وكالة امريكية كشفت أن أوباما منح السلطة الفلسطينية 221 مليون دولار قبل ساعات من فك ارتباطه بـ"القصر"..الغريب أن السلطة سكتت عن الملبغ لا حس ولا خبر..طيب لو الوكالة ما قالت بالكو كان انعرفت القصة..بس ليش ما حكوا..حدا فاهم !

انتحار الفكر السياسي وأفول الحالة الحزبية التقليدية

  • شـارك:
خليل شاهين*

أمد/ تحث الموجة الانتفاضية الفلسطينية على نقل الجدل حول واقع ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني إلى طور جديد؛ ربما يتجاوز توصيف "الأزمة" في الفكر السياسي، وهو طور قابل للمراجعة والإصلاح، إلى طور "المأزق" المرتبط بوصول محاولات الإصلاح إلى طريق مسدودة.

فمع انتقال هذا الفكر الذي يؤطر بنية الحالة الحزبية وممارستها ومشروعها/مشاريعها السياسية إلى طور "المأزق"، لم يعد ممكنا الحديث عن إصلاحه أو ترميمه، إذ لا مناص من الاعتراف استهلالا بانتحار الفكر السياسي الفلسطيني "التقليدي"، وتجلياته في الحالة الحزبية، عبر عملية بطيئة استغرقت أربعة عقود في سياق مسار التكيف في الممارسة السياسية والحزبية مع متطلبات مرحلة "أوسلو"، وصولا إلى أفول الدور التاريخي للحالة الحزبية الراهنة، رغم اعتياشها على استمرارية دورها السياسي بالاستناد إلى مصادر "شرعية" ليس من بينها الإرادة الشعبية.

في المقابل، ثمة مؤشرات على أن الموجة الانتفاضية الأخيرة تندرج في سياق فعل تراكمي ينشط في فضاء سياسي وكفاحي يتشكل خارج ما يعرف بالحقل السياسي التقليدي، ولكن دون أن يقطع معه بالكامل. وهي حالة نجحت، حتى الآن على الأقل، في كسر احتكار السياسة ضمن النسق السياسي والحزبي السائد، وإن كانت لا تزال تفتقر إلى ممارسة السياسة في أطر حزبية جديدة.

ورغم ما يشهده الفضاء الجديد من تبعثر وتشتت أشكال العمل والتعبير السياسي والثقافي والفني في فلسطين والشتات، إلا أنها تؤسس لمرحلة جديدة عنوانها شق مسار جديد في الصراع بالتمرد على منظومة السيطرة الاستعمارية الاستيطانية في نطاق فلسطين التاريخية، وليس "التفاهم" معها، أو "التعايش" تحت سقفها.

 

************

مقدمة: توصيف المأزق

يحيل عنوان "مأزق الحالة الحزبية" الفلسطينية إلى سياقات أخرى تجعل التفكير في الحالة الحزبية بمعزل عنها أمرا صعبا. وهي بحد ذاتها سياقات مثيرة للجدل، ما يجعل تحليل المأزق أكثر تعقيدا. ومن هذه السياقات التي يفرضها بحث واقع ومستقبل المشروع الوطني، أفول الفكر السياسي التقليدي، وتراجع الحقل السياسي الوطني، وبنية ووظائف ما يسمى "النظام السياسي" المنقسم على ذاته تحت سقف منظومة السيطرة الاستعمارية.

في كل ذلك، يصعب تجاهل الإشكاليات التي يثيرها تناول هذه السياقات ضمن خصائص الحالة الفلسطينية ذات العلاقة بالشرط الاستعماري، بدءا من تعريف الحقل السياسي والنظام السياسي والمجتمع السياسي في مرحلة ما بعد "أوسلو"، وموقع ومستقبل الحالة الحزبية ضمن هذه السياقات، وربما حدود دورها ومسؤوليتها عما اكتنفها من تراجع.  

غير أن وعي الشرط الاستعماري بحد ذاته، هو الذي يطرح أهمية الانطلاق أولا من مأزق الفكر السياسي الفلسطيني، الذي تتجلى إفرازاته اليوم في البنى التنظيمية وبرامج العمل والممارسة السياسية التي تحكم واقع الحالة الحزبية كأحد مكونات الحقل السياسي. يعني ذلك، نقل الجدل حول واقع ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني إلى طور جديد؛ إلى ما بعد توصيف "الأزمة" في الفكر السياسي، وهو طور قابل للمراجعة والإصلاح، وإلى ما بعد توصيف "المأزق" المرتبط بوصول محاولات الإصلاح إلى طريق مسدودة.

حتى الآن، رغم ما تقدمه الموجة الانتفاضية من فعل مقاوم مباشر ينطلق من الحاجة للخروج من "المأزق" انطلاقا من وعي الشرط الاستعماري، تبدو الحالة الحزبية تراوح في حالة إنكار لمتطلبات الخروج من المأزق غير القابل للإصلاح. وهو إنكار يتجلى برفض الإقرار بأن سبب هذا المأزق يكمن في المقدمات والمناهج ووسائل العمل التي تعتمدها الفصائل كنتاج للفكر السياسي ذاته، والإصرار على إحالة السبب إلى عوامل أخرى، كالاختلال في موازين القوى، أو تنكر إسرائيل لالتزاماتها بموجب اتفاق أوسلو، أو الانقسام الداخلي، وغيرها من ادعاءات تنتمي إلى أسئلة من قبيل هل "الخلل في الفكر أم التطبيق"؟!

إن استمرار إحالة تبعات المأزق إلى عوامل موضوعية حصرا، على أهميتها، لن يسهم سوى في إعادة استنساخ خطاب الإصلاح المستحيل للحالة الحزبية وأشكال عملها لتحقيق المشروع السياسي الذي أطّر مناهج عمل مجمل الحقل السياسي الفلسطيني طيلة العقود الماضية، بدلا من السعى لنقل التفكير الإستراتيجي إلى الاشتباك مع تداعيات الانهيار في الفكر والممارسة من جهة، ومتطلبات إعادة البناء من جهة أخرى، بما هي عملية تهدف إلى إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني والحامل الوطني القادر على تحقيق أهدافه.

 

انتحار الفكر السياسي

إن الفكر السياسي الفلسطيني الذي نقصده، هو ما يعرفه عبد الإله بلقزيز، بأنه "الفكر الذي يؤسس رؤية للعمل الوطني، ويرسم له الاستراتيجيات، ويزود الممارسة النضالية بأجوبة عن الإشكاليات التي تطرحها تجربتها الميدانية. إنه فكر حركة التحرر الوطني الفلسطينية المعاصرة: الفكر الذي أنتجه مثقفون مرتبطون بها، مناضلون في مؤسساتها، أو قادة عمليون لم يكونوا بعيدين عن ميدان التنظير والتوجيه الايديولوجي حتى وهم يقودون العمل الوطني. إنه الفكر الذي نجد تجلياته التفصيلية في برامج فصائل منظمة التحرير، والذي تحكم معادلاته ومقدماته سائر أشكال التعبير السياسي عن الفكرة الوطنية الفلسطينية لدى هذه الفصائل ولدى الحركة الوطنية عموماً"[1].

في ضوء ذلك، لا تبدو عملية إعادة تعريف وبناء المشروع الوطني وبرامج وأشكال عمل الحركة الوطنية ممكنة دون الاعتراف بوصول الفكر السياسي الفلسطيني "التقليدي" إلى طريق مسدودة، بل وانتحاره بما هو فكر حركة تحرر وطني، عبر عملية بطيئة استغرقت أربعة عقود تنقل فيها من أطوار الأزمة، إلى إعادة إنتاج الأزمة، إلى المأزق، فالانهيار. وهي عملية بدأت بما أنتجه هذا الفكر من مقدمات ومنطلقات وأشكال عمل ما قبل أواسط السبعينيات من القرن الماضي، مرورا بما انتهى إليه في دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988، باعتماد برنامج وإستراتيجية عمل أسست عمليا لمسار تكيف النسق السياسي الفلسطيني مع متطلبات مرحلة أوسلو.

في سياق هذه العملية؛ بالانتقال من فضاء الوطن إلى فكرة "الدولة" المستحيلة، أقدم الفكر السياسي الفلسطيني على ما لم تسبقه إليه أي حركة تحرر: الانتحار! وهي مفارقة غريبة، إذ إن الجلاد قد يقتل الضحية، لكنه لا يستطيع أن يجبرها على الانتحار. لقد قامت "الواقعية السياسية" لمنظمة التحرير بذلك عندما اعترفت بـ"حق" النظام الصهيوني الاستعماري العنصري في الوجود على أرض الوطن الفلسطيني، وأُبقيت المنظمة على قيد الحياة لغاية وحيدة: استكمال ما بدأته بهذا الاعتراف "باسم الشعب" عشية "أوسلو"، للقيام بمهمة أخيرة هي المصادقة على الحل النهائي، باسم الشعب أيضا، قبل أن تُترك لتلفظ أنفاسها الأخيرة.

لقد أسس الفكر السياسي الفلسطيني بمنطلقاته وأشكال ممارسته السياسية للنتائج التي نشهدها اليوم، لاسيما من حيث "استمراء" العمل تحت سقف، وفي إطار، العلاقات الاستعمارية القائمة بين "السلطة"، وإلى حد ما الحركة الوطنية، والنظام الاستعماري. وفي هذا السياق، يمكن رؤية التحولات في الحالة الحزبية التي انتقلت من حيز وخطاب التحرر الوطني إلى حيز فكرة "الدولة" وتصوراتها الشكلانية، أو على الأقل ظلت تضع قدما هنا وأخرى هناك.

 

تحولات الحالة الحزبية

أدى هذا المنعطف إلى تعميق التحولات في الحقل السياسي الفلسطيني، ما بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وإبرام اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) عام 1993 وإنشاء السلطة بموجبه، انسجاما مع منطلقات الفكر السياسي المستند إلى إطار الصراع على أساس "حل الدولتين"، باعتباره حلا قائما على "التفاهم" عبر التفاوض الثنائي مع منظومة السيطرة الاستعمارية، ولكن في ظل علاقات قوة أسهمت في تعميق الاحتلال والاستيطان والعنصرية، عبر عملية معقدة ومتواصلة من إعادة إنتاج مصفوفات/منظومات السيطرة على التجمعات أو "المجتمعات" الفلسطينية حسب "مكانة" الفلسطيني، كما يصنفها النظام الاستعماري، في كل من معازل الضفة الغربية، وقطاع غزة، وأراضي عام 48.

يرى جميل هلال[2] أن من أبرز التغييرات التي دخلت على الحقل السياسي الفلسطيني بعد اتفاق أوسلو، انتهاء دور منظمة التحرير، التي هيمنت على هذا الحقل، وتولي السلطة الفلسطينية القيام بدور محوري في ترتيب الأوضاع الداخلية للحقل. وبذلك، انتقلت عملية صناعة "الهيمنة" في الحقل السياسي الجديد من أطر المنظمة إلى أطر سلطة تسعى للتحول إلى دولة على إقليم فلسطيني.

وفق هذا التحليل، يرى هلال أن الحقل السياسي الجديد، أو ما يسميه أحيانا "النظام السياسي"، يشكل امتدادا للحقل القديم. فقد ورث "الجديد" تعددية سياسية وحزبية وفكرية من الحقل السابق الذي هيمنت عليه المنظمة. كما دخلت تشكيلات سياسية جديدة على هذا الحقل تمثلت في منظمات الإسلام السياسي. لكن هذه التعددية تعرضت لتحولات مهمة أثرت على التشكيلات السياسية ضمن الحقل المتشكل بعد قيام السلطة، قي مقدمتها تراجع حجم التأييد الجماهيري لفصائل المنظمة، وبخاصة اليسارية، المعارضة والمتقبلة لاتفاق أوسلو على حد سواء، وتولي حركة فتح دور ومهام التنظيم المسيطر على مقاليد السلطة، ومساعيها لتحديد قواعد "اللعبة" السياسية، وأولها وجود سلطة مركزية واحدة في حقل سياسي لا يُسمح بازدواجية فيه، وثانيها أن العمل المسلح انطلاقا من مناطق السلطة، وبدون موافقتها، غير مقبول، وثالثها أن المجال متاح لمعارضة وتعددية سياسية وحزبية سلمية في إطار سيطرة "فتح" على الحكم.

مع ذلك، ثمة جدل إذا ما كان "النظام السياسي" الناشئ منذ قيام السلطة قد شكل امتدادا للحقل السياسي الوطني، يحمل سماته وبناه ومكوناته، أم شكل قطعا معه، أم أنه هيمن من الناحية العملية على الحقل السياسي للمنظمة، الذي يشمل مكونات الحركة الوطنية ذات الامتدادات التنظيمية في الأراضي المحتلة عام 67 والشتات.

في ضوء ذلك، مثلا، هل يصح الادعاء أن حركة حماس قد دخلت الإثنين معا؟ وأين يمكن تصنيف حركة الجهاد الإسلامي؟ وهل يصح القول أيضا إن فصائل المنظمة تكيفت مع قواعد "اللعبة" السياسية التي سعت "فتح" لفرضها، في حين يعتبر عدم انصياع "حماس" لهذه القواعد أحد أسباب الانقسام الذي اعتبرته "فتح" انقلابا على "الشرعية"، أي على قواعد "اللعبة"؟

في كل الأحوال، كان ما حدث أشبه بمحاولة "حشو" الحقل السياسي بتشكيلاته السياسية القديمة والجديدة ضمن "النظام السياسي" المفصل على مقاس اتفاق أوسلو والسلطة التي أنتجها، من حيث البنية والمؤسسات والصلاحيات والوظائف وخطاب الدولة الزائف. كما لم تنعكس التغيرات في مكونات الحقل السياسي على موازين القوى وحجوم التشكيلات السياسية ضمن "النظام السياسي".

في المقابل، لم يفرز الواقع الجديد لهذا النظام المتشكل بعد "أوسلو" بنى حزبية، أو قوى سياسية جديدة، خارج إطار نموذج الحقل السياسي للمنظمة، إذ تحولت حركة فتح إلى حزب السلطة، في حين اكتنف الارتباك والالتباس موقع ودور الفصائل اليسارية التي أصبح بعضها لاحقا معارضة في "سلطتين" يسعى كل منهما لفرض شروط "لعبته" السياسية.

أكثر من ذلك، إذا كان ممكنا الحديث مجازا عن نظام سياسي فلسطيني في ضوء تصوراته "الدولانية" عن نفسه، فإن انغلاق الأفق أمام ما يعرف باسم "حل الدولتين"، أي إمكانية تحول مشروع سلطة الحكم الذاتي إلى دولة مستقلة أولا، إلى جانب الانقسام الداخلي ثانيا، يثيران مزيدا من الشكوك بشأن صوابية الحديث عن نظام سياسي فلسطيني. وفي أحسن الأحوال، يمكن الحديث عن حقل سياسي مشتت، يتشكل من قوى وطنية دخل معظمها في مرحلة انهيار بنيته التقليدية التي شكلت ما كان يعرف بحركة التحرر الوطني ما قبل قيام السلطة الفلسطينية، ومن قوى إسلامية يبدو ركنها الأساسي (حماس) في حالة صعود لكن باتجاه ذروة الأزمة بالاقتراب من منطلقات ومقدمات الفكر السياسي للحقل المتشكل ضمن منظمة التحرير، كما تجلى بالانخراط في السلطة القائمة وفق محددات "أوسلو"، والتبني "الخجول" لفكرة "الدولة"، بل وتمرير تشكيل حكومة تلتزم ببرنامج الرئيس.

في وصفه لمسار التراجع في موقع ودور الحركة الوطنية التقليدية، يقول عزمي الشعيبي[3]: "لقد تآكلت المشروعيات، وتآكلت معها معالم البرنامج الوطني الذي أقر العام 1988، وأدت القضايا التفاوضية وشخوص هيئة القيادة التي شاخ بعضها، أو غابت بسبب الموت، ونازعتها قيادات وشخوص جديدة من خارج المنظمة، إلى بهتان في القيادة والبرنامج لدى جيل الأبناء وأبناء الأبناء، بعد أن جرى طحن واستيعاب جيل الأبناء في بوتقة السلطة ومراكزها وامتيازاتها تحت مسميات وهمية جرى نفخها على غرار معالي الوزير، وسيادة اللواء، والسيد المدير العام. وقد ترافق كل ذلك مع التداخل والتشتت الذي حصل على صعيد آليات تنفيذ أهداف الفلسطينيين في التحرر والاستقلال، حيث تم رفع شعار المقاومة من قبل قوى وفصائل مختلفة، بعضها مارسه موسميا وبعضها مارسه بشكل رمزي في المناسبات، وبعضها لم يمارسه إلا في الخطابات، في حين انغمس الجزء الرسمي المتبقي من المنظمة طيلة سنوات في التفاوض المباشر مع الجانب الإسرائيلي، دون أن يعرف المواطنون لماذا تقف المفاوضات ولماذا تستأنف".

وعلى مستوى الفصائل، يضيف الشعيبي: "تبنت معظم فصائل العمل الوطني تاريخياً المقاومة بأشكالها المختلفة، وبعضها تبنى شعار المقاومة الشعبية منذ فترة ليست ببسيطة، ولم تستطع أي منها أن تمارس هذا الأسلوب بشكل فعال ودائم يمكن اعتباره إستراتيجية عمل ووسيلة يومية للنضال، حيث لم تنخرط قياداتها ومنظماتها وأطرها وكوادرها في ممارسة ذلك كمنهاج عمل، وبخاصة بعد عودتها بعد أوسلو إلى الأرض المحتلة. ويعود الفشل في ذلك ليس لأسباب ذاتية لهذه الفصائل فحسب، وإنما إلى مجموعة من العوامل التي رافقت قيام السلطة الوطنية بعد العام 1994، كان أبرزها أن المشروع الوطني لم يعد واضحا، لأن الغالبية العظمى من القيادات الوطنية وكوادرها العليا انشغلت في الحصول على حصتها في السلطة ومغانمها، وبالتالي فإن الغالبية العظمى من المواطنين الفلسطينيين لم يلمسوا وجود قيادة حقيقية مخلصة لاستراتيجية المقاومة، بما فيها الشعبية، ومنخرطة للمشاركة فيها".

وفي حين كان يتعمق المشروع الاستعماري الاستيطاني العنصري، كان المشهد الفلسطيني العام يزداد تجزئة وتهشما في مختلف الحقول والميادين بدءا من الجغرافيا والديموغرافيا والاقتصاد، مرورا بالثقافة والفكر، وليس انتهاء بالسياسة ذاتها. وإن كان يصعب تجاهل تأثير التراجع في كل من هذه الميادين على المشهد العام، إلا أن الأكثر تأثيرا في سياق اضمحلال فكرة "الدولة" تمثل في أفول السياسة، بما ترتب عليه من تفكك المبنى السياسي العام نفسه، وفقدان المركز القيادي الموحد والبعد الوطني الجمعي، وانحطاط الممارسة السياسية إلى مستوى الصراعات على مواقع القوة والنفوذ في كيانات سياسية غير مترابطة في الضفة والقطاع، وتعمل تحت سقف منظومة السيطرة الاستعمارية.

عند هذه اللحظة في تهشم المشهد السياسي وصناعة الانقسام الفلسطيني، انتهت وظيفة أوسلو إسرائيليا، وانفتحت وظيفته فلسطينيا، فتم تفكيك المفكك أصلا، من قبل أطراف الصراعات الداخلية بامتداداتها الإقليمية والدولية، وتم إقصاء شرائح وفئات واسعة عن المشاركة السياسية، كما تراجع دور الأحزاب والنخب السياسية والمنظمات الأهلية والاتحادات والنقابات والشباب ووسائل الإعلام المستقلة.

في المقابل، كان يوفر ذلك ما يلزم من مبررات ومقومات لتطور مسار جديد يكسر احتكار السياسة عبر أشكال متعددة من التعبير والعمل السياسي تؤسس لإمكانية إعادة بناء الحقل الوطني في فضاء ما زال قيد التشكل. وهو ما يطرح تحديا "وجوديا" أمام الحالة الحزبية من حيث القدرة على تجديد فكرها وبرامجها وبناها التنظيمية وأشكال ممارستها السياسية للالتقاء مع ارهاصات تشكل الحقل السياسي الجديد، أو البقاء خارج هذه العملية بانتظار مآلات الأفول النهائي.

 

أشكال العمل الجديدة

كان لكل ذلك تأثيره على تعميق الفجوة بين المنظمة والسلطة والفصائل التي تكيفت مع منطق الهيمنة من جهة، والجمهور الفلسطيني من جهة أخرى. وهي فجوة تطال عدم الثقة بالمؤسسات والقيادة وخياراتها السياسية، وتزايد عزوف الشباب عن العمل السياسي ضمن التشكيلات الحزبية القائمة. وهو ما تظهره نتائج عدد من استطلاعات الرأي العام الفلسطيني، من بينها استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية قبل اندلاع الموجة الانتفاضية، وأعلن نتائجه يوم 6/10/2015، حيث بيّن أن نسبة 65% من المستطلعين يريدون من الرئيس الاستقالة، و51% يعارضون "حل الدولتين"، و63% يؤيدون اللجوء لمقاومة شعبية غير مسلحة، و51% يؤيدون حل السلطة الفلسطينية، و57% يؤيدون العودة لانتفاضة مسلحة[4].

وحسب نتائج استطلاع آخر أجراه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد" مطلع الأسبوع الرابع للموجة الانتفاضية، فإن 56% متفائلون بهذه الهبة (%60 في الضفة، و%49 في القطاع)، و63% يؤيدون اندلاع انتفاضة شاملة ثالثة. ورغم أن %62 يرون بأن المجتمع الفلسطيني جاهز للدخول في انتفاضة ثالثة، إلا أنه فيما يتعلق بالدوافع للمشاركة في مظاهرات ضد الاحتلال، قال 68% أنهم لن يشاركوا في المظاهرات إذا دعت لها حركة حماس، و%64 لن يشاركوا في المظاهرات إذا دعت لها حركة فتح[5].

وبالقدر الذي يقدم فيه ما سبق مؤشرات على تطور الوعي الشعبي خارج نطاق منظومة عمل الحقل السياسي التقليدي والخيارات السياسية "الرسمية"، فإنه يؤكد على حيوية القضية الفلسطينية واستمرار صمود الشعب الفلسطيني، كما يتبين من تحليل السياق الذي تندرج فيه الموجة الانتفاضية الحالية بصفتها امتدادا لمسار جديد بدأ، بشكل خاص، مع أفول دور الحركة الوطنية التقليدية منذ توقيع اتفاق أوسلو وإنشاء سلطة الحكم الذاتي. وقد لعب الشباب من خلال المبادرات المجتمعية والتطوعية السياسية دورا بارزا في شق هذا المسار الجديد، الذي يحمل معه مؤشرات على كسر احتكار السياسة من قبل السلطة والفصائل في آن واحد.

وقد أظهر استطلاع لرأي الشباب في الضفة الغربية وقطاع غزة، أجراه معهد "أوراد" في تموز 2013، مؤشرات على عزوف الشباب عن المشاركة السياسية "الحزبية"، وانخراطهم في فعاليات ومبادرات خارج النسق السياسي التقليدي، حيث أن 75% من الشباب على استعداد للمشاركة في تظاهرات ضد الاحتلال، ورغم أن 46% صرحوا بأنهم نشيطون مجتمعيا، و43% نشيطون تطوعيا، و19% نشيطون سياسيا، إلا أن الاستطلاع أظهر تراجعا كبيرا في نشاط الشباب في الأحزاب السياسية بحيث تدنت النسبة إلى 20% فقط[6].

يعني ذلك أنه بالتزامن مع تزايد العزوف عن المشاركة في النشاط السياسي ضمن الحالة الحزبية القائمة، خلال فترة ما بعد اتفاق أوسلو، تبلورت أشكال للتعبير السياسي والثقافي والفني في نطاق فلسطين التاريخية والشتات تؤسس لمرحلة جديدة تعتمد على تحدي العلاقات الاستعمارية والخروج عليها والكفاح من أجل تفكيك المنظومة التي تحكمها. فقد شهدت التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات، لا سيما منذ توقيع "اتفاق أوسلو" وإنشاء السلطة، مرورًا بالمتغيرات العربية في العام 2011، سلسلة من الفعاليات والمبادرات المتتالية عكست بداية تطور أشكال جديدة من التعبير عن الهوية والرأي والعمل السياسي والكفاحي، خارج نطاق منظومة عمل منظمة التحرير والسلطة والفصائل السياسية، التي تآكلت شرعيتها المستمدة من الإرادة الشعبية، وبخاصة مع انقسام السلطة إلى سلطتين في قطاع غزة وبقايا الضفة الغربية.

وتصدر جيل الشباب العديد من هذه الفعاليات والمبادرات عبر تعبيرات سياسية وكفاحية واجتماعية وثقافية عديدة، انطلاقًا من برامج عمل تركز على قضايا محددة، ومنها نماذج حركة المقاطعة، حركة حق العودة، الحراكات الشبابية، لجان مقاومة الاستيطان والجدار، مبادرات لنصرة الأسرى، وأخرى لرفع الحصار عن قطاع غزة. كما برزت أشكال تشاركية من الفعل الشعبي المقاوم للمخططات الإسرائيلية متماثلة الأهداف على جانبي ما يسمى "الخط الأخضر"، لاسيما الاستيطان والمصادرة والتطهير العرقي (مثل التصدي للتهجير القسري عبر مخطط "برافر" في النقب، وعمليات الهدم والتهجير في سوسيا ومناطق أخرى جنوب الضفة)، وذلك بالتنسيق بين مجموعات ولجان شبابية في عدد من التجمعات الفلسطينية في الوطن والشتات.

هذا هو الفضاء الجديد الذي يتم فيه إرساء مقدمات عملية إعادة بناء الحقل السياسي الوطني، من خلال برامج عمل تنطلق مما يجمع قطاعات ذات حقوق ومصالح مشتركة. وفي حين يرى البعض أن النزوع باتجاه التركيز على برامج العمل التشاركية في غياب المركز القيادي الموحد، من شأنه أن يعمق تهشم المشهد الفلسطيني، وأن الأولوية تبقى لإعادة بناء وإحياء المؤسسات الفلسطينية، وبخاصة التمثيلية منها، يرى آخرون أن تطوير منظومات جديدة للعمل السياسي وفق برامج عمل تشاركية تتناول قضية وطنية عامة يجمع عليها الفلسطينيون، أو قضايا تخص هذا التجمع الفلسطيني أو ذاك، قد تكون هي المدخل لإعادة بناء المؤسسات والحركة الوطنية عموما.

ومع الإقرار بالحاجة لمزيد من النقاش حول أولوية نقطة البداية في كل من هاتين المقاربتين، أو ربما الجمع بينهما، لم يعد مجديا تجاهل أن السنوات الماضية شهدت تطور مسار جديد لا يؤمن بإعادة بناء الحركة الوطنية كمدخل لبناء وتطوير برامج العمل، بل يرى أن استقطاب أوسع الفئات من الفاعلين ضمن منظومات من برامج العمل التشاركية تحت مظلة الحقوق التاريخية والطبيعية للشعب الفلسطيني، واستعادة الوعي بالشرط الاستعماري ووعي الذات ومكامن قوتها على المستوى الشعبي، هو المدخل لإعادة بناء التمثيل والحركة الوطنية.

وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الفعل الشعبي المقاوم حاليا باعتباره مرحلة جديدة في وعي الذات وقدرتها على التغيير، عن طريق أشكال جديدة من الكفاح التي يوجهها برنامج عمل تشاركي يستقطب دون تخطيط مسبق فئات ذات مصلحة في السعي لالتقاط زمام المبادرة في إعادة صياغة علاقة الشعب مع الاحتلال، ضمن إطار الصراع التحرري.

إن مثل هذا الوعي بالذات وقدرتها على التغيير عبر التمرد على منظومة السيطرة الاستعمارية يعكس أيضا واقعا جديدا يتسم بكسر احتكار السياسة من خلال أشكال وبرامج عمل جديدة تقطع مع الأشكال التقليدية في العمل الرسمي والفصائلي في نطاق المعازل التي تديرها السلطة تحت سقف منظومة السيطرة الاستعمارية[7].  

 

خاتمة

لا بد من القول إن الجديد يولد من رحم القديم، وهو ما يمكن ملاحظته من مشاركة الكثيرين من أعضاء الفصائل السياسية في الفعل المباشر ضمن فعاليات الموجة الانتفاضية، وبضمنها عمليات الطعن والدهس، ولكن دون انصياع لقرار حزبي، وكأن الموجة الانتفاضية بحد ذاتها باتت تشكل برنامج عمل تشاركيا خارج نطاق منظومات العمل الحزبي التقليدي. أي أنه برنامج يتطور في فضاء جديد بات يستقطب جزءا من مكونات الحقل السياسي التقليدي، مع ما يحمله من خبرات تنظيمية وكفاحية.  

ويشير ذلك إلى أن الحالة الحزبية ذاتها تمر بمرحلة انتقالية يصعب فيها القفز إلى الاستنتاج بأن كسر احتكار السياسة يعني انتهاء الدور السياسي للفصائل، رغم أفول دورها التاريخي من حيث قدرتها على قيادة الشعب الفلسطيني لتحقيق أهدافه الوطنية الاستراتيجية. إذ انها لا تزال الإطار المنظم لممارسة السياسة، ولديها جمهورها وتتصدر أشكال المقاومة المسلحة، وبخاصة في قطاع غزة، ولها تأثيرها المهيمن على المنظمة والسلطة والاتحادات والنقابات، وبخاصة الحركة الطلابية.

لا يزال المظهر الأبرز هو استمرار حالة التداخل أو التعايش بين أنماط العمل القديمة والجديدة، ما يتيح الفرصة أمام الحالة الحزبية للمراجعة واستخلاص الدروس باتجاه تجديد فكرها ودمقرطة بنيتها التنظيمية، وإعادة الاعتبار للسياسة عبر شكل ممارستها المنظم والجماهيري من خلال العمل التنظيمي. وهي عملية تتطلب تغييرا في الأهداف وأساليب العمل والقواعد التي تحكم السياسة ذاتها، أي إعادة بناء الفكر السياسي واستراتيجيته والحامل الوطني لأهدافه وبرامج وأشكال عمله، للالتقاء عند نقطة ما مع أشكال العمل السياسي والكفاحي الآخذة في التبلور والاتساع خارج المنظومات التقليدية للعمل المؤسساتي والحزبي، باتجاه إعادة تشييد الحقل السياسي الوطني ومشروعه التحرري على قاعدة إعادة صياغة العلاقة مع النظام الاستعماري.

إن اتساع أشكال العمل القائمة على الفعل المباشر في مواجهة النظام الاستعماري، تحمل معها إرهاصات باتجاه إعادة تشييد حقل سياسي وطني له فكره ومشروعه التحرري وأدواته انطلاقا من التمسك بحقوق الشعب الفلسطيني الجمعية، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير. ويجدر أن تكون الحالة الحزبية بخبراتها وأشكال عملها المنظمة وجمهورها جزءا من هذه العملية الجديدة التي لا يمكن لها أن تنجح إلا بإعادة بناء الفكر السياسي الفلسطيني، بما هو فكر حركة تحرر وطني.

 *

مدير البحوث والسياسات

المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)



[1] عبد الإله بلقزيز، مأزق الفكر السياسي الفلسطيني، موقع "إيلاف"، 31/12/2014. http://elaph.com/NewsPapers/2004/12/30988.htm?sectionarchive=NewsPapers

[2] جميل هلال، النظام السياسي الفلسطيني بعد أوسلو، مواطن – المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، الطبعة الأولى، تموز 1998.

[3] عزمي الشعيبي، منظمة التحرير: البرنامج الوطني وآليات تنفيذه، منشورات المؤتمر السنوي الأول للمركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية (مسارات)، تموز 2012، ص (41 – 54).

[4]  المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رام الله، 6/10/2015- http://www.pcpsr.org/ar/node/622

[5] نتائج استطلاع آخر أجراه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد"، موقع "أمد" الإخباري، 7/10/2015، http://www.amad.ps/ar/?Action=Details&ID=97147

[6] نتائج استطلاع آخر أجراه معهد العالم العربي للبحوث والتنمية "أوراد"، في تموز 2013 - www.awrad.org

[7]  لمزيد من التفصيل، انظر خليل شاهين، سياق الموجة الانتفاضية وآفاقها، تحليل وضع، منشورات المركز الفلسطيني لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجية (مسارات)، تشرين الثاني/نوفمبر 2015 - http://www.masarat.ps/sites/default/files/content_files/thlyl_wd_-_syq_wafq_lmwj_lntfdy_-_khlyl_shhyn.pdf

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS