تقرير اسكان معلمي نابلس حول ضياع مشروع إسكاني وتحوله لمعسكر تدريب لجيش الاحتلال يفرض مساءلة حكومة "الفتى الذهبي"..لصالح من تعملون بالواقع!

أما آن الأوان للشَّعْب الفِلِسْطيني بَلْوَرة مشروعه النَّهْضَوِيّ التَّحَرُّرِيّ النَّقيض للمَشْروع الصَّهيوني ؟؟

أما آن الأوان للشَّعْب الفِلِسْطيني بَلْوَرة مشروعه النَّهْضَوِيّ التَّحَرُّرِيّ النَّقيض للمَشْروع الصَّهيوني ؟؟
  • شـارك:
د. غانية ملحيس

أمد/ اسْتَوْقَفني سُؤالٌ اسْتِنْكاريٌّ لأحَدِ الأصْدِقاء حَوْلَ ماهِيَّة الرِّسالة التي أنْوي إيصالها إلى الجيلِ الفِلسطينيّ الفَتِيّ المُنْتفض ، بالقَوْلِ في مَقالٍ سابقٍ " بإمكانيّة التّسامُح مع يَهودِ إسرائيل ، باعْتِبارِهِمْ أيْضاً ، مِثْلَنا ، ضَحايا لِلمَشْروع الاسْتِعْماري الغَرْبي الصّهيوني ، والاسْتِعْداد ، بذلك ، للاعْتِراف لَهُمْ بِحُقُوقٍ مُكْتَسبةٍ في فلسطين ، عند تَخَليهم عن الفِكْر الاسْتِعْماريّ الاسْتيطانيّ الصّهيوني العُنْصري وَقُبُولهم بالعَيْش المُشْتَرك مع أصْحَابِهِ الفلسطينيّين الأصليّين ( المُقيمين واللاجئين العائدين ) في الوَطَنِ الواحد ، في إطارِ نظامٍ ديموقراطيٍّ تَعَدُّدِيٍّ بتساوٍ تامٍّ أمام القانون " ، في مُحاوَلةٍ لاسْتِلهام تَجْرُبة جنوب إفريقيا في حَلِّ الصِّراع الفلسطيني - الإسْرائيلي .

وعَبَّر الصَّديق عن اسْتِهجانِهِ لمُجَرَّدِ التَّفْكيرِ بإمْكانِيّةِ التَّسامُح مع "الذين قَدِموا للاسْتِيلاءِ على مُقَدَّرات شعْبِنا واقْتِلاعِهِ من أرْضِه وَوَطنِهِ والسَّيْطرة على الثَّروات العَرَبِيَّة ! ".

ولَفَتَني ، أيْضاَ ، عَديد التّعْليقات على مَقَالي السَّابق ، الذي اسْتَعَرَضْتُ فيه النَّماذِج الثّلاث التي عَرَفَها التّاريخ الإنْسانيّ لِحَلِّ الصِّراعات ذات الطابع الاسْتيطاني .

ولا يَقْبَل أصحابُ هذهِ التَّعْليقات سوى بِنَموذجٍ أوْحَد لحلِّ الصِّراع الفلسطيني - الإسْرائيلي ، مهما طالَ الزَّمن ، تَتَحَقّق فيه العَدالة المُطْلَقَة بإلْحاق الهَزيمة السّاحقة بالمُسْتَوْطنين اليَهود وَرَحيلهم إلى مَواطِنِهِم الأصليّة ، أُسْوَةً بالنّموذج الثاني الإفْرَنْجي "الصَّليبي" قبل تِسْعَةِ قُرون ، والاسْتيطان الفَرَنْسي في الجَزائِر في ستّينِيّاتِ القَرْنِ الماضي .

فيما لَمْ تَسْتَبْعِدْ بَعْضُ التَّعليقاتِ المُفْرِطَةِ في التَّشاؤم ، إمْكانيّة حَلِّ الصِّراع وِفْقَاً للنَّموذج الأوَّل الذي حَقَّق فيه المُسْتَوْطنون الأجَانب انْتِصاراً ساحِقاً على أصْحابِ البِلاد الأصليّين ( الولايات المُتَّحِدَة الأمريكيّة، كندا ، أستراليا ، نيوزيلندا )، مُبَرِّرِين ذلك بالوَضع الفلسطيني المُتَرَدّي وفُقدان البُوصَلة وتَعَمُّق الانْقِسام السّياسي والتّنظيمي والجُغْرافي ، واحْتِدام الصِّراعات الدّاخِلِيّة الفئويّة والشّخْصِيّة، وتَزامُنِ ، ذلك ، مع التَّشَظّي العربي والإسْلامي وتَحالف مُلوكِ وأمَراء وزُعَماء الطّوائف والقَبائِل والفَصَائِل مع المُحْتلّ الصّهْيُوني ودَاعِميه .

وَلَفَتني، كَذلك، سُؤالٌ تشَكُّكِيٌّ لِصَديقٍ آخَر حَوْلَ مَدى صَوابِيَّة حَصْرِ نموذج حَلِّ الصِّراع الفلسطيني - الإسرائيلي بالنّمَاذِج الثّلاث، واستِبْعاد حَلِّ الدَّولتين وِفْقاً لحُدود عام 1967 ، " في ضُوء خُصُوصِيَّة واخْتِلاف النَّموذج الاسْتيطاني الصّهيوني مِنْ حَيْث المَبْدَأ ، لِكَوْنِه نَتاج تَوافُقٍ دَوْلِيٍّ نادِر ، ما يَزال مُتَواصِلاً ، حَوْل حَلِّ ( المَسْألة اليَهودِيّة ) خارج الحُدود الجُغرافيّة لِلقُوى الدَّوليّة المُتَنَفِّذة ، ما يَجْعل الشّعب الفلسطيني يُواجِه ، بالإضافة لإسْرائيل ، قُوى دَوْلِيّةً عُظمى ، ويُكْسِب بالتّالي الصِّراع فَرَادةً يُفْتَرض أنْ تُلقي بظلالِها على نَموذَجِ حَلِّه " .

وعَلَيْه ، فَإنَّه يَعْتَقِد بِأنَّ إخفاق " حَلِّ الدِّوْلَتيْن " على أساس حُدود عام 1967" لا يَعود إلى المَبْدأ - كما ذَهَبْتُ إليْهِ في مَقالي السَّابِق - وإنَّما هو ناجِمٌ في الأساس عن انْتِهاجِ الفلسطينيّين للتَّفاوُض الثّنائي كَمَنْهَجٍ وَحيد ".

وَنَبَّهتني هذه المُلاحَظات النَّقْدِيَّة المُهِمَّة، واسْتِمرارُ التَّبايُنِ الشّاسِع في تَصَوُّرِ الفلسطينيّين للمُسْتَقْبل المَأمُولِ والمُمْكِن ، إلى عُمْقِ المأزَق الفلسطينيّ .

فَهَلْ يُعْقَل أنْ يَبْقى المُسْتَقْبَل الفِلِسطيني مخْتَلِفَاً علَيْهِ إلى هذا الحَدِّ ومَفْتوحاً على كافّةِ الاحْتِمَالات بَعْدَ أكْثَر مِنْ قَرْنٍ على بدءِ الصِّراعِ مع المَشْروع الاستِعْماري الغَربي الصّهيوني ، وَنَحْو سبعة عُقودٍ على نَجاحِه في إقامَة كِيانِهِ الاسْتيطاني في 78%من مَساحة فِلسْطين ، وأكْثَر من نِصْفِ قَرنٍ على احْتِلالِه لبَقِيَّتِها ثُمَّ تَسارُعِ تَمَدُّده فيها جُغرافِيّاً وديمُغْرافِيّا ؟؟!

هَلْ يَجوزُ أن يُواصِلَ الشَّعبُ الفِلِسْطيني دَاخِل الوَطَنِ وفي المَنافي نِضالَه المُسْتَميت على مَدى أجْيالِهِ المُتَعاقِبَة ، بِلا تَوافُقٍ وطَنِيٍّ واضِحٍ على المُسْتَقْبَل المأمول بُلوغه، وعلى سُبُلِ وأدْوارِ مُخْتَلَفِ التَّجَمُّعاتِ الفِلسْطينيّة في تَحْقيقِه ؟؟

هل يُمْكِن أنْ تَسْتَمِرّ الفَصائل والتَّنْظيمات والأحْزاب والحَرَكات الفلسطينيّة في قيادَةَ الشّعب الفلسطيني في الوَطَنِ والشَّتات في اتِّجاهاتٍ مُخْتَلِفَة ، وأحْياناً مُتَضارِبَة ومُتَعارِضَة ، لافْتِقارِها إلى بوصَلَةٍ وطَنِيَّة جَامِعَةٍ مُوَجِّهَة ، وبلا اعْتِبارٍ لِكُلْفَة وتداعِياتِ ذلك على الشَّعبِ والوَطَنِ والقَضِيّة ؟؟

هل يُمْكِنُ أنْ تُواصِل النُّخَب الفلسطينيّة على اخْتِلاف انْتِماءاتِها وَمَواقِعِها هذا التّيه على الرَّغم مِن وُضوحِ الحُقوق الوَطَنِيّة الفلسطينِيّة المَشْروعَة ، وبالرَّغْم من تَمَسُّكِ الشّعب الفلسطيني في كَافَّةِ أمَاكِنِ تَواجُدِهِ بِثَوابِتِ الحُرِّيّة والعَوْدة والمُساواة وَتَقْرير المَصير على أرْضِ وطَنِه ، واسْتِعْدادِه للتَّضْحِيَة بلا حِسابٍ من أجلِ بلوغِ ذلك ؟؟

ولِماذا تَبْدو هذه النُّخَب عاجِزَة ويُهَيّأ لها بأنَّ المُسْتَقْبَل الفِلِسطيني يَخْضَع لِلأقْدار وَيَرْتَبِط بالظُّروفِ وبِسُلوكِ الغَيْر؟؟ على الرَّغمَ من أنَّ التّاريخَ الإِنْسانيَّ قَديمُه وَحَديثُه، حَافِلٌ بالبَراهين والأدِلّة الدّأمِغَة التي تُثْبِت ارْتِباط مَصَائِرِ الأمَمِ والشُّعوب ، كبيرها وصَغيرها ، بإرادَتِها الحُرَّة ، وبإصْرارِها على التّمَسُّكِ بحَقِّها الأصيل في الحُلم بِهَدَفٍ إنْسانيِّ مَشْرُوع ، ويَرْتَبِطُ أساساً بِنُضْجِها ، وِبِمَقْدِرَةِ أُطُرِها القيادِيَّة والمُؤَسّسِيّة على تَحْويل هذا الهَدف إلى رُؤْيَةٍ نَهْضَوِيَّةٍ جامِعٍة تَعْكِس طُمُوحات وتَطلُّعات أبناء الوَطن الواحِدْ، وَتَضمَن تلاقي مَصَالِحِ كافّة مُكَوِّناته المُجْتَمَعِيّة حَوْلَ القَاسِمِ المُشْتَرَك الأعْظم . ويَرْتَبِط ،كذلك، بِقُدْرَتِهِم على فَهْمِ الظّروف الذَّاتِيَّةِ والمَوْضُوعِيّة بِدِقَّة ، وإدْراكِ ما قَدْ تُتيحه من فُرَصٍ يُمْكِن أن تُقَرِّبَهُم من أهدافِهِم لالْتِقاطِها ، وما تنطَوي عَلَيْهِ مِنْ مَخَاطِر يُمْكِن أنْ تُبْعِدَهُم عَنْ تِلْكَ الأهْداف لِدَرْئِها .

كما يَرْتبط بمَدى وَعْيِهِم بظُروفِ واحْتِياجاتِ وأوْلَوِيّات المُكَوِّناتِ المُجْتَمَعِيَّة المُخْتَلِفَة وبِسُبُل المُواءَمَةِ المُثْلى بَيْنَها وبيْنَ أهْداف البرنامَج الوطني التَّحَرُّري ، لِضَمانِ انْخِراطِها فيه ، ولِتَعْزيز المناعَة المُجْتَمَعِيَّة .

ويَرْتَبِطُ ،أيْضاً ، بمَقْدِرَتِهِم على انْتهاج السِّياساتِ والاسْتْراتيجِيّاتِ المُلائِمة ، ووَضْعِ خُطط العَمَل والبرامِجِ التَّنفيذِيّة التي تُمَكِّنهم مِن الاقْتِرابِ المُتَدَرِّجِ من الأهَدافِ وِفْق جَداولَ زَمَنِيَّةٍ مَعْقولَةٍ ومَعْلومة ، وبالتِزام العدالة في تَوزيع أعباء تَحْقيقها على الجميع .

ما خَطْبُ النُّخَبِ الفلسْطينيّة إذا كانَت كافَّة الدَّلائِل تُشير إلى الدَّور الرَّئيس للعاملِ الذَّاتي في تَحْديد المَصير ؟؟ وهل يَجوز لنا نَحْنُ الفلسطينِيّين أن نسْتَسْلِمَ للعَجْزِ ونُواصِلَ تَبْرير اسْتِمْرار إخْفاقنا وتَزايُدِ ابْتِعادنا عن تَحْقيقِ أهْدافِنا الوَطَنِيَّة التَّحَرُّرِيّة، بالظّروف التي تُحيطُ بِقَضِيَّتِنا والقُوى الدَّوْليّة والإقليميّة والعَرَبِيَّة التي تَتَآمرُ عَليْنا وتَتحالف ضِدَّنا وتتكاتف لِحِرْمانِنا من بُلوغِ حُقوقِنا الوَطَنِيّة المَشْروعة ، وَتُوَفَّر لِعَدُوِّنا قُدُراتٍ هائلة تُمَكِّنه مِنْ إحْباط كُلِّ مُحاولاتِنا المُتَواصِلَة على امْتِدادِ أكْثَر مِنْ قَرْن ؟؟

ألا يَتَوَجَّب عَلَيْنا أن نُدْرِكَ أنَّنا لَسْنا وَحْدَنا من تَعَرَّض، وما يَزالُ ، للتّآمُرِ الخارِجي ، وأنَّه ، رُبَّما ، لَمْ تَسْلم أمَّةُ أو شّعْبٌ مُنْذُ بَدْء التّاريخ من التَّآمُر الخارجي وإن بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةِ الشِّدّة ؟؟

لا أهْدِفُ مِنْ وَراءِ التَّرْكيزِ في مَقالاتي على تَقْصيرِ النُّخَبِ ودَوْرِ العَامِل الذّاتي في الإِخْفاقِ الفلِسْطيني، كما قَدْ يَخال البَعْض ، إلى إلغَاء أو تَقْليصِ دَوْر التّآمر الخارجي الدّوْلي والإقْليمي والتَّواطؤ العربي وَتَأثيراتِهِ الكَبيرة على مَسارِ الصِّراع الفلسطيني -الإسرائيلي ومَآلِه .

وأُعْلَمُ أنَّه رُبَّما لمْ يَعْرِف التّاريخ البشريّ المُدوَّن مثل هذا الحَشْد مِنَ القُوى الدّوليّة والإقليميّة ، وبِضِمْنِها بَعْض القُوى العَرَبِيَّة المُشاركة ، طوْعاً أوْ كُرْهاً، بالتّآمر على شعبٍ صغيرٍ مُسالم ، والإسْهام في مُحَاوَلَةِ تَصْفِيَته وَتَشْريده واحْتِوائه لإرْغامِه على الرُّضوخ لِمَنْطق القُوّة المُنْفَصِل عن الحُقوق ، والتّسليم بقَدَرِه بالتّنكّر لِتَاريخه والقُبول بإحْلالِ الغُزاة الأجانب المُسْتوطنين مَكانه . وأعي أنَّه رُبّما لمْ يَعْرِف التّاريخُ ، أيضاً ، مثل هذا الاسْتِعْصاء مِنْ شَعْبٍ صغيرٍ أعْزل ، مَا يَزال يُصارِعُ لِلقَرْنِ الثاني على التَّوالي مِنْ أَجْلِ البَقاء الوَطني ، رغم ضخامة الفوارق في موازين القوى، وفداحة ما يَتكبّده من خسائر بشريّة ومادِّيَّة على امْتِداد أجْيالِه المُتَعاقِبة .

لكِنَّني على الرَّغْمِ مِنْ ذلك، شديدَةُ اليَقين بِأنَّ طَريقاً واحِداً مُمْكِناً لا بَديلَ سِواه للخُروجِ مِنَ المَاْزَقِ الفِلسْطيني الرَّاهِن، الذي اسْتَطال أكْثَرَ مِمّا يَتَوَجّب ، يَكْمُنُ بالاعْتِرافِ أوَّلاً : بأننا كَفِلِسْطينِيّيّن نَقِفُ أمَام إخْفاقٍ شامِلٍ بامْتِياز، وبِأنَّنا، جَمِيعاً، نَتَحَمَّل مَسؤولِيّةً مُشْتَرَكَةً عَنْ تَزايُدِ ابْتِعادِنا عَنْ تَحْقيقِ أهْدافِنا التَّحَرُّرِيّة ، على الرَّغْمِ من التَّضحياتِ الجسيمة لِشَعْبِنا الصّابِر المِعْطاء .

والاعْتِراف، ثانِياً: بأن المَسْؤولِيّة عَنِ هذا الإخْفاق لا تَقَع ، كما يُحاوِلُ البَعْضُ إيهامَنا ، عَلى عَاتِقِ فَصِيلٍ بِعَيْنِه . بَلْ تَشْتَرِكُ فيهِ جَميع القُوى والفَصائلِ والتَّنْظيمات والأحزاب الفلسطينيّة الوطنيّة والقَوْمِيَّة والإسلامِيّة ، دون إغفالِ الدَّوْر الرَّئيس لِحَرَكَتَيْ فَتْح وحَمَاس في ذلك ، باعْتِبارِهِما أكْبَر الفصائلِ التي تتَصَدَّرُ المَشْهَدَ الفلسطينيّ مُنْذُ عُقود .

والإعْتِراف ثالِثاً: بأنَّ الإخْفاقَ الفلِسْطيني لا يَقْتَصِرعلى القَادةِ وَحْدَهُم في المُنَظَّمَةً والسُلْطَةِ والمُعارَضة، رَغْمَ دَوْرَهُم الأساسِيّ في ذلك ، وإنَّما هِيَ مسؤوليّة جماعِيّة ناجِمَة عن قُصورٍ وتقصير فلسْطينِيّ شامِلٍ لِجيلنا المُخَضْرَم بأسْرِه على اخْتِلاف انْتِمَاءاتِه السِّياسِيّة والعَقائِدِيّة والتّنظيمِيّة والفَصائِلِيّة والحِزْبِيّة ، وباخْتِلافِ مواقِعِهِ الرَّسْمِيَّةِ والأْهْلِيّة ، سواء عِبْرَ الإسْهام المُباشِرِ في السُّلوكيّاتِ التي أدَّت إلى هذا الإخفاق ، أو من خلال ِالتِزامِ الصّمْت والتَّقاعُسِ عَنْ مُواجَهَتِها كما يَنْبَغي ، والعَجْز عن تَشْكيلِ بَديلٍ حقيقيٍّ قادِرٍ على التَّصَدّي للسُّلوكِيّاتِ الفلِسْطينِيَّةِ الخاطئة ، التي أَفْضَت إلى الفَشَلِ في مُواجَهَةِ المَشروع الاسْتِعماريّ الاسْتيطانيّ الصّهيونيّ العُنْصُريّ المُعاكِس لاتِّجاه تَطوُّرِ حَرَكَةِ التّاريخ ، والإخفاق في مَنْعِ تَقَدُّمِه والتَّأسيس لِهَزيمَتِه ، على الرَّغْم مِنْ جَسامَةِ تضْحِياتِ الشّعب الفلسطيني على امْتِداد أجيالِهِ المُتَعاقِبَةِ الخمْس .

والاعْتِراف ، رابِعاً : بِطولِ أمَدِ الصِّراع الفلسطيني - الإسرائيلي ، وبِعَدَم تَوَفُّرِ شروطِ وإمْكاناتِ وفُرَصِ حَلِّهِ سِياسِيّاً في المَدَى المَنْظور . والبِناء على ذلك بالإدْراك بأنّ المَرْحَلَة الرَّاهِنة تقْتَضي مَعْرِفَة مُتَطَلَّبات إدارَتِه بما يَحْفَظ الهَوِيَّة الوَطنيّة الجامِعَةَ للفلسطينيّين في الوَطَنِ والشَّتات ، ويَحْمي التَّماسُك المُجْتَمَعي الفلسطيني، وَيُوَفِّر لِمُخْتَلِف التَّجَمُّعاتِ الفلسطينيّة مُسْتَلْزَمات الصُّمود الوَطني المُقاوم (السِّياسِيّة والاقْتِصادِيّة والاجتماعِيّة والثّقافِيّة والقِيَميّة إلخ...) ، ويُعَزِّز قُدراتها ويُقَوّي مناعَتِها .

ويُبْقي في الوَقْتِ نَفْسَه على جَذْوَة النِّضالِ التَّحَرُّري مُشْتَعِلَة بِكُلْفَةٍ مَقْبُولَةٍ ومَحْسُوبَةٍ ، بِجَعْلهُ نَمَطَ حَياةٍ يتَوَجَّب التَّكَيُّفَ الإيجابي معَه بما يَضَمنِ تَواصُلَه والحَيْلولَةِ دون انْقِطاعِ مَراحِلِه حَتى تَحْقيق أهدافه في الحُرِّيّة والعَوْدَةِ وَتَقْرير المَصير .

والاعْتِراف ، خامِساً : بِالحَاجَةِ المُلِحَّة لإحْداثِ تَغْيِيرٍ جَوْهَرِيٍّ فلِسْطينيٍّ في الفكْرِ والسّلوك والأَداء يَرْقى إلى مُسْتَوى تَضْحِياتِ الشَّعْبِ الفلسْطيني ومُعاناة أبنائِه في الوَطَنِ والشَّتات ، ويَصِل حَدَّ الثَّوْرَة . ذلك أنَّ تَغْييرَ الواقِعِ الفِلسْطينيّ المأزووم لا يَبْدأ إلاّ بالذَّات ، لأنَّ الله لا يُغَيِّر ما بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّروا ما بأنْفُسِهِم .

والإعْتِراف، سادِساً : بأن أولى خُطُوات التَّغيير الذَّاتي تقْضي بإجْراء مُراجَعَةٍ نَقْدِيّةٍ جادَّة وجَريئة لأداء الحَرَكَةِ الوَطَنِيّةِ الفلسطينيّة المُعاصِرَةِ في الوطن والمَنافي، ومُصارَحَة الشّعب الفلسْطيني بالتَجارُبِ والاجْتِهاداتِ الخاطئة التي أفضَت إلى الوَاقِعِ الفلسطينيّ المأزووم ، وتَبْصيرِ الجيل الفَتِيِّ المُنْتَفِض بتَداعِيَاتِها الخَطيرَة السِّياسِيّة والاقْتِصادِيّة والاجْتِماعِيّة والأمْنِيّة والقِيَمِيّة وغَيْرِها ، وتنْبيهه إلى مخاطِر التَّكَلُّسِ والجُمود الفِلِسْطيني ، وأخْطارِ اسْتِمْرارِ ذاتِ السُّلوكِيّات التي أفْضَتْ إلى الإخفاق .

وثاني خُطُواتِ التَّغيير الذّاتي ، تُحَتِّم على النُخَبِ الفلسطينيّة في القطاعاتِ الرَّسْمِيّة والأهْلِيّة التَّوَقُّفَ عَن نَهْجِ التَّخْويف والتَّهْويل من تَبِعاتِ التَّصَدّي لاعتِداءات جَيْش الاحْتِلال وجَرائِم مُسْتَوْطِنيه . وعَلَيْها الخُروجِ مِن عُزْلَتِها الاخْتِيارِيَّة والاقْتِراب مِنْ نَبْضِ الجَمَاهير الشّعبيّة الفلسطينيّة العَريضة التي بِفَضْلِها تتبَوَّأ هذه النُّخَب المواقِع وتجني المُكْتَسَباتٍ والامْتِيازات . وعَلَيْها ، خُصوصاً ، التَّقَرُّبِ مِنْ جيلِ الشّباب الفلسطينيّ الثّائِر المِعْطاءِ لاسْتِعادة الثِّقَة بالقُدْرَةِ على الانْتِصار على العَدوِّ الصّهيونيّ . إذْ لا مُسْتقبل لِلْكيانات الاسْتِعْمَارِيّة الاسْتيطانِيّة العُنْصريّة الوظيفيّة المُرْتكِزَة في قِيامِها وَضَمان وُجُودِها على الأسَاطِيرِ والتَّزْويِر والتّضليل وحماية القُوى الخَارِجيّة ، ومواصلة العدوان ، والتَّنَكُّرِ لِحُقُوق الآخرين والاعْتِماد على سَطوة القُوّة التّدميريّة لإخضاعِهم ، واسْتِمْرار العيْشِ على حَدِّ السَّيْفِ إلى الأبَد ، كما يُبَشِّر رئيس الوُزَراء الإسْرَائيلي شَعْبه . لأنَّ ذلِكَ ببساطَة مُعاكِسٌ للطَّبيعَةِ البشَرِيّة ولِصَيْرورة التّاريخ الإنْسانيّ .

وعَلَيْها الإدْراكَ بِأَنَّ هذا اليَقين بِحَتْمِيَّة زَوالِ الكِيَان الاسْتِعْماريّ الاسْتيطاني الصّهيوني العنصُريّ ، مهْما بلغَت سَطْوَة قُوَّتِهِ ومهما طال بقاؤه ، لا يقْتَصِر عليْنا وحدنا ، وإنما يتشارك فيه مَعَنا العديد من المُفَكِّرين والمُحلّلين والباحِثين الغربيّين الجَادّين ، بِمَن فيهم بَعض اليَهود ، وعَددٌ مُتَنامٍ من المُؤَرِّخين والمُفَكِّرين الإسرائيليّين ، بل إنَّ نصف الشّعب الإسرائيلي بات يتَشَكَّك ببقاء دولة إسرائيل وفقا للاستطلاع الذي قام به معهد القدس للصّهيونيّة في أواخر عام 2015 .

هذا ما أثْبَته التّاريخ عُموماً ، وَتَاريخُنا الفلسطيني على وَجْهِ الخُصوص . فَقَد انْتَصَرْنا على المَشْروع الاسْتِعماري الإفْرنجي " الصّليبي " قَبل تسْعَةِ قرون وهَزَمْناه ، رَغْمَ توافُق القُوى الدَّوْلِيّة المُتَنَفِّذة ، آنذاك ، ومُشارَكَتها في إنْشائِه والدِّفاع عنه . وهَزَمْنا نابليون ، أيْضاً ،عَلى أسْوار عكّا وأفشلنا حَمْلته لاحْتِلال المَشْرِق قَبْل قَرْنَيْن.

وكما انْتَصَر الشَّعْبُ الجَزائريّ وهزم الغُزاة المُسْتوطنين الفرنسيّين ونجح في تحرير الجزائر في ستِّينِيّاتِ القَرْنِ الماضي ، وكَما نَجَحَ الشّعب الفيتنامي في سَبْعينيّات القرن ذاته وَتَمَكَّن مِنْ دَحْرِ القُوَّةِ الأمْريكِيَّة الأعْظم . ومِثْلَما انتصَر شَعْبُ جَنوب إفريقيا على نِظام الفصْلِ العُنْصُرِي في تِسْعينِيّاتِ القَرْنِ المَاضي ، فسَوْفَ يَنْتَصِر الشَّعْب الفلسطينيّ على آخر الاحْتِلالات ، وَسَيَهْزِم الكِيان الاسْتِعماريّ الاستيطانيّ الصّهيونيَ العُنْصُريَ .

لكن على الرَّغم من هذا اليقين بالحَتْميَّة التَّاريخيَّة ، يَتَوَجّب الإقرار أيْضاً بأنها ، ليْست تِلقائِيّة الحَركة ، وإنّما هي رهْنٌ بإرادَةِ صَلْبَةٍ لِتَفْعيلِها ، عِبْرَ التَّمَسُّكِ بالحُقُوق الوطَنِيّة والتاريخِيّةِ المَشْروعَة ، وبلورة المَشاريع النَّهضَوِيّة التَّحَرٌّريّة واخْتِيارِ المَناهِج المُلائِمَة لِتَحَقُّقِها . ويَتَوَجّب الإنْتِباه ، كذلك ، بأنَّ انْتِصارَ الشُّعوب على الغُزاةِ لا يُقاس ، فقط ، بِحَجْم البُطولات والتّضحيات على أهَمِّيَّتِها وَضرورَتِها لِبُلوغِه ، بَلْ هُوَ رَهْنٌ بِقرار اسْتْراتيجِيّ مَعْرِفِيّ ، وَفِعْل إرادَةٍ واعِيَةٍ بمٌتَطَلَّبات وسبل تَوفير مُوجِباتِ ميزان قُوى جَديدٍ قادِر على تَحْقيقِ الأهْداف بسُرْعَةٍ مَعْقولةٍ وكُلفةٍ مُناسِبَة .

وأولى الخُطوات لذلك ، تَقْضي بالمُسارَعَةِ في مُغَادَرَة المَوْقِفِ الانتظاري التَّشَكُّكي ، الذي ما يَزال غالبيّة الفلسطينيّين يَلْتَزِمونَه مُنْذ بَدْءِ الحراكِ الشّبابِيِّ قبل أكْثَرِ مِن سِتَّة أشهر ، والسَّعي لالتِقاطِ الفُرْصَةِ التّاريخِيَّةِ التي يُتيحُها الشَّباب الفلسطينيّ الثّائِرِ بانْتِفاضَته الجَسورة الواعِدَة ، من أجْلِ اسْتِعادة نَهْج المُواجَهَة مَع الحَرَكَةِ الصَّهْيونية لِهَزيمَتِها ، باعْتِبارها حركة اسْتِعْماريّة رَجْعِيَّة مُعاكسة لاتِّجاه تَطَوُّرِ حَرَكة التَّاريخ ، تَسْتَنِدُ إِلى فِكْرٍ عُنْصُريٍّ إقْصائِيٍّ يُنْكِر على الاّخَر المُخْتَلف وُجودَه وَحُقوقَه وتَارِيخَه وَحَضارتَه .

واسْتِعادةَ نَهْجُ المُواجَهَةِ مَعَ الحَرَكَةِ الصّهيونِيّة لا يَعْني على الإطلاقِ تَكرارَ الدُّخول فلسطينِيّاً في نَفَقِ الخَيار الأوْحَدْ ، بل اسْتِخدام كافَّةِ الأساليب والوَسائِلِ النِّضالية المَشْروعة، في إطارِ مَشروعٍ فلسطينيّ نَهْضَوِيٍّ إنْسانِيٍّ تَحَرُّرِيٍّ نَقيضٍ لِلْمَشْروع الاسْتِعْماري الاسْتيطاني الصّهيوني العُنْصُري ، يُمَيِّز بَيْنَ عدمِ مشْروعِيَّةِ الكيانِ الصَّهيوني الذي يَتَوَجَّب مُواصَلَةَ النِّضال لإنْهائِه ، وبَيْنَ مُتَطَلَّباتِ التَّعامُلِ السّياسي والإنساني مع الحَقائِقِ الدِّيموغْرافِيّة النّاجِمَة عَنْه ، فلا يَسْعى ، كما تُروِّج الأحْزابُ الصّهيونيّة المُسَيْطِرة على القرار الإسرائيلي إلى تَصْفِيَةِ الوُجود اليَهودي في فلسطين عِبْر الإبادة والتَّطهير العِرْقِيّ كما يفْعَلون هُمْ بِحقِّ أصحابِها الفلسطينيّين ، وإنّما يَتَعامَل مَعَهم كبَشَر لَهُم ذات الحُقُوق الإنْسانِيّة الأساسِيّة في العَيْشِ الآمِن الحُرِّ الكريم ، ويعْتَبِرَهم ، أيضاً ، ضَحايا تَمَّ اسْتِهدافَهُم والتَّواطؤ بين الحَرَكَةِ الصّهيونِيّةِ والقُوى الإمْبِرْيالِيّة المُتَنَفِّذة لاسْتِئْصالِهِم مِن أوْطانِهِم الأصْلِيّة وتَهْجيرهُم إلى فِلسطين لِحَلِّ المسألة اليهودِيّة خارِج الحدود الجُغْرافِيّة الأوروبيّة من جهة ، ولِتَوْظيف احتياج بقاءِ الكِيانِ الاسْتِعماريّ الاسْتيطاني الصُّهيونيّ المُسْتَحْدَث فوقَ أنقاضِ الشَعب الفلسطيني للحمايَة الخارجيّة ، باسْتِخْدامِه كقاعِدَة مُتَقَدِّمة تضطلع بحمايَة مصالِحِها الحَيَوِيّة في المنطقَةِ عِنْدَ انتِهاءِ عَصْرِ الاسْتِعمارِ المُباشر وتعزيز هَيمَنَتِها الإقليميّة والدَّوْلِيّة من جهَةٍ أُخرى .

وعَلَيْه ، فإنَّه يُتَوَقَّعُ أن يَتَجَنَّب المَشْروع الفلسطينيّ التَّحَرُّري النَّقيض لِلمَشْروع الصّهيوني ، الذي يَنْبَغي على الفلسطينيّين الإسراع في بَلْوَرَتِهِ ، الوقوعِ في ذاتِ الفَخِّ ، بِتَجنيد ِالضّحايا لِخَوْضِ صِراعٍ تَناحُرِيٍّ أبَدِيٍّ فيما بَيْنَهُم ، كَيْ يَحْفَظ للقُوى الدَّوْلِيّة المُتَنَفِّذة هَيْمَنَتَها ونُفوذَها ويُؤمِّن دوام اسْتِحواذها على المَوارِدِ والأسواق . وعَلَيْهِ اسْتِقْراءَ التّاريخ جَيِّداً والتَّعَلُّمِ مِنْ دَلالاتِهِ واستِلهام تجارُبِه النّاجِحة ، ودراسة الواقِع القائم وإدراكِ ما يُتيحه من خَياراتٍ في ظِلِّ انْغِلاق الآفاق أمام حَلِّ تَفاوُضِيٍّ للصِّراع ، وانْعِدام أيّ فُرَصٍ مُمْكِنَةٍ لِحَسْمِه في المَدى المَنْظور ، تتيح لأيٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ الفلسطيني والإسرائيلي تَحْقيقِ نَصْرٍ عَسْكَرِيٍّ كاسِحٍ يَقْضي بِتَصْفِيَة الطَّرَفِ الآخر وإنهاءِ وجودِهِ الفاعِلِ في فلسطين . ما يَحْصُر الخيارات في بَديليْن لا ثالِثَ لَهُما :

البديل الأوَّل : استِمْرار الحُرُوبِ بَيْنَ الفلسطينِيّين ويَهودَ إسرائيل إلى أنْ تُتاحَ ظُروف مَحَلِّيّة وإقليمِيّة ودَوْلِيّة تُمَكِّن أحَد الطَّرَفَيْنِ من اسْتِئصالَ الآخَر كُلِّيّا مِن فِلِسطين ، وبذلك ، اسْتِمرار الصِّراع لِعِدَّةِ أجْيالٍ قادِمة .

البديل الثاني : اسْتِلهام تَجْرُبَة جنوب إفريقيا ، التي لا تُراهِن على الزَّمن المفتوح على كافَّةِ الاحْتِمالات ، بل تفَتْحِ الآفاق أمام حُلولٍ إبْداعِيَّةٍ مُمْكِنَة لِحَلِّه ، تعي أنَّ العَدالةَ المُطْلَقَة مُتَعَذَرة فيما العدالَة النِّسْبِيّة مُمْكِنَة ، ولا تَرْتَهِن لِلْعَصَبِيّات الثّأرِيَّةِ التي تَجاوَزَها التّاريخ ، بل َتسعى لِفَهْمِ التَّغَيُّراتِ الجَوْهَرِيّة التي طَرأت على التَّطَوُّرِ البَشَرِيّ والقِيَمِ الإنْسانِيّةِ وحُقوق الإنسان وما تَفْرِضه تَداعِياتِ عَصْرِ العَوْلَمة ، وتحاوِلُ تَوظيف هذا الوَعْي المَعْرِفي في توفير مُوجِباتِ ميزانِ قُوى جديدٍ قادِرَ على كَسْرِ الدَّائِرَةَ المُغْلَقَةَ للصّراعِ الوُجودي الفلسطيني – الإسْرائيلي ، عِبْرَ بَلْوَرة صِيَغٍ تكفل للشَّعب الفلسطيني إحقاق حُقوقِه التّاريخيّة المَشْروعة في الحُرِّيّة والعوْدَةِ وتَقْرير المصيرِ على أرض وطنِه ، وَتَمُدُّ يَدِ العَوْنَ ، أيْضاً ، لِيَهودِ إسْرائيل ، حَصْرِيّاً ، لِتَمْكينِهم من تَلَمُّسِ فُرَصةٍ حقيقيّة مُمْكِنَةٍ لِحَلّ الصِّراع عِنْدَ تَحَرُّرِهِمْ من الأيديولوجيّة الصّهيونيّة الاسْتِعْماريّة العُنْصُرِيَّةِ الإقْصائيّة . وتُبْدي مِنْ أجلِ ذلك ، الاسْتِعْدادَ للاعْتِرافِ لَهُم بِحُقُوقٍ مُواطَنَةٍ مُكْتَسَبَة ، لِمُواصَلَة من يَخْتارُ مِنْهم العَيْشِ الآمِنَ في فلسطين كأسْيادٍ في وَطَنٍ واحِدٍ يَتَشاركونَهُ مع أسْيادٍ فلسطينيّين آخرين يَعيشون على هَذِهِ الأرض منذ آلاف السّنين في إطارٍ من المُساواة التّامّة أمام القانون . فتُخَلّصَهم ، بذلك ، منْ عُقْدَةِ وَهْمِ اسْتِهْدافِهِمْ بِسَبَبِ عَقيدَتِهِمْ الدّينيّة ، وتُفَوِّت ، بذلك ، الفُرْصة على التّحالف الصّهيوني - الإمبريالي الغَرْبي باسْتِمْرار اسْتنفار غَريزَةِ الخوْف الكَامِنَةِ لَدَيْهِم مِن الأغْيار ، لِتَعْطيل قُدْرتِهِم على انْتِهاجِ طريقٍ بديلٍ مُمْكن يَسْمح بإنهاء الصِّراع الوُجودي الفلسْطيني - الإسْرائيلي .

وّقَدْ يُحاجِج البَعْض بأنَّ مَنْطِقَ الأُمُور يُشيرُ إلى أنّ الطّرَفَ المَظلوُمَ ، وهو حُكْماً الأضْعف والمُعْتدى عليه ، الأحقُّ بالتَّقدُّم إليه بالمُبَادَرات والتّطمِينات .

وعلى الرَّغْمِ مِنْ وجاهَةِ هذا الطَّرْح ، إلا أنَّ وَقَائِعَ التّاريخ تدلّ على أنّه الوَحيد المُؤَهّلُ لِفَتْحِ الآفاق أمَامَ البَدائل المُمْكنة التي تَقُود إلى الحُلول الجَذْرِيَّة ، كوْنه أوّلا ، صَاحِب الحقِّ والوحيد الذي يَمْنَحُ الشَّرعيّة لِلْحُلول .

وثانيا ، لأنّ قوَّته الأساسيّة - في ظِلِّ الاخْتِلال الهَائل في مَوازين القُوى - تكْمُن في مَقْدِرَتِهِ على تَعْظيمِ خَسائِرِ الطّرف المُعْتَدي أكْثَر مِنْ جَنْيِ الأرْباح بِفعل المُعادلة الصِّفريّة التي تَحْتَكِم إليْها الصِّراعات الوُجوديّة .

وثالثاً ، لأنَّهُ الأكْثر تأثّرا بِفَوارق القُدْرات التّدْميرِيَّةِ التي يَمْتاز بها المُعتدي، ما يَجْعَل حاجتَهُ لِلْبَحْث عن البَدائلِ المُمْكنة للحُلول أكثر إلحاحاً .

ورابعاً ، ورُبَما الأهَم ، لأنّ الوَاقِعَ القائِمَ المُغْرِق في الجُنوحِ نَحْوَ الهاوِيَة ، فلسْطينيّاً وإسْرائيليّاً وعَرَبيّاً وإقليمِيّا ودوليّاً ، وتنامي صُعودِ اليمينِ العُنْصُري إلى مواقِعِ صُنْعِ القَرارِ الإسرائيلي والدَّولي ، واسْتِدْراجِ غالِبِيَّةِ الدُّوَلِ العَرَبِيّة ( العراق وسوريا وليبيا واليَمن ومصر ولبنان والبحرين وغَيْرِهِم ) والإسلاميّة ( أفغانستان وباكستان وأذرَبيجان إلخ...) إلى صِراعاتٍ وحُروبٍ داخِلِيَّةٍ إلغائيّة ، عِرْقِيَّةٍ وإثْنِيّةٍ وطائِفِيَّةٍ وَمْذْهَبِيّة ، لمْ يُسْتَثْن مِنْها ، أيْضا ، الشّعب الفلسْطيني رَغمَ احْتِلال كاملِ وطنه وَتَشَرُّد نِصْفَ أبنائِه ، فانْقَسَمَ النِّظامِ السِّياسي الفلسطيني واحْتدمِ الصِّراع بَيْن أطرافِه إلى حَدِّ الاقْتِتال والإلْغاء دون رادِعٍ مِنْ احْتلالٍ استيطانيٍّ استئصاليٍّ يسْتَهدف الكُلّ الفلسطيني ، وما يَزالُ هذا الانْقِسام يَتَعَمَّق ويَتَمأسَس ويَتَكَرَّس سِياسِيّاً وجغرافِيّاً وَديموغْرافيَا للعام التّاسع على التَّوالي ِ . وما يزال النَّهج الإلغائِيّ يتَواصَل بأبْشَعِ صُوَرِه بَيْن الأطراف الفلسْطينِيّة ودَاخلها ، كما حدث بَيْنَ حَرَكتي فَتح وحماس عام 2007 ، وبَيْن التَّيّارَاتِ المُتَصَارِعَة داخِل الحَرَكَةِ الإسلاميّة الفلسطينيّة ذاتَها (تصفية السلفيين في المسجد الأبيض في غزة في 15/8/2009، وتصفية المُعارِضين لِسُلْطَةِ حماس إلخ...)، وداخل حَرَكَةِ فتح ،( بيْنَ فتح الأم وفتح الإنتفاضة، وبين فتح وصبري البَنَا / أبو نِضال/ في أواخِرِ القَرْنِ الماضي ) ، وحاليّاً بَيْن التَّيّاراتِ والقِيَاداتِ المُتَنافسة على النُّفوذِ والخِلافَة داخِلَ فتح وخارِجَها ، بل ولا تَتَوَرَّع القوى الفلسطينيّة المُتَصارِعَة عن الاسْتِقْواءِ بالخارِج ، عَرَبِيّاً وإسرائيليّاً وإقليميّا ودَوْلِياً .

كُلّ ذلك كفيلٌ بِنَشْرِ وتَعْميقِ ثقافَةِ الخَوْف مِنَ الآخَر المُخْتَلِف سياسِيّا وعقائِدِيّا وعِرْقيَّاً وإثْنيّاً وطّائِفيّاً ومَذهبيّا ، وكفيل بِتَعميقِ الاسْتِقْطاب والفَرز الذي تُؤجّجه غَريزة البَقاء ، ما يُعَزِّز قُدْرَة القُوى الدَّوْلِيّة المُتَنَفِّذة على اسْتِمْرارِ تَوْظيف احتِياجِ المُتَصارعين للدَّعم والمؤَازَرة ، وتجنيدِهِم في تَنْفيذ خُطَطِها لإحْكامِ سَيْطَرَتِها وتعزيزهيمَنَتِها الإقليميّة والدَّوليّة .

وهو كفيلٌ ، على وجه الخصوص ، بِتَمْكين القُوى الصّهيونِيّة المُتَحالِفة عُضوِيّا معها والمُهَيْمِنة على القَرارِ الإِسْرائيلي ، من مُواصَلَةِ مُهِمَتها الأساسِيّة في اسْتِدْعَاء المَخاوف الوُجودِيّة الكَامِنَة لَدى يَهودِ إسرائيل ، وإبْقاءِ تَداعِياتِ العُنْصُرِيّة الأوروبِيّة حَيَّةً في ذاكِرَتِهِمْ الجَمْعِيّة ، وإسْقاطِها على الصِّراعِ الفلسطيني - الإسْرائيلي ، لتَبْريرِالجَرَائِم والسُلوك الإِلْغائي والتَّطهير العِرْقي الذي تمارسه الحُكومات الإسرائيليّة المُتَعاقِبَة ضِدَّ الشَّعب الفلسْطيني ، بادِّعاء خطره الوُجودي عَلَيْهِم ، بُغْيَةَ مَنْعِهم مِنَ الخُروج من الدّائرة المُغلقة للصِّراع الوُجوديّ، وللْحَيْلولَة دُونَ تَمْكينهِم من تَلمُّس طريقٍ بَديلٍ مُمْكِن التَّحَقُّقِ ، عِنْدَ إعْمالِ العَقل وإعْلاءِ المَصْلَحَة ، لِإنْهاءِ الصّراع مع الفِلسْطينِيّين أصْحابِ البِلادِ الأصْلِيّين ، ومع سائِرِ الشُعوبِ العَرَبِيّة والإسلامِيّة ، والتَّأهُّبِ لبناء مُسْتَقْبَلِ أفضَل للجميعِ .

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS