على غير ما درج عليه الإعلام العربي، من انصراف شبه تام عن المجريات الإسرائيلية الأعمق غوراً من يوميات السياسة المتقلبة، نال مؤتمر هرتسيليا متعدد المجالات، هذا العام، اهتماماً وتغطية واسعتين انصب جلها، ليس على مداولات هذا المؤتمر الذي ينعقد بانتظام، مرة كل سنة منذ عقد كامل، وإنما على مشاركة الدكتور سلام فياض في مناقشات جلسة دارت حول الإحتلال والإستيطان ومتطلبات إنجاح عملية السلام.
وهكذا، ورغم التغطية الواسعة، فقد جاء الإهتمام العربي بهذا المؤتمر الإسرائيلي الهام اهتماماً جزئياً، فيما لم ينشغل المعلقون بيننا سوى بجانب واحد من جوانبه العديدة، وهي المشاركة الرسمية الفلسطينية الأولى من نوعها بأعمال واحد من أهم مراكز توجيه السياسات الإسرائيلية تجاه العالم العربي، إن لم يكن هذا المركز المعني بالإستراتيجيات هو الخلية الفكرية النشطة في دماغ الدولة النائمة على نحو مئتي رأس نووي.
والحق أن موضوعات هذا المؤتمر السنوي الذي يواظب مؤتمر الدراسات الإستراتيجية الإسرائيلية على عقده في الضاحية الجنوبية المترفة لمدينة تل ـ أبيب منذ فشل كامب ديفيد عام 2000، يستحق تناولاً معمقاً من جانب المهتمين بشؤون الصراع العربي ـ الإسرائيلي، يتعدى إشكاليات المشاركة الفلسطينية على أهميتها، إلى جوهر ما يشغل عقل النخبة الإسرائيلية ويستجلي بؤرة مركز اهتماماتها بعيدة المدى في هذه المرحلة.
ففي دورة انعقاده الأخيرة، التأم مؤتمر هرتسيليا، المكرّس لمراجعة السياسات الإسرائيلية في العام السابق وتحديد معالم هذه السياسات للعام المقبل، تحت عنوان ينبغي أن يكون لافتاً للإنتباه، وهو 'إسرائيل تحت الحصار' علماً أن هذا المؤتمر انعقد في المرة السابقة تحت عنوان 'إسرائيل في ظل الأزمة المالية والمتغيرات العالمية' الأمر الذي يشير إلى شدة الاستجابة الإسرائيلية لتحدي متغيرات اللحظة الإستراتيجية.
وإذ ينعقد مؤتمر هرتسيليا هذا العام تحت وطأة مشاعر إسرائيلية ملحة بأن الدولة العبرية المتفوقة عسكرياً على محيطها تعيش تحت الحصار، فإن ذلك يدعونا بالمقابل إلى فتح الأبصار العربية على اتساعها لرؤية معطىً لا سابق له في سياق هذا الصراع الذي ظلت فيه إسرائيل تمسك بزمام المبادرة، وتتمتع باحتضان ومساندة غربية هائلة، على خلفية احتكارها لصورة الضحية، ناهيك عن التفهم والقبول الدولي للرواية الإسرائيلية.
وقد تكون الجريمة الوحشية المروعة التي ارتكبتها قوات الإحتلال في قطاع غزة قبل نحو سنة خلت، نقطة الإنكسار في منحنى الرأي العام الدولي الذي ظل يساند إدعاءات الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، حين تكفلت عدسات المراسلين في زمن الإعلام الفضائي المعولم، بكشف الستار عن أهوال ما قارفته آلة الحرب المنفلتة من كل اعتبار أخلاقي ضد مدنيين أبرياء، أثارت مشاهد أجسادهم الممزقة أعمق ما في الوجدان الإنساني من مشاعر غاضبة.
وليس أدل على استفحال مثل هذه المشاعر الساحقة بالعيش تحت الحصار والعزلة، مما تردد في قاعة مؤتمر هرتسيليا نفسه من تحذيرات ذاتية صارمة، مثل قول أحد منظمي هذا المؤتمر بأن إسرائيل ستصبح جنوب إفريقيا القرن الواحد والعشرين، وقول آخر بأن إسرائيل تتحول إلى دولة منبوذة، وقول ثالث أن الخطر الحاسم الذي يتهدد إسرائيل في هذه المرحلة هو زيادة التعاطف الدولي مع الفلسطينيين الذين كسبوا نقطة تفوق أخلاقي كبرى، في المعركة على كسب الرأي العام، مع صدور تقرير غولدستون.
وهكذا، فإن تنحية إشكالية المشاركة الفلسطينية في مؤتمر هرتسيليا، لصالح تركيز الضوء على العنوان المثير لهذا المؤتمر، تنطوي على دعوة مباشرة لزيادة الإهتمام العربي بموضوعات هذا المركز الهام، ومراجعة خططه وأوراق أعماله، التي يواصل المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) نشرها سنوياً، لتعميم الفائدة وجذب أبصار القادة والمفكرين والإعلاميين العرب، إلى ما يجري من تفاعلات، وما يتم تقديمه من ملاخصات لصانع القرار الإسرائيلي.
Issa.alshuibi@alghad.jo