تأليف: ايزابيل بيزانو
عرض ومناقشة : د. محمد مخلوف
بعد مضي خمس سنوات على رحيل القائد الفلسطيني ياسر عرفات في مستشفى بيرسي العسكري الفرنسي بأحد ضواحي باريس لا يزال هناك الكثير من الأسئلة وإشارات التفاهم عمّا إذا كانت وفاته طبيعية أو أنه مات مسموما؟.
مؤلفة هذا الكتاب تعود إلى توصيف السياق الذي جرت فيه وفاة الراحل وإلى الملف الطبي الخاص بها. وتبيّن أن النوايا الإسرائيلية لاغتيال ابوعمار كانت واضحة ومعلنة، خاصّة تلك التصريحات التي أكد فيها شارون أنه يريد «التخلّص» منه ليس حيّا ـ بل ميتا. وهذا ما كان قد اعترف به لصديقه الكاتب والصحفي الإسرائيلي اوري دان الذي نشر اعترافاته في كتاب صدر عام 2005. وتنقل المؤلفة عن العديد من الإسرائيليين تأكيدات وأقوال تشير كلّها إلى أن السلطات في إسرائيل لا تقيم وزنا للمعايير الأخلاقية وللديمقراطية التي تدعي أنها تمثّلها.
الهدف الدائم لها هو تدمير الرموز الفلسطينية، وكان أبو عمار في طليعتها. أمّا الملف الطبي الخاص بوفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ففيه الكثير من نقاط الغموض التي تفنّدها المؤلفة بالاعتماد على آراء الخبراء وكبار الاختصاصيين. مضت خمس سنوات على وفاة أبو عمّار. والدماء الفلسطينية لا تزال تسيل. وتشير المؤلفّة أنه عندما بدأت الإشاعات تسري بقوّة حول احتمال أن يكون قد جرى تسميم القائد الفلسطيني اقترحت على صحيفة « لوموندو» الإسبانية التي تعمل معها القيام بتحقيق صحفي حول الموضوع.
لم توافق الصحيفة على الاقتراح بسبب عدم إمكانية التحقق من صحّة أو عدم صحّة الوثائق المتداولة. لكن هذا لم يمنع المؤلفة من القيام بتحقيقها بدافع شخصي بحثا عن الحقيقة.إنها تعود إلى ربيع عام 2002 عندما أكّد شارون القول:«سوف أطرد عرفات من الأراضي». لم يحدد شارون القول حيا أو ميتا، لكنه كان يتحدث غالبا بفخر واعتزاز عن اغتيال الشيخ احمد ياسين الذي كان يتنقل على كرسي متحرّك وبعده عن اغتيال خليفته على رئاسة حماس عبد العزيز الرنتيسي. وتنقل المؤلفة أن الصحافي الذي أجرى معه المقابلة سؤاله له إذا كان يرى أن هناك فرقا بين عرفات وياسين والرنتيسي اللذين كانا قد اغتيلا فأجاب بدون تردد: «لا أرى أي فرق أبدا. وسوف نتصرّف ضد عرفات كما تصرّفنا ضد هؤلاء القتلة».
تدمير الرموز
وتشرح ايزابيل بيزانو كيف أن شارون قد سكنته فكرة تدمير الرموز الفلسطينية مع علمه المسبق أن ذلك لا جدوى منه.إذ ليس هناك ما هو أطول من حياة الشهيد الذي تغدو أسطورته أكبر بعد موته مما كانت عليه أثناء حياته.
وكان شارون يعطي دائما الجواب التقليدي المألوف لدى الصهاينة بحيث يعتبرون دائما الضحايا كقتلة والقتلة كضحايا والنتيجة هي أن الشعب المضطهَد طيلة تاريخه يمارس الاضطهاد على الفلسطينيين.
لم يكن شارون هو الوحيد الذي يريد موت ابو عمّار.وتؤكّد المؤلفة أن شاؤول موفاز، وزير دفاعه كان يسعى لتحقيق الهدف نفسه. وإيهود باراك كان موافقا أيضا على اغتيال ياسر عرفات، لكنه كان يتمنّى أن لا يبقى أي أثر يشير إلى مشاركة إسرائيلية في الاغتيال.
وتنقل المؤلفة عن الكاتب الإسرائيلي امنون كبليوك، المتوفي في عام 2009، أنه التقى مع صحفي إسرائيلي كبير فضّل عدم الإفصاح عن هويته أنه أكّد له قابل ثلاث شخصيات من الأجهزة السريّة الإسرائيلية ناقشوا، كل منهم على حدة، الطريقة المثلي للانتهاء من القائد الفلسطيني. وقد وصلوا ثلاثتهم إلى نفس النتيجة وهي أن اللجوء إلى السمّ هو أفضل الوسائل.
كان ذلك في مطلع عام 2004. وتجدر الإشارة إلى أن كبليوك قد نشر مقالا في مجلّة «لوموند ديبلوماتيك» الشهرية الفرنسية في شهر نوفمبر ـ تشرين الثاني من عام 2005 أكّد فيه نفس القول. كان المقال تحت عنوان: «هل أغتيل ياسر عرفات؟».
وتشير المؤلفة أيضا إلى أنه بعد رفع الحظر المفروض في سبتمبر ـ 2005 على أسرار الدولة ظهر بوضوح أن الحكومة الإسرائيلية التي تزعم أنها تجسّد دولة القانون كانت تمارس يوما بعد يوم عمليات إرهابية. والانفجار الذي جرى في فندق داؤود في القدس يوم 22 يوليو 1946 وتمّ فيه استخدام 350 كيلو من مادة الديناميت قتل 91 شخصا وجرح 50.
بالتالي من المنطقي جدا، كما ترى المؤلّفة، أن يلجأ حكّام إسرائيل إلى البحث عن جميع الأساليب وشراء ما أمكنهم من العملاء من أجل اغتيال قائد فلسطيني من طراز ابو عمّار، ولو كان حاصلا على جائزة نوبل للسلام.
كان شارون فخورا بالأعمال التي يقوم فيها وكان بالتالي حريصا على تعريف العالم بها. هكذا وجد في صديقه الكاتب اوري دان الشخص الجيّد للقيام بالمهمة. وقد وعده شارون أنه سوف يكشف له سرّا سيحدث ضجّة هائلة. لم تكن المخيلة تنقص ذلك الصحفي والسينمائي أيضا، لكن ما رواه له شارون تجاوز خياله كثيرا.
لقد أطلعه على حوار هاتفي جرى بينه وبين جورج دبليو بوش رئيس الولايات المتحدة السابق. وقد أفصح اوري دان عن محتواه في كتابه الذي صدر باللغة الفرنسية عام2005، ولا يمكن العثور عليه بسهولة في المكتبات الفرنسية، تحت عنوان « شارون، محادثات من القلب».
جرى ذلك الحوار الهاتفي يوم 14 أبريل ـ عام 2004 وأعلن شارون فيه لبوش أنه لم يعد يستطيع الوفاء طويلا بالعهد الذي كان قد قطعه له في شهر مارس ـ آذار من عام 2001 بعدم اغتيال ياسر عرفات. كان ذلك يفصح بجلاء أن شارون لم يكن يعاني من أيّة معضلة أخلاقية في اللجوء إلى ممارسة القتل.البشر الذين لم يرتكبوا الإجرام يعرفون، كما تشير المؤلفة، أن القتل ليس سهلا. لكن يبدو أن قدرة القتل في الخفاء هي من خصال قادة إسرائيل.
بنيامين نتانياهو وابنه حامت حولهما تهم الفساد. وشارون متهم من قبل المحكمة الجنائية الدولية بالمساهمة في التحضير لمذابح صبرا وشاتيلا.وشامير كان قبل أن يصبح رئيسا لوزراء إسرائيل رئيسا لمنظمة ارغون السريّة التي كانت بريطانيا قد اعتبرت أفعالها إرهابية. وإيهود اولمرت واجه الاتهام بممارسة الفساد وتعرّض للمحاكمة من أجل ذلك؟
أمّا جورج دبليو بوش، المعروف بإيمانه القوي حيث أنه الرئيس الوحيد في العالم الذي أعلن الحرب على أفغانستان من كنيسة فقد قال: «ينبغي أن نترك مصير ياسر عرفات بيد العناية الإلهية». ولم يتردد شارون في أن يردد أمام اوري دان قوله: « قد يحصل وتكون العناية الإلهية بحاجة إلى مساعدة صغيرة».
وقد حدد شارون القول لدان ان بوش حافظ على الصمت عندما أخبره أنه لن يستطيع الوفاء طويلا بوعد عدم اغتيال عرفات. وقد رأى شارون أن التفسير الوحيد الممكن لصمت بوش هو أن من لم يتكلّم يكون موافقا.وترى المؤلفة أنه من المنطقي تصوّر أن الجنرال شارون لم يبخل بـ «المساعدة الصغيرة» التي تحدّث عنها.
ولم يتوقف شارون في البوح بأسراره لأوري دان عند ذلك الحد. بل أكّد أنه حلم على مدى سنوات بقيادة مجموعة كوماندوز ومهاجمة «المقاطعة»، مقر ياسر عرفات، واغتياله. ويبدو بوضوح من اعترافات شارون نفسه أنه لم يكن يريد عرفات سجينا، بل ميتا.
تشير المؤلفة هنا إلى أن اوري دان أكّد تدهور الحالة الصحيّة لياسر عرفات قد بدأت بعد فترة وجيزة من ذلك الحديث الهاتفي الذي جرى يوم 14 ابريل من عام 2004. لكنها تؤكّد من جهتها أنها على يقين تام أن ذلك التدهور كان قد بدأ قبل ذلك ونوايا شارون لم تكن أسيرة ذلك التاريخ أيضا.
وفي الأسبوع الأول من شهر سبتمبر 2005، بعد نشر اعتراف شارون ل«اوري دان» نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالا تحت عنوان:« عرفات توفي بالإيدز أو بالسمّ». كان المقصود هو صرف الانتباه عن اعترافات شارون لصديقه دان.وتنقل المؤلفة عن ذلك المقال بدايته التي جاء فيها:« عزت صحيفة نيويورك تايمز الوفاة ـ وفاة عرفات ـ إلى نزيف سببه مرض غير معروف، لكننا نشير إلى أنه لا يوجد في الملف الطبّي ما يدلّ على أثر للسمّ أو للإيدز».
وتشير المؤلفة في هذا السياق إلى أن اموس هاريل وآفي ايسّاشاروف مؤلفي كتاب «حرب إسرائيل السابعة» ذكرا بالاعتماد على أخصائي إسرائيلي أن احتمال إصابة عرفات بفيروس نقص المناعة المكتسب «الإيدز» هو احتمال ضئيل.وما تؤكّده المؤلفة أن المقصود كان بوضوح هو الإساءة إلى ذكرى الزعيم. أن ابوعمار، حتى بعد وفاته، بقي هدفا للصهاينة الذي يخشون المشاعر التي تركها في قلب الفلسطينيين.
وتنقل المؤلفة عن امنون كبليوك، الكاتب الإسرائيلي المتوفى قبل فترة وجيزة ـ في عام 2009 ـ أن أحد مؤلّفي كتاب «حرب إسرائيل السابعة» أكّد له ذات مرّة بصورة شخصية قناعته الجازمة أن عرفات مات مسموما.كما تشير إلى أن يورام بينور، مراسل القناة التلفزيونية الإسرائيلية الثانية، كان قد استخدم بوضوح ودون تحفّظ في مراسلة له بتاريخ 30 سبتمبر 2005 تعبير اغتيال عرفات في إطار تفسير سبب وفاته.
الملف الطبّي
هنا تفتح المؤلفة قوسين لتقول أن معرفة سبب وفاة ابوعمار تستدعي بالضرورة العودة إلى فتح ملفّه الطبي. وتشير إلى أنه في فترة احتضاره كان هناك شخصان فقط لهما الحق في الاطلاع على ذلك الملف وهما زوجته سهى الطويل وأحد أفراد أسرته، ناصر القدوة، الدبلوماسي الفلسطيني آنذاك في الأمم المتحدة. السلطات الفرنسية اعتمدت في إمكانية الوصول إلى الملف على درجة القرابة.
وتنقل المؤلفة عن نبيل معروف السفير الفلسطيني السابق في مدريد قوله أن الملف احتوى على 558 صفحة. النقطة الأكثر أهمية فيه تعيد الوفاة إلى التهاب في الأمعاء الدقيقة حصل قبل 30 يوما ـ من الوفاة ـ وإلى أعراض أخرى دموية وعصبية أدّت كلّها إلى غيبوبة كاملة. وينتهي التقرير بجملة غامضة تقول: «لم يكن ممكنا التعرّف على الأسباب الطبيعية التي أدت إلى الوفاة». ثمّ يضيف: «لم يتم الكشف عن أيّة سموم معروفة من الطب».
وهذا ما يفتح الباب واسعا، كما تقول المؤلفة، أمام إمكانية اللجوء إلى جميع جرعات السموم غير المعروفة مثل مادّة الكورار ـ مادّة تُستخرج من بعض النباتات استعملها هنود أميركا الشمالية لتسميم السهام ـ الذي يصعب الكشف عن وجودها في الجسد الإنساني حيث أنها تسبب شللا كاملا في الجهاز التنفسي.
وتنقل المؤلفة عن إيريك برافيرمان، الخبير في ميدان الطب العصبي، قوله أثناء فترة احتضار أبو عمّار: «اليوم تستطيع الآلات ومنظومات التصوير الشعاعي وغيره أن تقوم بعملية «تشريح» حقيقية أثناء حياة المريض ؛ومن جهة أخرى أن دمه وبوله يمكنهما التوصّل إلى التشخيص.
بالنسبة لي أعتقد أن الأطباء لديهم تشخيصا لكنهم يمتنعون عن البوح فيه». وتشير المؤلفة إلى أن قسم أمراض الدم في مستشفى بيرسي في كلامار في المنطقة الباريسية حيث توفي ابوعمار أحد أكثر الأقسام كفاءة في أوروبا.
وبتاريخ 19 نوفمبر من عام 2004 جاء في تقرير سرّي موقّع من رئيس القسم أنه «بعد 13 يوما من دخوله إلى مستشفى بيرسي العسكري وفي اليوم الثامن من وجوده في قسم الإنعاش توفي السيد ياسر عرفات إثر نزيف وعائي دماغي كثيف».
غموض التشخيص
وبعد الإشارة إلى أن ذلك النزيف عقّد التوصيف السريري الذي يجمع أربعة من الأعراض أضاف التقرير: « إن استشارة عدد كبير من الخبراء في اختصاصات مختلفة بالإضافة إلى نتائج الفحوص التي أجريت لم يكن ممكنا تحديد إطار للتصنيف يشرح وجود الأعراض بنفس الوقت».
كانت المحصّلة النهائية التي جرى عرضها أمام الملأ هي أنه لم يتم الكشف عن أي سمّ معروف سبّب وفاة ابوعمّار. لكن ذلك لم يمنع الصحافي والكاتب خالد العمايرة من أن يتساءل بتاريخ 16 أغسطس 2007:من الذي قتل ياسر عرفات في شهر نوفمبر 2004 ؟.
وتنقل عنه المؤلف تأكيده أن رجال سياسة ورؤساء دول أجانب والطبيب الشخصي لعرفات هم جميعا على قناعة أنه لم يمت موتا طبيعيا. ولكن جرى بالأحرى اغتياله عبر حقنه بسم ربما من قبل عملاء الموساد. وتتم الإشارة في نفس السياق أيضا إلى تأكيد بسام أبو شريف في كتابه الصادر مؤخرا أن أبو عمار قد مات مسموما.
وتشير إلى أنه اتصل بالرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك للكشف عن سبب وفاة الزعيم الفلسطيني، بل وبدقّة أكبر للكشف عن السمّ الذي قتله. وتخلص المؤلفة إلى القول في الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب الموقّعة بتاريخ 29 أغسطس ـ آب من عام 2009 ما يلي:
«يرقد ياسر عرفات بسلام اليوم في جنّة العادلين.إنه لم يستطع استكمال مهمته على الأرض وأخّرت وفاته مرّة أخرى احترام حق شعبه في العيش بسلام في دولة ذات سيادة ».