز موقف حماس ومنتجاتها الخاصة هو العنوان الرئيسي للأحداث في المرحلة المقبلة.
واشنطن التي اصاب موقفها الوهن والعجز من ' صلابة' موقف حكومة بيبي ليبرمان براك العنصرية المتطرفة ، لن تعترف بذلك العجز ولذا فهي ستنقل قوة الضغط على الشرعية الفلسطينية لتكسر الحلقة المركزي فيها وهو رفض اي عودة للتفاوض أو أي لقاء مع الحكومة الإسرائيلية ما لم تلتزم باسس العملية السياسية وما تم الاتفاق عليه سابقا ووقف تام للنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس المحتلة ، هذا الموقف يشكل ركيزة لحصار موقف اسرائيل دوليا ، خاصة وأن عناصر التفاعل الايجابي تزداد قوة تجاه الاستيطان والسياسة الاسرائيلية ، والتي لمسها بوضوح وزير خارجية اسرائيل العنصري ليبرمان في جولاته الأخيرة لعدد من دول العالم ، لذا يجب عدم السماح بكسره أو اضعافه تحت أي صورة أو بأي شكل كان ، فانكسار الموقف الفلسطيني سيكون بوابة خروج عربي للعمل وفق ما تريد واشنطن دون حياء أو خجل تحت ذات المثل الأشهر ' لن نكون ملكيين أكثر من الملك ' ، في ظل ترتيبات إقليمية جديدة تحاول بعض الأطراف الإقليمية أن تمنح بعض قوى' الإسلام السياسي ' دورا ومكانة في بعض المناطق على حساب مناطق أخرى .
لا شك أن الشرعية الفلسطينية تعيش تحت ضغط مركب لكنها أيضا لا تملك كثيرا من أوراق الحضور السياسي ، ولعل الورقة الأهم التصدي لسياسية المحتل كي تتصدى لسياسة المنشق.
hasfour@amad.ps