وكالة امريكية كشفت أن أوباما منح السلطة الفلسطينية 221 مليون دولار قبل ساعات من فك ارتباطه بـ"القصر"..الغريب أن السلطة سكتت عن الملبغ لا حس ولا خبر..طيب لو الوكالة ما قالت بالكو كان انعرفت القصة..بس ليش ما حكوا..حدا فاهم !

المَشْروع الوطني التَّحَرُّري الفلسطينيّ المَأمول ( 1 )

المَشْروع الوطني التَّحَرُّري الفلسطينيّ المَأمول ( 1 )
  • شـارك:
د. غانية ملحيس

أمد/

تَعْريفه ومُنْطلقاته 

تَلافِياً لأيِّ التِباسٍ أوْ اخْتِلاطٍ مَفاهيميّ ، فَإنَّ المَقْصودَ بالمَشْروعَ التَّحَرُّريِّ الفلسطينيِّ النَّقيض للمَشْروع الاسْتِعماري الاستيطاني الصّهيوني ، هو الرُّؤيَة الاسْتْراتيجِيّة بَعيدَة المَدى ِللمُسْتَقْبَل الذي يَتَوافَقُ عَلَيْهِ الشَّعب الفلسطيني داخِلَ الوَطَنِ وفي الشَّتات . والبُوصَلَة التي يُفْتَرَض أن يَسْتَرشِدَ بها الفلسطينيّون كافَّة ، أفراداً كانوا أم جَماعات ، في خُطَطِهم وسُلوكِهم وأنْشِطَتِهِم السِّياسِيّة والدِّيبْلومَاسِيّة والعَسْكَرِيّة والقَانُونِيّة والاقْتِصادِيّة والاجْتِماعِيَّة والثّقافِيّة عِبْرَ المَراحِلِ المُخْتَلِفَة ، لِضَمان تَوافُقِها واتِّساقِها مَع الأهدافِ المُبْتَغاة .

وَعَلَيْه ، يُتَوَقَّعُ مِنْ المَشْروع التَّحَرُّرِيّ الفلسطينيّ أَنْ يَتَضَمَّن القِيَم الأساسِيَّة والأفكارالرَّئيسَة والمَبادِئ العامّة التي يَنْبَغي أنْ يَتَأسّسَ عَلَيْها المُسْتقْبَل الفلسطينيّ المَأمول ، كَيْ يُوَجِّه سياسات وأفْعالَ الحاضِر لِبُلوغِ المُسْتَقْبَل المُسْتَهْدَف بالسُّرْعَةِ القُصْوى والكُلْفَةِ الدُّنيا .

بِهذا الفَهْم ، فإنَّ المَشْروع التّحَرّري الفلسطيني النَّقيض للمَشْروع الصّهيوني ، يُمَثِّل رُؤْيَةً نَهْضَوِيَّة مُسْتَحَقَّة منذ أكْثَر مِنْ قَرْن ، لِمُواجَهَةِ المَشْروع الاسْتِعْماريّ الاسْتيطانيّ الصّهيونيّ الذي تَمَّ بلورته في إطارِ التّوسّع الاسْتِعْماري الغَرْبي في القَرْنَيْن التّاسِع عَشر والعِشرين . وسَعت عِبْرَهُ القُوى الدَّوْلِيّة المُتَنَفِّذة إلى اسْتِئْصاِل فلسطين كُلِّيّاً من الجُغْرافيا والدّيموغرافيا العَرَبِيّة ، واسْتِبْدالَها بِكيانٍ استيطانِيٍّ أجْنَبِيٍّ هَجين ، يُلبي حَاجَتَها لقاعِدَةٍ اسْتِعمارِيّة مُتَقَدِّمَةٍ مُسْتَدامَة ، في قلب المنطقَةِ العَربيّة المُمْتَدَّة من جِبَال طوروس والبَحْرِ الأبْيَض المُتَوَسِّط شَمالاً إلى المُحيطِ الهِنْدي وَبَحْرِ العَرب والصّحراء الكُبْرى جَنُوبا ً، وَمِنَ الخَليج العَربي وكُرْدِسْتان شَرْقَاً إلى المُحيطِ الأَطلسي غَرْباً . لأهَمِّيَّتِها الجيو- استْراتيِجِيّةِ الفَائِقَة ، حيْث تَلْعَبُ السَّيْطَرة عليها – مُنْذُ أَقْدَمِ العُصور - دَوْراً حاسِماً في تَرْجيح مَوازين القُوى على الصَّعيدِ الدَّولِيّ . فَهْيَ تَقَع في مَرْكَزِ العَالم، وَتُشْرِف على خُطوط التِّجارَةِ والمِلاحَةِ والمُواصَلاتِ والاتِّصالاتِ الدَّوْلِيّة ، وَتَمْتَلِك ثَروات طبيعيّة ومعْدَنِيَّة هائلة ومُتَنَوِّعة ، وَمَوارِد مالِيّةٍ وَفيرة ، ولَدَيْها ، أيْضاً ، احْتياطِيّات ضَخْمَة للطّاقة الاسْتِخْراجِيّة ما تَزال تُشَكِّل عَصَب الاقْتِصادِ الدّوليّ . كما تُشَكِّل هذهِ المِنْطَقَة ، في الوَقْتِ ذاته ، أسْواقاً اسْتِهلاكيّة واسِعَة وواعِدَة مُتَسارِعة النُّمُوِّ ، تَحْتاجُها القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة لِتَصْريفِ فوائِضِهِا الإنتاجِيَّة السِّلَعِيّة والخَدَمِيّة ، المَدَنِيَّةِ والعَسْكَرِيّة ، لِتَضْمَنُ لَها تَوَسُّع وتَطَوُّرَ قدراتها الإنْتاجيّة التي تَفوق حاجاتها بِكَثيرٍ، وَلتَكْفَلُ نُمُوِّ طاقاتها التَّشْغيلِيّة وَتَحْفَظ اسْتِقْرار مُسْتَوَيات المعيشة المُرْتَفِعَة لمُواطِنيها وَتَواصُلَ رَفاهِهم .

غَيْرَ أنَّ إدامَة السَّيْطَرَة على هَذِهِ المِنْطقة الحَيَوِيَّة لِمُددٍ طويلة يَتَعَذّر تَوْفيره بالأساليب التَّقْليدِيّة ، إذ تَعاقَبَت عَلَيْها على مَرِّ التَّاريِخِ قُوى دَوْلِيّةً عُظْمى دونَ أنْ تَنْجَح بالاسْتِقْرارِ فيها . ومع أفولِ عَصْرِ الاسْتِعمار المُباشِرِ على الصَّعيدِ الدَّوْلِيّ ، باتَتْ السَّيْطَرَةُ عَلَيْها تَحْتاجُ إلى شُروطٍ خاصّة ، ذلك أنَّها تَمْتَلِكُ كُلُّ مُقَوِّماتِ النُّهوض الذّاتي، فبالإضافة لِخُصوصِيَّة مَوْقِعِها وَثَراءِ موارِدِها ، تُشَكِّل هذه المنطقة مَرْكز إشعاعٍ حضارِيٍّ فَريدٍ أثْرى البَشَرِيّة على مَدى قُرون طَويلَة ، وما يَزال، فهْيَ مَهْدٌ للدِّيانات السَّماويّة الثَّلاث التي يُؤْمِن بها أكْثَر من 60% مِن سُكَّان العالم . وشَكَّلت - قبل أنْ تَغْزُوها القُوى الاسْتِعْمَارِيّة الغَرْبِيّة - نَموذَجا رائِداً للتَّعايُشِ والتَّسامُح والتَّفاعُلِ بين مُخْتَلفِ الدِّيانات والأعْراق والقَوْمِيّات ، وَتَسْكُنُها شُعوبٌ مُتَجانِسَة فَتِيّة التَّرْكيب ، ذات تاريخٍ عَريقٍ وثقافة وحَضارة ولُغَة مُشْتَرَكَة ، وإيمان راسِخٌ بِوَحْدَةِ المَصير .

وَلإحْكامِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْها لِأطْوَلِ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُمْكِنَة ، وَجَدَتْ القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة ضَالّتَها المَنْشودة بانْتِزاعِ فلسطين /البُقْعَة الجُغرافِيّة الصّغيرة مِنْ حيث المساحَةِ وعَدد السُّكّان ، والفاصِل البَرِّيّ بيْن مشْرِقِ الوَطَنِ العَرَبي وَمَغْرِبِه / من الجُغْرافيا والدِّيموغْرافيا العَرَبِيّة ، واسْتِبْدالها بكِيانٍ اسْتيطانِيٍّ أجْنَبِيٍّ غريب ، يَضْطَّلِعُ بِمُهِمَّةِ إِرْهابِ شُعوب المَنْطِقَة ، وَيُحافِظ على التَّجْزِئة القُطْرِيّة التي اسْتَحْدَثَتْها اتِّفاقات سايْكْس - بيكو ، ويَحول دُونَ قِيامِ دَوْلَةٍ قَوْمِيَّة فيها كما تَحْلُمُ شُعوبِها .

وَأدْرَكَت هذهِ القُوى وُجود فُرْصَةٍ مُواتِيَةٍ لاسْتِخْدامِ اليَهود في تحقيقِ مآرِبِها وإنْجازِ ما سَبَقَ وَعَجِز نَابليون بُونوبارت عَنْ فِعْلَه أثْناءَ حَمْلَتِهِ لاحْتِلال المَشْرِق . فاليَهود ، أَيْضاً ، مَجْموعَة صَغيرة نسْبِيّاً / 14.2 مليون نسمة / وِفْقا للبيانات الإحْصائِيّة في مَطلع عام 2016 ، ورَغْم أنَّ نُفوذَهُم يَفوق ذلك بِكَثير ، إلا أنَّهُم لا يُشَكِّلون لِأيٍّ مِنَ القُوى الدَّوْلِيّة المُتَنَفِّذة تَهْديداً اسْتْراتيجِيّاً جَدِّيّاً ، لا مَاضِياً ولا حَاضِراً ولا مُسْتَقْبَلاً ، ما يُبْقِيهِم على الدَّوامِ تَحْتَ السَّيْطَرَة . كما أنَّ بِالإمْكانِ تَوْظيفِ مُعْتَقَداتِهِم الدّينيّة بالتَّمايُزِ عن سَائِرِ الأَغْيار / 7.3 مليار نسمة / في تَعْميقِ عُزْلَتِهِم وعَرْقَلَةِ انْدِماجَهُم في مُجْتَمَعاتِهِم الأصْلِيَّة . وَيَسْهُل ، كَذلك ، اسْتِدْعاء الأساطيرِ والوُعودِ الإلهيّة للشَّعبِ المُخْتار لاخْتِلاقِ روابِطَ حَصْرِيَّةٍ تَقْتَصِرعَلَيْهِم وَحْدَهُم بِفِلِسْطين ، رغم قُدْسِيَّتها لأتباعِ الدِّياناتِ السَّماوِيّة الثّلاث . وعَلَيْه ، فَقَدْ لَجَأت القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة إلى تَوْظيف الدِّين اليَهودي بعد اسْتِكْمالِ شَرْطِ تَسْييسه بإنشاء الحَرَكَةِ الصّهيونِيّة ، وَتَحالفت مَعَها من أجلِ التَّعاوُنِ سَوِيّاً في تَصْدير المَسْألة اليَهودِيّة الآخِذَةِ في التَّفاقُم بِفِعْلِ الصُّعودِ القَوْمي وَتنامي العُنْصُرِيّة الأوروبيّةِ ، وتَّوافُقوا سَوِيّاً على حَلِّها خارِج الحُدود الجُغْرافِيّة الأوروبِيّة ، بِحَيْثُ يُكَرِّس قِيادَة الحَرَكَة الصَّهيونِيّة لِيَهود العالم ويَضْمَنُ إنْشاءِ مَرْكَزٍ يَهودِيٍّ مُسَيْطِرٍ لها في فلسْطين ، ويُلبي ، في الوَقْتِ ذاتَه ، حاجَة القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة لقاعِدَة اسْتِعمارِيَّةٍ مُتَقَدِّمَة تَكْفَل اسْتِدامَةَ هَيْمَنَتِها على عُمُومِ المنْطِقَة . يُدْفَعُ إِلَيْهِ بِدايَةً اليَهودِ المُسْتَهْدَفين المُقْتَلَعين بالقُوَّةِ مِنْ مَواطِنِهِم الأوروبِيَّة الأصْلِيّة بَعْد إغْلاقِ كافَّة المَنافِذَ أمامَهُم باسْتِثْناءِ فلسطين ، وَتُعْهَدَ إِلَيْهِم مُهِمَّة إرساءِ مُرْتَكَزاتِ الكِيانِ الاسْتيطانيّ المُسْتَحْدَث ، ثُمَّ يَسْتَوْعِبَ ، لاحِقاً ، في بُنْيانِهِ الغَرْبي أتْباع الدِّيانَة اليَهودِيَّة ومن يَتِمَّ تَهْويدَهْم مِنْ مُخْتَلف بِقاعِ العالَم ، وِفْقاً لِمُقْتَضَياتِ المَصْلَحَة الوُجودِيَّة للكِيانِ الاسْتيطاني الصّهيوني ولِمُتَطَلَّبات الدَّور الوظيفيّ الإمْبِرْيالي المُناط بِه .

وَهَكَذا، اخْتارت الأقْدارُ كُلاًّ من الشَّعْب الفلسطيني وَيَهود إسْرائيل لِخَوْضِ صِراعٍ وُجودِيٍّ لِحِسابِ الحَرَكَةِ الصّهيونِيّة العالميّة والقُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرة / التي يُمْكِنُ أنْ تَتَبَدَّلَ هَوِيَّتِها وِفْقاً لِمَوازين القُوى الدَّوْلِيّة / . غَيْرَ أنَّ فارِقٍاً جَوْهَرِيّاً مَيَّزَ ، وما يَزال ، بَيْن الضّحايا المُتَصارِعين ، واخْتَصَّ ِيَهود إسْرائيل – الطَّرَف المُقْحَم بالقُوَّة والمُكَلَّف بِالقِيام بِمُهِمَّة البديل الاسْتيطاني للشَّعْبِ العَرَبِيِّ الفلسطيني الأصيل - بامْتِلاكَ القُوَّة الفائِقَة الضَّرورِيَّةِ لِتَنْفيذ المُهِمَّة ، فتَمَّ تَوفّيَر كُلّ أنْواعِ الدَّعْمِ والإسْنادِ والرِّعايَة الدَّوْلِيّة لَهُمْ بِدَعْوى تَعْويضهم عَمّا لَحِقَ بِهِم مِنْ مآسٍ في أوروبا أثْناء مُحاولات تَجْنيدِهِم لمُهِمَّة بِناءِ دَوْلَةٍ صُهيونِيَّةٍ قَوِيَّةٍ فَوْقَ أَنْقاضِ الشَّعْبِ الفلسطيني . وتمَّ تَزْويدَهم بِكُلِّ المُتَطَلَّبات الضَّرورِيَّة لِتَأمينِ ملاذٍ جَديدٍ آمنٍ ومُزْدَهِرٍ يُبْقي الدَّوْلَة المُسْتَحْدَثَة مُسْتَقَرَّاً لِمُسْتَوْطنيها اليَهود المُسْتَقْدَمين إلَيْها ، ويَجْعَلُها ، أَيْضاً ، مَصْدَرَ طَمَأنينَة ودَعْمٍ مُؤَثِّرٍ لِباقي يَهود العالم المُتَوَجِّسين مِن غَدْرِ الأغْيار ، وسَنَداً لِحِمايَةِ مَصالِحِهِم ولِتَعْزيزِ مُكْتَسَباتِهِم وتَقْوِيَةِ نُفوذِهِم في مَواطِنِهِم الأصْلِيّة ، فَيُؤَسِّسُ ، بِذلك ، لازْدِواجِيّةِ الانْتماءِ والوَلاء ، وَيَدْفَعُ أَجْيالَهُم المُتَعاقِبَة إلى مَزيدٍ مِنَ الانْغلاق على الذّات والتَّكَتُلِ داخِلَ أطُرٍ تَنْظيمِيَّةٍ خاصَّة بِهِم ، َتُبْقي عَلَيْهِم كاحْتياطيٍّ اسْتْراتيجيٍّ جاهِزٍ عِنْدما يَحْتاجُهُم الدَّوْر الوظيفي الخاصّ / اليهودي / أو العام / الإمبريالي/ من جهة . وَتُشَكِّل ، من جِهَةٍ أخْرى ، مَراكَزَ ثِقَلٍ داخِلِيٍّة في مَواطِنِهِم الأصْلِيَّة ، تُوَظَّف للحِفاظِ على دَيْمومَة دَعم القوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرة للدَّوْلَةِ الوَظيفِيّة المُسْتَحْدَثَة ، وتَعمل على تحَييد تَأثير من قَد تُفْرِزَهم مَوازين القُوى الدَّاخِلِيّة مِن قِياداتٍ لِمَواقِعِ صُنْعِ القَرار فيها / يسار أم يمين ، عُمَّال أم مُحافظون ،ديموقراطيّون أم جُمهورِيّون / . بِمَعْنى إخْراج العَلاقات مع دَولة إسرائيل مِن دوائِرِ السِّياسَة الخارِجِيَّة للقُوى الدَّوْلِيَّةِ كما هو الحال بالنِّسْبَة للعلاقاتِ مع مُخْتَلَفِ دُوَلِ العالم ، والتي قَدْ تُمْلي مَواقِفِها اعتِبارات المَصالِحِ الآنِيّة المُتَغَيِّرة / الاتِّفاق الغربي النَووي مع إيران ، ورفع الحصار عن كوبا نَموذَجاً / ، وَتَحْويلها إلى شأنٍ داخِلِيّ بامْتِياز ، تَتَحَكَّم بِهِ دائِرَة ضَيِّقَة مُتَنَفِّذة وِفْقاً لاعْتِبارات الأمْن والمَصالِحِ الكَوْنِيَّة العُلْيا .

فيما حُرِمَ الشَّعْب العَرَبِيّ الفلسطينيّ - الطَّرَف الآخَر المُقْحَمُ بالقُوَّة ،أيْضاً، بالصِّراع بِحُكْمِ مَوْقِعِه الجيو- اسْتْراتيجي الفَريد ، والمُسْتَهْدَف ، لِذلك ، بالاسْتِئْصال من التّاريخِ والجُغْرافيا والدِّيموغْرافيا العَرَبِيّة ، فَتَمَّ تَجْريده مِن كافَّة مُقَوِّمات القُوَّة، وَتَكَفَّلَت سُلطات الانْتِدابِ البريطاني بِتَدمير مُرْتَكَزات وُجودِه العَسْكَرِيّة والسِّياسِيّة والاقْتِصادِيّة والقانونيّة والمُؤَسَّسِيَّة إلخ... . وحُرِم ، أيْضاً ، من أيِّ دَعْمٍ أو إسْنادٍ حقيقِيٍّ مِنْ أُمَّتِه العَرَبِيَّة المُنْهَكَة شُعوبها مِن ظُلْمِ الحُكْمِ العُثمانِيِّ الطَّويل ، والمُنْشَغِلَةِ نُخَبِها المُتَغَرِّبَة بالتَّعاوُنِ مَعَ ذاتِ القُوى الدَّوْلِيَّةِ المُسَيْطِرَة التي تَسْتَهْدِف اقْتِلاعَه وإحْلال آخرين مَكانَه ، لِقاءَ وُعودٍ قَطَعَتْها لَهُم بِتَوْلِيَتِهِم مَقاليد السُّلْطَة في بِلادِهِم عِنْدَ مُساعَدَتهم الحُلَفاءَ بِتَسْريعِ هَزيمَةِ الإمْبَراطورِيّة العُثمانِيّة. وَلَمْ يَرْدَعْ النُّخَب العربيّة المفْتونَة بالغَرْب عَن التَّعاون تَوْقيع اتِّفاقات سايكس - بيكو عام 1916 لِتَجْزِئة البِلادِ العَرَبِيّة المَوْعودَةِ بالاسْتِقْلال وتَقاسُمها بَيْن الدُوَل المُنْتَصِرة في الحَرْبِ العالمِيَةِ الأولى ، ولَمْ يُثْنِها ، أَيْضاً ، صُدور وَعْدُ بَلفور عام 1917 لاقْتِلاع فلسطين أرْضاً وشَعْباً واسْتِبْدالِها بِكيانٍ اسْتيطانِيٍّ أجْنَبِيّ . بل تَمادَتْ هذه النُّخَب في تَعاوُنِها مع القُوى الاسْتِعمارِيّة ، وَقَبِلت ، لاحِقاً ، بِشَرْطِ مُقايَضة فلسطين باسْتِقْلالِها القُطْرِيّ ، ما سَمَحَ عِنْدَ اسْتِكْمال الجاهِزِيَّة وانْتِهاء الحَرْبِ العالمِيّة الثّانِيَة بإنشاءِ الكيانِ الاسْتيطانِيّ الصَّهيوني فَوْقَ أنْقاضِ الوَطَن الفلسطيني ، إذ تَمَّ َتَشْريع وُجودِهِ دَوْلِيّا بِقَرار التَّقسيم رقم 181 لعام 1947، ثُمَّ سُمِحَ له بِتَجاوُزِالحُدود المَنْصوص عليها في هذا القَرار باحْتِلال نِصْفِ المساحَةِ المُخَصّصة للشَّعْبِ العربي الفلسطيني ، وجرى الاعْتِرافِ بِدَوْلَةِ الأمرالواقِع فوْر إعْلانِها ، رَغْمَ قِيامِها على 78 % من مساحَةِ فلسطين التَّاريخِيّة وَطَرْدِ غالِبِيّة سُكّانِها الفلسْطينِيّين خارِج خُطوطِ الهُدْنَة لعام 1949 ، كما تَمَّ التَّغاضي عَن اشْتِراط قُبولِ عُضْوِيَّتِها في الأمم المُتَّحِدة بإعادة اللاجئين الفلسْطينِيّين إلى دِيارِهِم وَتَعْويضهم عَن خَسائِرِهِم كما نص القرار رقم 194 لعام 1948 . ولم يَتِمَّ الاكْتِفاء ، بِذلك ، بَلْ تَمَّ التَّواطؤ ، أيْضاً ، لِرَفْدِ الكِيانِ الصّهيوني المُسْتَحْدث باحتِياجاتِه من يَهود الدُّولِ العَرَبِيّة والإسْلامِيّة لاسْتِكْمالِ بُنْيانِه الطَّبَقي وَتَوفير العَمالَة التي يحْتاجُها مِنْ جِهَة ، ولإخْراجِ اليَهود كُلِّيّاً مِنَ النَّسيج المُجْتَمَعي والحَضاري العَرَبي والإسْلامي ، بَعْدَ أنْ كانوا على امْتِداد العُصور مُكَوِّنا أصيلا فاعِلاً فيها . كَما تَمَّ التَّواطؤ، كَذلك ، لِضَمانِ تَغييب النَّقيض الفلسطيني سياسِيّاً وَجُغْرافِيّاً ، بِمَنْع قِيامِ دَوْلَةٍ فلسطينيّة في الأراضي الفلسْطيّنِيّة التي بَقِيَت خارِجَ الاحْتِلال الصَّهيوني بَعْد اتِّفاقات الهُدْنة الإسرائيليّة - العَرَبِيّة لعام 1949 ، عِبْرَ اقْتِسامِها وإلْحاقِها بالأقْطارِ العَرَبِيّة المُجاوِرَة ، دونَ أنْ يَتِمَّ تَشْريع ذلك دَوْلِيّاً، للإبْقاء عليْها كَأَراضٍ مُتَنازَعٍ عَلَيْها ، رَيْثَما يَسْتَكْمِل الكِيان المُسْتَحْدث اسْتِيعاب ما بِحَوْزَتِهِ ويُكْمِلَ جاهِزِيّته للاسْتيلاءِ على ما تَبَقَّى مِنْ فلسطين ، كَما حَدَثَ لاحِقاً في عدوان العام 1967 .

بِكَلِماتٍ أخْرى ، فقد كانَ الشَّعبُ الفلسطيني وَغالِبِيَّة يَهود إسرائيل ضَحايا للتَّحالف الإمبريالي - الصَّهيوني المُتَصاعِدِ القُوَّة بَعْدَ الانْتِصارِ في حَرْبَيْنِ كَوْنِيَّتَيْن ، إذ نَجَحَ في دَمْجِ المَشْروعِ الصّهْيوني الخاص بإقامة دَوْلة يَهودِيّة في فلسطين بالمَشْروعِ الإمبرياليّ العام لإدامَة الهَيْمَنة على المنطقة العَرَبِيّة ، وجَنَّد المَنْظومَةِ الدَّولِيّة النّاشِئة في أَعْقابِهِما بكَفاءَةٍ لافِتة لِتَحْقيقِهما . فلم يَكُن بالإمْكانِ إجْراءَ هذا التَّحَوُّلِ الدِّيموغرافي الجَذْري في فلسطين بِدون تَفْويضِ عُصْبَةِ الأمُمِ للانتِداب البريطاني، بالقِيامِ بالتَّجْهيزاتِ الضّرورِيّة لاسْتِبْدالِ فلسطين بإسرائيل . وما كانَ بالإمكان ، أيْضاً ، دَفْعُ مِئاتِ الآلافِ مِنْ يَهودِ أوروبا لِمُغادَرَةِ أوْطانِهِم بِدونِ تأجيجِ العُنْصُرِيَّة فيها وارتكاب المَجازِر ضِدَّهُم وإغلاقِ كافَّة المنافِذِ أمامهم لِدَفْعِهِم باتِّجاهِ فلسطين . وَلَمْ يَكُنْ بالإمْكانِ ، لاحِقاً ، إخْلاء فِلسطين من أصحابِها الأصْلِيّين لإحْلالِ المُسْتَوطنين اليَهود المُسْتَقْدَمين مَكانَهُم لَولا حَروب الإبادَة والمجازِر الوَحْشِيّة التي اقْتَرَفَتْها العِصابات الإرهابِيّة الصّهيونِيَّة بدَعْمٍ ورعايَةِ كامِلَة من قُوّات الاحْتِلال البريطاني . وقَدْ تَناوَلَ رئيس الوزراء الصُّهيوني المُؤسّس دافيد بن غوريون ذلك بوضوحٍ في مُذَكَّراتِه بِقَولِه " إنَّ شَرْطَ قِيامِ إسْرائيل هو تَدْمير فلسطين " .

ولَعَلَّ المُفارَقَة الكُبْرى في الصِّراع الفلسْطيني - الإسْرائيلي ، فَرادَةَ المَشْروع الاسْتيطاني الصّهيوني وانْفِراده عَن سائِرِ المَشاريع الاسْتيطانِيّة التي وَثَّقها التّاريخ البَشَرِيّ ، بِتَزامُنِهِ مع أُفولِ عَهْدِ الاسْتِعمار المُباشِرْ ، وحُدوده الجُغْرافِيّة المَفْتوحَة التي تَحْسِمُها مَوازين القُوى العَسْكَرِيّة ، وَخُصُوصِيَّته الدّيموغْرافِيّة الدِّينِيّة التي تَقْتَصِر على اليّهودِ وَحْدَهُم في عَصْرِ تَنامي العِلمانِيّة ، وخاصِّيّته الإجلائِيّة في التَّعامُلِ مع كِلتا ضَحاياه ، وَنَجاحه رَغْمَ ذلك ، في تَجْنيدِ النّاجين اليَهودَ مِنَ المَذابِحِ في أوْروبا وَتَوْجيهِهِم لاقْتِرافِ ذاتِ المَذابِح لاسْتِئْصالِ الشَّعْبِ العَرَبي الفلِسْطيني مِنْ أرْضِ وَطَنِه والحُلولِ مَكانَه . وبِذلك ، إدخالُ ضَحاياه في صِراعٍ وُجودِيٍّ بينيٍّ يَسْتَنْزِفُهما سَوِيّاً ، وَيُتيحُ لَه في الوقْتِ نَفْسه إمكانِيَّة التَّحْكيمِ بَيْنَهما ، فَيَحْفَظ سَيْطَرَتَه وَيَحْمي مَصالِحَه بِكُلْفَةٍ زَهيدة .

قَدْ يَكون هذا التَّحْليل صادِماً للبَعْض ، وَقَدْ يُخالِفَني الكَثيرون في اعْتِبار غالِبِيَّة يَهود إسرائيل ضَحايا ، وَقَدْ يَرى العَديد في ذلك تَجاوُزاً للمَنْطِق ، في الوَقْتِ الذي يَنْتَخِبون فيه أكْثَر الزَّعماء الصّهايِنَة تَطَرُّفاً وإجْراماً ، بَلْ حتّى قَدْ يَعْتَبِره البَعْض تَبْريراً لمُحْتَلِّي بِلادنا . غَيْرَ أنَّ ، ذلك ، بعيد كل البُعد عن الحَقيقَة ، إذ لا وُجود لِتَشْريعٍ واحِدٍ لا سَماوِيّ ولا وَضْعِي يُبيح لِلمَظلومٍ ، تَحْتَ أيِّ ظَرْفٍ ، أنْ يُصْبِحَ ظالِماً . أو يَسمَحُ لِضَحِيَّةٍ ، مَهْما كانت المُبَرِّرات ، أنْ تَغْدو جَلَاداً ، كما هُوَ حالُ الغالِبِيَّةِ السّاحقة لِيَهودِ إسرائيل راهِناً .

لكِنّ ما سَعَيْتُ إلَيْهِ في هذا المَقالِ المُتَطَلِّعِ إلى فَتْحِ بابِ الحِوار حول المشروع التَّحَرّري الفلسْطينيّ النّقيض للمَشْروعِ الصَّهيوني ، مُحاولة للحَثِّ على التَّفكير الفلسطيني خارِجَ المألوف ، عَلّه يُساعِد في فَتْحِ الآفاقٍ لِفَهْمِ أعْمَق لِطَبيعَةِ الصِّراعِ الدّائِر في بِلادِنا وَعَلَيْها للقَرن الثّاني على التَّوالي ، دونَ أنْ يَتَبَدّى في الأفقِ أيّة بَوادِرَ لِحَلِّه ، على الرَّغْمَ من إقْدام النِّظام السّياسي الفلسطيني بِطَرَفَيْهِ المُتَنَفِّذَيْن في الضّفّة الغَرْبِيّة وقِطاعِ غَزَّة وَحُلَفائِهما من الفصائل والتَّنْظيمات والأحْزاب ، على القُبولِ بِصِيَغٍ للحَلِّ تُقارِب الاسْتِسلام وتَصِل حَدَّ التَّفْريط بِالحُقوقِ الوَطَنِيَّة والتّاريخِيّة الثابِتَة للشَّعْبِ الفلسطيني في مُعْظَمِ أرضِ وَطَنِه .

وَلِأنَّنا نَشْهَدُ مُحاولات مُسْتميتة لإحكامِ انْغِلاقِ الدّائرة لهذا الصِّراع الوجودي ومَنْع كَسْرِها . خُصوصا ، مُنْذ دخول نَظَرِيّة صِراع الحَضارات التي بَشَّرَنا بها برنارد لويس وصامويل هنتنجتون حَيِّز التَّنْفيذِ العَملي في أعقابِ انْتِهاء الثُّنائِيّة القُطْبِيّة من النِّظام الدَّولي في تِسْعينِيّات القرن الماضي . ثُمَّ تفاقمها عِنْدَ بَدْءِ تطبيق سِياسة الفَوضى الخَلّاقة الأمريكِيّة في مطلَعِ القَرْنِ الحالي ، باسْتِدْعاء الصِّراعات المَناطِقِيّة والعِرْقِيّةٍ والإثْنِيَّة والدِّينيّة والطائِفِيَّة وَالمَذْهبيّة والقَبَلِيَّة والعَشائِرِيّة على امْتِدادِ السّاحَةِ العَرَبِيّة والإسلامِيّة ، لِتَشْريعِ الدَّوْلَةِ اليَهودِيّة الذي بات ذلك مُلِحّاً لاسْتِمْرارِالكِيان الصّهيوني ، بإحْكامِ التَّماهي بَيْنَ اليَهودِيّة والصَّهْيونِيّة للتَّصَدّي للصّحْوَةِ الإنسانِيّة المُتَنامِيَةِ التي تتبدّى مَعالِمها في التّضامن غير المَسْبُوق للقوى الشّعبيّة الدَّوْلِيّة المُناصرة لِلحقّ الفلسطيني على امْتِداد العالم . وفي المؤازرة اللافتة لدول العالم /171 دولة / التي باتت تَعْتَرِف بِحَقِّ الشّعبِ الفلسْطيني في اسْتِعادَةِ وجوده السِّيادي وتَقْرير مَصيرِه في أرْضِ وَطَنِه .

وتتبدّى ملامحها أيضاً في حَمْلات المقاطعة المتعاظمة للكيان الصهيوني من قِبَل عَددٍ كبيرٍ ومُتَزايِدٍ من المُؤَسّسات الأكاديمِيّة والثقافية والاقْتِصاديّة الأوروبية والأمريكيّة.

وتظهر دَلالاتها ، كَذلك، في الحراك الشّبابِيّ النشط لليهود غير الصهاينة في أمريكا وأوروبا ، الرَّافضين للسِّياسات والممارسات الإجْرامِيّة الصّهيونيّة ، والمطالبين بإنْهاء الاحْتِلال والاسْتيطان ، والدّاعين لإخضاع دولة إسرائيل لِنَفاذ القانون الدَّولي والإنساني . كما تَظْهَر في المراجعة الشجاعة التي بَدَأ يُجْريها المُؤَرِّخون الإسْرائيليون الجُدد أمثال إلين بابه وماتي بيليد وشقيقته وعدد من الزعماء اليهود وبعض الناجين من المَحْرَقة النّازِيّة . وتَظْهَرُ ، أيْضاً ، في المواقف الجريئة لعدد متنام من الصحفيّين والكتّاب أمثال جدعون ليفي وأميرة هاس وغيرهم ، غير آبهين بالتَّهديدات التي يُطلقها اليمين العُنْصُري الإسرائيلي . و في مواقف المُجَنّدين الإسرائيليّن الرافضين للصَّمت ، الذين يَتَعَرَّضون للاعْتِداءات والاتِّهامات بالخيانة .

كُلُّ ذلك لا بُدَّ أنْ يَنْتَبِه لَه الفلسطينِيّون عموما ، والحَراكُ الشّبابيّ الثّائِر خُصوصاً ، لِدَوْرِه المِحْوَرِيّ في كَيَ الوَعي الدَّولي عُموماً ، واليَهودي خُصوصاً وَلِتَبْصيرِه بِجَدْوى انْتِزاعِ الدِّين اليَهودي مِنَ بَراثِنِ الصَّهْيونِيّة ، لِفَتْحِ نافِذَةِ الفُرَص أمام الشَّعْبِ الفلسطيني وَيَهود إسرائيل لِكَسْرِ الدَّائِرة المُغْلَقَة للصِّراع الوُجودي .

ولاستشْراف السُّبُل المُمْكِنَة للمُواءمَة المُثلى بَيْنَ مصالِحِهم ، وَرُبَّما مُحاكاة تَجْربة جنوب إفريقيا ، والتَّأسيس لِمُسْتَقْبَلٍ مُغايِرٍ تَجِدُ فيه أجْيالهما القادمة َفُرْصَةً للعَيْشِ الآمن الحُرِّ الكريم وتقرير المصير في الوطن الواحِد المُشْتَرك .

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS