يبدو أن موسكو باتت "مربض خيل اليمين الأوروبي"..بالتأكيد ليس توافقا فكريا بل ترسيخا لمبدأ" المصلحة فوق الجميع"..والله يا زمن!

المَشْروع الوطني التَّحَرُّري الفلسطينيّ المَأمول ( 1 )

المَشْروع الوطني التَّحَرُّري الفلسطينيّ المَأمول ( 1 )
  • شـارك:
د. غانية ملحيس

أمد/

تَعْريفه ومُنْطلقاته 

تَلافِياً لأيِّ التِباسٍ أوْ اخْتِلاطٍ مَفاهيميّ ، فَإنَّ المَقْصودَ بالمَشْروعَ التَّحَرُّريِّ الفلسطينيِّ النَّقيض للمَشْروع الاسْتِعماري الاستيطاني الصّهيوني ، هو الرُّؤيَة الاسْتْراتيجِيّة بَعيدَة المَدى ِللمُسْتَقْبَل الذي يَتَوافَقُ عَلَيْهِ الشَّعب الفلسطيني داخِلَ الوَطَنِ وفي الشَّتات . والبُوصَلَة التي يُفْتَرَض أن يَسْتَرشِدَ بها الفلسطينيّون كافَّة ، أفراداً كانوا أم جَماعات ، في خُطَطِهم وسُلوكِهم وأنْشِطَتِهِم السِّياسِيّة والدِّيبْلومَاسِيّة والعَسْكَرِيّة والقَانُونِيّة والاقْتِصادِيّة والاجْتِماعِيَّة والثّقافِيّة عِبْرَ المَراحِلِ المُخْتَلِفَة ، لِضَمان تَوافُقِها واتِّساقِها مَع الأهدافِ المُبْتَغاة .

وَعَلَيْه ، يُتَوَقَّعُ مِنْ المَشْروع التَّحَرُّرِيّ الفلسطينيّ أَنْ يَتَضَمَّن القِيَم الأساسِيَّة والأفكارالرَّئيسَة والمَبادِئ العامّة التي يَنْبَغي أنْ يَتَأسّسَ عَلَيْها المُسْتقْبَل الفلسطينيّ المَأمول ، كَيْ يُوَجِّه سياسات وأفْعالَ الحاضِر لِبُلوغِ المُسْتَقْبَل المُسْتَهْدَف بالسُّرْعَةِ القُصْوى والكُلْفَةِ الدُّنيا .

بِهذا الفَهْم ، فإنَّ المَشْروع التّحَرّري الفلسطيني النَّقيض للمَشْروع الصّهيوني ، يُمَثِّل رُؤْيَةً نَهْضَوِيَّة مُسْتَحَقَّة منذ أكْثَر مِنْ قَرْن ، لِمُواجَهَةِ المَشْروع الاسْتِعْماريّ الاسْتيطانيّ الصّهيونيّ الذي تَمَّ بلورته في إطارِ التّوسّع الاسْتِعْماري الغَرْبي في القَرْنَيْن التّاسِع عَشر والعِشرين . وسَعت عِبْرَهُ القُوى الدَّوْلِيّة المُتَنَفِّذة إلى اسْتِئْصاِل فلسطين كُلِّيّاً من الجُغْرافيا والدّيموغرافيا العَرَبِيّة ، واسْتِبْدالَها بِكيانٍ استيطانِيٍّ أجْنَبِيٍّ هَجين ، يُلبي حَاجَتَها لقاعِدَةٍ اسْتِعمارِيّة مُتَقَدِّمَةٍ مُسْتَدامَة ، في قلب المنطقَةِ العَربيّة المُمْتَدَّة من جِبَال طوروس والبَحْرِ الأبْيَض المُتَوَسِّط شَمالاً إلى المُحيطِ الهِنْدي وَبَحْرِ العَرب والصّحراء الكُبْرى جَنُوبا ً، وَمِنَ الخَليج العَربي وكُرْدِسْتان شَرْقَاً إلى المُحيطِ الأَطلسي غَرْباً . لأهَمِّيَّتِها الجيو- استْراتيِجِيّةِ الفَائِقَة ، حيْث تَلْعَبُ السَّيْطَرة عليها – مُنْذُ أَقْدَمِ العُصور - دَوْراً حاسِماً في تَرْجيح مَوازين القُوى على الصَّعيدِ الدَّولِيّ . فَهْيَ تَقَع في مَرْكَزِ العَالم، وَتُشْرِف على خُطوط التِّجارَةِ والمِلاحَةِ والمُواصَلاتِ والاتِّصالاتِ الدَّوْلِيّة ، وَتَمْتَلِك ثَروات طبيعيّة ومعْدَنِيَّة هائلة ومُتَنَوِّعة ، وَمَوارِد مالِيّةٍ وَفيرة ، ولَدَيْها ، أيْضاً ، احْتياطِيّات ضَخْمَة للطّاقة الاسْتِخْراجِيّة ما تَزال تُشَكِّل عَصَب الاقْتِصادِ الدّوليّ . كما تُشَكِّل هذهِ المِنْطَقَة ، في الوَقْتِ ذاته ، أسْواقاً اسْتِهلاكيّة واسِعَة وواعِدَة مُتَسارِعة النُّمُوِّ ، تَحْتاجُها القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة لِتَصْريفِ فوائِضِهِا الإنتاجِيَّة السِّلَعِيّة والخَدَمِيّة ، المَدَنِيَّةِ والعَسْكَرِيّة ، لِتَضْمَنُ لَها تَوَسُّع وتَطَوُّرَ قدراتها الإنْتاجيّة التي تَفوق حاجاتها بِكَثيرٍ، وَلتَكْفَلُ نُمُوِّ طاقاتها التَّشْغيلِيّة وَتَحْفَظ اسْتِقْرار مُسْتَوَيات المعيشة المُرْتَفِعَة لمُواطِنيها وَتَواصُلَ رَفاهِهم .

غَيْرَ أنَّ إدامَة السَّيْطَرَة على هَذِهِ المِنْطقة الحَيَوِيَّة لِمُددٍ طويلة يَتَعَذّر تَوْفيره بالأساليب التَّقْليدِيّة ، إذ تَعاقَبَت عَلَيْها على مَرِّ التَّاريِخِ قُوى دَوْلِيّةً عُظْمى دونَ أنْ تَنْجَح بالاسْتِقْرارِ فيها . ومع أفولِ عَصْرِ الاسْتِعمار المُباشِرِ على الصَّعيدِ الدَّوْلِيّ ، باتَتْ السَّيْطَرَةُ عَلَيْها تَحْتاجُ إلى شُروطٍ خاصّة ، ذلك أنَّها تَمْتَلِكُ كُلُّ مُقَوِّماتِ النُّهوض الذّاتي، فبالإضافة لِخُصوصِيَّة مَوْقِعِها وَثَراءِ موارِدِها ، تُشَكِّل هذه المنطقة مَرْكز إشعاعٍ حضارِيٍّ فَريدٍ أثْرى البَشَرِيّة على مَدى قُرون طَويلَة ، وما يَزال، فهْيَ مَهْدٌ للدِّيانات السَّماويّة الثَّلاث التي يُؤْمِن بها أكْثَر من 60% مِن سُكَّان العالم . وشَكَّلت - قبل أنْ تَغْزُوها القُوى الاسْتِعْمَارِيّة الغَرْبِيّة - نَموذَجا رائِداً للتَّعايُشِ والتَّسامُح والتَّفاعُلِ بين مُخْتَلفِ الدِّيانات والأعْراق والقَوْمِيّات ، وَتَسْكُنُها شُعوبٌ مُتَجانِسَة فَتِيّة التَّرْكيب ، ذات تاريخٍ عَريقٍ وثقافة وحَضارة ولُغَة مُشْتَرَكَة ، وإيمان راسِخٌ بِوَحْدَةِ المَصير .

وَلإحْكامِ السَّيْطَرَةِ عَلَيْها لِأطْوَلِ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُمْكِنَة ، وَجَدَتْ القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة ضَالّتَها المَنْشودة بانْتِزاعِ فلسطين /البُقْعَة الجُغرافِيّة الصّغيرة مِنْ حيث المساحَةِ وعَدد السُّكّان ، والفاصِل البَرِّيّ بيْن مشْرِقِ الوَطَنِ العَرَبي وَمَغْرِبِه / من الجُغْرافيا والدِّيموغْرافيا العَرَبِيّة ، واسْتِبْدالها بكِيانٍ اسْتيطانِيٍّ أجْنَبِيٍّ غريب ، يَضْطَّلِعُ بِمُهِمَّةِ إِرْهابِ شُعوب المَنْطِقَة ، وَيُحافِظ على التَّجْزِئة القُطْرِيّة التي اسْتَحْدَثَتْها اتِّفاقات سايْكْس - بيكو ، ويَحول دُونَ قِيامِ دَوْلَةٍ قَوْمِيَّة فيها كما تَحْلُمُ شُعوبِها .

وَأدْرَكَت هذهِ القُوى وُجود فُرْصَةٍ مُواتِيَةٍ لاسْتِخْدامِ اليَهود في تحقيقِ مآرِبِها وإنْجازِ ما سَبَقَ وَعَجِز نَابليون بُونوبارت عَنْ فِعْلَه أثْناءَ حَمْلَتِهِ لاحْتِلال المَشْرِق . فاليَهود ، أَيْضاً ، مَجْموعَة صَغيرة نسْبِيّاً / 14.2 مليون نسمة / وِفْقا للبيانات الإحْصائِيّة في مَطلع عام 2016 ، ورَغْم أنَّ نُفوذَهُم يَفوق ذلك بِكَثير ، إلا أنَّهُم لا يُشَكِّلون لِأيٍّ مِنَ القُوى الدَّوْلِيّة المُتَنَفِّذة تَهْديداً اسْتْراتيجِيّاً جَدِّيّاً ، لا مَاضِياً ولا حَاضِراً ولا مُسْتَقْبَلاً ، ما يُبْقِيهِم على الدَّوامِ تَحْتَ السَّيْطَرَة . كما أنَّ بِالإمْكانِ تَوْظيفِ مُعْتَقَداتِهِم الدّينيّة بالتَّمايُزِ عن سَائِرِ الأَغْيار / 7.3 مليار نسمة / في تَعْميقِ عُزْلَتِهِم وعَرْقَلَةِ انْدِماجَهُم في مُجْتَمَعاتِهِم الأصْلِيَّة . وَيَسْهُل ، كَذلك ، اسْتِدْعاء الأساطيرِ والوُعودِ الإلهيّة للشَّعبِ المُخْتار لاخْتِلاقِ روابِطَ حَصْرِيَّةٍ تَقْتَصِرعَلَيْهِم وَحْدَهُم بِفِلِسْطين ، رغم قُدْسِيَّتها لأتباعِ الدِّياناتِ السَّماوِيّة الثّلاث . وعَلَيْه ، فَقَدْ لَجَأت القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة إلى تَوْظيف الدِّين اليَهودي بعد اسْتِكْمالِ شَرْطِ تَسْييسه بإنشاء الحَرَكَةِ الصّهيونِيّة ، وَتَحالفت مَعَها من أجلِ التَّعاوُنِ سَوِيّاً في تَصْدير المَسْألة اليَهودِيّة الآخِذَةِ في التَّفاقُم بِفِعْلِ الصُّعودِ القَوْمي وَتنامي العُنْصُرِيّة الأوروبيّةِ ، وتَّوافُقوا سَوِيّاً على حَلِّها خارِج الحُدود الجُغْرافِيّة الأوروبِيّة ، بِحَيْثُ يُكَرِّس قِيادَة الحَرَكَة الصَّهيونِيّة لِيَهود العالم ويَضْمَنُ إنْشاءِ مَرْكَزٍ يَهودِيٍّ مُسَيْطِرٍ لها في فلسْطين ، ويُلبي ، في الوَقْتِ ذاتَه ، حاجَة القُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرَة لقاعِدَة اسْتِعمارِيَّةٍ مُتَقَدِّمَة تَكْفَل اسْتِدامَةَ هَيْمَنَتِها على عُمُومِ المنْطِقَة . يُدْفَعُ إِلَيْهِ بِدايَةً اليَهودِ المُسْتَهْدَفين المُقْتَلَعين بالقُوَّةِ مِنْ مَواطِنِهِم الأوروبِيَّة الأصْلِيّة بَعْد إغْلاقِ كافَّة المَنافِذَ أمامَهُم باسْتِثْناءِ فلسطين ، وَتُعْهَدَ إِلَيْهِم مُهِمَّة إرساءِ مُرْتَكَزاتِ الكِيانِ الاسْتيطانيّ المُسْتَحْدَث ، ثُمَّ يَسْتَوْعِبَ ، لاحِقاً ، في بُنْيانِهِ الغَرْبي أتْباع الدِّيانَة اليَهودِيَّة ومن يَتِمَّ تَهْويدَهْم مِنْ مُخْتَلف بِقاعِ العالَم ، وِفْقاً لِمُقْتَضَياتِ المَصْلَحَة الوُجودِيَّة للكِيانِ الاسْتيطاني الصّهيوني ولِمُتَطَلَّبات الدَّور الوظيفيّ الإمْبِرْيالي المُناط بِه .

وَهَكَذا، اخْتارت الأقْدارُ كُلاًّ من الشَّعْب الفلسطيني وَيَهود إسْرائيل لِخَوْضِ صِراعٍ وُجودِيٍّ لِحِسابِ الحَرَكَةِ الصّهيونِيّة العالميّة والقُوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرة / التي يُمْكِنُ أنْ تَتَبَدَّلَ هَوِيَّتِها وِفْقاً لِمَوازين القُوى الدَّوْلِيّة / . غَيْرَ أنَّ فارِقٍاً جَوْهَرِيّاً مَيَّزَ ، وما يَزال ، بَيْن الضّحايا المُتَصارِعين ، واخْتَصَّ ِيَهود إسْرائيل – الطَّرَف المُقْحَم بالقُوَّة والمُكَلَّف بِالقِيام بِمُهِمَّة البديل الاسْتيطاني للشَّعْبِ العَرَبِيِّ الفلسطيني الأصيل - بامْتِلاكَ القُوَّة الفائِقَة الضَّرورِيَّةِ لِتَنْفيذ المُهِمَّة ، فتَمَّ تَوفّيَر كُلّ أنْواعِ الدَّعْمِ والإسْنادِ والرِّعايَة الدَّوْلِيّة لَهُمْ بِدَعْوى تَعْويضهم عَمّا لَحِقَ بِهِم مِنْ مآسٍ في أوروبا أثْناء مُحاولات تَجْنيدِهِم لمُهِمَّة بِناءِ دَوْلَةٍ صُهيونِيَّةٍ قَوِيَّةٍ فَوْقَ أَنْقاضِ الشَّعْبِ الفلسطيني . وتمَّ تَزْويدَهم بِكُلِّ المُتَطَلَّبات الضَّرورِيَّة لِتَأمينِ ملاذٍ جَديدٍ آمنٍ ومُزْدَهِرٍ يُبْقي الدَّوْلَة المُسْتَحْدَثَة مُسْتَقَرَّاً لِمُسْتَوْطنيها اليَهود المُسْتَقْدَمين إلَيْها ، ويَجْعَلُها ، أَيْضاً ، مَصْدَرَ طَمَأنينَة ودَعْمٍ مُؤَثِّرٍ لِباقي يَهود العالم المُتَوَجِّسين مِن غَدْرِ الأغْيار ، وسَنَداً لِحِمايَةِ مَصالِحِهِم ولِتَعْزيزِ مُكْتَسَباتِهِم وتَقْوِيَةِ نُفوذِهِم في مَواطِنِهِم الأصْلِيّة ، فَيُؤَسِّسُ ، بِذلك ، لازْدِواجِيّةِ الانْتماءِ والوَلاء ، وَيَدْفَعُ أَجْيالَهُم المُتَعاقِبَة إلى مَزيدٍ مِنَ الانْغلاق على الذّات والتَّكَتُلِ داخِلَ أطُرٍ تَنْظيمِيَّةٍ خاصَّة بِهِم ، َتُبْقي عَلَيْهِم كاحْتياطيٍّ اسْتْراتيجيٍّ جاهِزٍ عِنْدما يَحْتاجُهُم الدَّوْر الوظيفي الخاصّ / اليهودي / أو العام / الإمبريالي/ من جهة . وَتُشَكِّل ، من جِهَةٍ أخْرى ، مَراكَزَ ثِقَلٍ داخِلِيٍّة في مَواطِنِهِم الأصْلِيَّة ، تُوَظَّف للحِفاظِ على دَيْمومَة دَعم القوى الدَّوْلِيّة المُسَيْطِرة للدَّوْلَةِ الوَظيفِيّة المُسْتَحْدَثَة ، وتَعمل على تحَييد تَأثير من قَد تُفْرِزَهم مَوازين القُوى الدَّاخِلِيّة مِن قِياداتٍ لِمَواقِعِ صُنْعِ القَرار فيها / يسار أم يمين ، عُمَّال أم مُحافظون ،ديموقراطيّون أم جُمهورِيّون / . بِمَعْنى إخْراج العَلاقات مع دَولة إسرائيل مِن دوائِرِ السِّياسَة الخارِجِيَّة للقُوى الدَّوْلِيَّةِ كما هو الحال بالنِّسْبَة للعلاقاتِ مع مُخْتَلَفِ دُوَلِ العالم ، والتي قَدْ تُمْلي مَواقِفِها اعتِبارات المَصالِحِ الآنِيّة المُتَغَيِّرة / الاتِّفاق الغربي النَووي مع إيران ، ورفع الحصار عن كوبا نَموذَجاً / ، وَتَحْويلها إلى شأنٍ داخِلِيّ بامْتِياز ، تَتَحَكَّم بِهِ دائِرَة ضَيِّقَة مُتَنَفِّذة وِفْقاً لاعْتِبارات الأمْن والمَصالِحِ الكَوْنِيَّة العُلْيا .

فيما حُرِمَ الشَّعْب العَرَبِيّ الفلسطينيّ - الطَّرَف الآخَر المُقْحَمُ بالقُوَّة ،أيْضاً، بالصِّراع بِحُكْمِ مَوْقِعِه الجيو- اسْتْراتيجي الفَريد ، والمُسْتَهْدَف ، لِذلك ، بالاسْتِئْصال من التّاريخِ والجُغْرافيا والدِّيموغْرافيا العَرَبِيّة ، فَتَمَّ تَجْريده مِن كافَّة مُقَوِّمات القُوَّة، وَتَكَفَّلَت سُلطات الانْتِدابِ البريطاني بِتَدمير مُرْتَكَزات وُجودِه العَسْكَرِيّة والسِّياسِيّة والاقْتِصادِيّة والقانونيّة والمُؤَسَّسِيَّة إلخ... . وحُرِم ، أيْضاً ، من أيِّ دَعْمٍ أو إسْنادٍ حقيقِيٍّ مِنْ أُمَّتِه العَرَبِيَّة المُنْهَكَة شُعوبها مِن ظُلْمِ الحُكْمِ العُثمانِيِّ الطَّويل ، والمُنْشَغِلَةِ نُخَبِها المُتَغَرِّبَة بالتَّعاوُنِ مَعَ ذاتِ القُوى الدَّوْلِيَّةِ المُسَيْطِرَة التي تَسْتَهْدِف اقْتِلاعَه وإحْلال آخرين مَكانَه ، لِقاءَ وُعودٍ قَطَعَتْها لَهُم بِتَوْلِيَتِهِم مَقاليد السُّلْطَة في بِلادِهِم عِنْدَ مُساعَدَتهم الحُلَفاءَ بِتَسْريعِ هَزيمَةِ الإمْبَراطورِيّة العُثمانِيّة. وَلَمْ يَرْدَعْ النُّخَب العربيّة المفْتونَة بالغَرْب عَن التَّعاون تَوْقيع اتِّفاقات سايكس - بيكو عام 1916 لِتَجْزِئة البِلادِ العَرَبِيّة المَوْعودَةِ بالاسْتِقْلال وتَقاسُمها بَيْن الدُوَل المُنْتَصِرة في الحَرْبِ العالمِيَةِ الأولى ، ولَمْ يُثْنِها ، أَيْضاً ، صُدور وَعْدُ بَلفور عام 1917 لاقْتِلاع فلسطين أرْضاً وشَعْباً واسْتِبْدالِها بِكيانٍ اسْتيطانِيٍّ أجْنَبِيّ . بل تَمادَتْ هذه النُّخَب في تَعاوُنِها مع القُوى الاسْتِعمارِيّة ، وَقَبِلت ، لاحِقاً ، بِشَرْطِ مُقايَضة فلسطين باسْتِقْلالِها القُطْرِيّ ، ما سَمَحَ عِنْدَ اسْتِكْمال الجاهِزِيَّة وانْتِهاء الحَرْبِ العالمِيّة الثّانِيَة بإنشاءِ الكيانِ الاسْتيطانِيّ الصَّهيوني فَوْقَ أنْقاضِ الوَطَن الفلسطيني ، إذ تَمَّ َتَشْريع وُجودِهِ دَوْلِيّا بِقَرار التَّقسيم رقم 181 لعام 1947، ثُمَّ سُمِحَ له بِتَجاوُزِالحُدود المَنْصوص عليها في هذا القَرار باحْتِلال نِصْفِ المساحَةِ المُخَصّصة للشَّعْبِ العربي الفلسطيني ، وجرى الاعْتِرافِ بِدَوْلَةِ الأمرالواقِع فوْر إعْلانِها ، رَغْمَ قِيامِها على 78 % من مساحَةِ فلسطين التَّاريخِيّة وَطَرْدِ غالِبِيّة سُكّانِها الفلسْطينِيّين خارِج خُطوطِ الهُدْنَة لعام 1949 ، كما تَمَّ التَّغاضي عَن اشْتِراط قُبولِ عُضْوِيَّتِها في الأمم المُتَّحِدة بإعادة اللاجئين الفلسْطينِيّين إلى دِيارِهِم وَتَعْويضهم عَن خَسائِرِهِم كما نص القرار رقم 194 لعام 1948 . ولم يَتِمَّ الاكْتِفاء ، بِذلك ، بَلْ تَمَّ التَّواطؤ ، أيْضاً ، لِرَفْدِ الكِيانِ الصّهيوني المُسْتَحْدث باحتِياجاتِه من يَهود الدُّولِ العَرَبِيّة والإسْلامِيّة لاسْتِكْمالِ بُنْيانِه الطَّبَقي وَتَوفير العَمالَة التي يحْتاجُها مِنْ جِهَة ، ولإخْراجِ اليَهود كُلِّيّاً مِنَ النَّسيج المُجْتَمَعي والحَضاري العَرَبي والإسْلامي ، بَعْدَ أنْ كانوا على امْتِداد العُصور مُكَوِّنا أصيلا فاعِلاً فيها . كَما تَمَّ التَّواطؤ، كَذلك ، لِضَمانِ تَغييب النَّقيض الفلسطيني سياسِيّاً وَجُغْرافِيّاً ، بِمَنْع قِيامِ دَوْلَةٍ فلسطينيّة في الأراضي الفلسْطيّنِيّة التي بَقِيَت خارِجَ الاحْتِلال الصَّهيوني بَعْد اتِّفاقات الهُدْنة الإسرائيليّة - العَرَبِيّة لعام 1949 ، عِبْرَ اقْتِسامِها وإلْحاقِها بالأقْطارِ العَرَبِيّة المُجاوِرَة ، دونَ أنْ يَتِمَّ تَشْريع ذلك دَوْلِيّاً، للإبْقاء عليْها كَأَراضٍ مُتَنازَعٍ عَلَيْها ، رَيْثَما يَسْتَكْمِل الكِيان المُسْتَحْدث اسْتِيعاب ما بِحَوْزَتِهِ ويُكْمِلَ جاهِزِيّته للاسْتيلاءِ على ما تَبَقَّى مِنْ فلسطين ، كَما حَدَثَ لاحِقاً في عدوان العام 1967 .

بِكَلِماتٍ أخْرى ، فقد كانَ الشَّعبُ الفلسطيني وَغالِبِيَّة يَهود إسرائيل ضَحايا للتَّحالف الإمبريالي - الصَّهيوني المُتَصاعِدِ القُوَّة بَعْدَ الانْتِصارِ في حَرْبَيْنِ كَوْنِيَّتَيْن ، إذ نَجَحَ في دَمْجِ المَشْروعِ الصّهْيوني الخاص بإقامة دَوْلة يَهودِيّة في فلسطين بالمَشْروعِ الإمبرياليّ العام لإدامَة الهَيْمَنة على المنطقة العَرَبِيّة ، وجَنَّد المَنْظومَةِ الدَّولِيّة النّاشِئة في أَعْقابِهِما بكَفاءَةٍ لافِتة لِتَحْقيقِهما . فلم يَكُن بالإمْكانِ إجْراءَ هذا التَّحَوُّلِ الدِّيموغرافي الجَذْري في فلسطين بِدون تَفْويضِ عُصْبَةِ الأمُمِ للانتِداب البريطاني، بالقِيامِ بالتَّجْهيزاتِ الضّرورِيّة لاسْتِبْدالِ فلسطين بإسرائيل . وما كانَ بالإمكان ، أيْضاً ، دَفْعُ مِئاتِ الآلافِ مِنْ يَهودِ أوروبا لِمُغادَرَةِ أوْطانِهِم بِدونِ تأجيجِ العُنْصُرِيَّة فيها وارتكاب المَجازِر ضِدَّهُم وإغلاقِ كافَّة المنافِذِ أمامهم لِدَفْعِهِم باتِّجاهِ فلسطين . وَلَمْ يَكُنْ بالإمْكانِ ، لاحِقاً ، إخْلاء فِلسطين من أصحابِها الأصْلِيّين لإحْلالِ المُسْتَوطنين اليَهود المُسْتَقْدَمين مَكانَهُم لَولا حَروب الإبادَة والمجازِر الوَحْشِيّة التي اقْتَرَفَتْها العِصابات الإرهابِيّة الصّهيونِيَّة بدَعْمٍ ورعايَةِ كامِلَة من قُوّات الاحْتِلال البريطاني . وقَدْ تَناوَلَ رئيس الوزراء الصُّهيوني المُؤسّس دافيد بن غوريون ذلك بوضوحٍ في مُذَكَّراتِه بِقَولِه " إنَّ شَرْطَ قِيامِ إسْرائيل هو تَدْمير فلسطين " .

ولَعَلَّ المُفارَقَة الكُبْرى في الصِّراع الفلسْطيني - الإسْرائيلي ، فَرادَةَ المَشْروع الاسْتيطاني الصّهيوني وانْفِراده عَن سائِرِ المَشاريع الاسْتيطانِيّة التي وَثَّقها التّاريخ البَشَرِيّ ، بِتَزامُنِهِ مع أُفولِ عَهْدِ الاسْتِعمار المُباشِرْ ، وحُدوده الجُغْرافِيّة المَفْتوحَة التي تَحْسِمُها مَوازين القُوى العَسْكَرِيّة ، وَخُصُوصِيَّته الدّيموغْرافِيّة الدِّينِيّة التي تَقْتَصِر على اليّهودِ وَحْدَهُم في عَصْرِ تَنامي العِلمانِيّة ، وخاصِّيّته الإجلائِيّة في التَّعامُلِ مع كِلتا ضَحاياه ، وَنَجاحه رَغْمَ ذلك ، في تَجْنيدِ النّاجين اليَهودَ مِنَ المَذابِحِ في أوْروبا وَتَوْجيهِهِم لاقْتِرافِ ذاتِ المَذابِح لاسْتِئْصالِ الشَّعْبِ العَرَبي الفلِسْطيني مِنْ أرْضِ وَطَنِه والحُلولِ مَكانَه . وبِذلك ، إدخالُ ضَحاياه في صِراعٍ وُجودِيٍّ بينيٍّ يَسْتَنْزِفُهما سَوِيّاً ، وَيُتيحُ لَه في الوقْتِ نَفْسه إمكانِيَّة التَّحْكيمِ بَيْنَهما ، فَيَحْفَظ سَيْطَرَتَه وَيَحْمي مَصالِحَه بِكُلْفَةٍ زَهيدة .

قَدْ يَكون هذا التَّحْليل صادِماً للبَعْض ، وَقَدْ يُخالِفَني الكَثيرون في اعْتِبار غالِبِيَّة يَهود إسرائيل ضَحايا ، وَقَدْ يَرى العَديد في ذلك تَجاوُزاً للمَنْطِق ، في الوَقْتِ الذي يَنْتَخِبون فيه أكْثَر الزَّعماء الصّهايِنَة تَطَرُّفاً وإجْراماً ، بَلْ حتّى قَدْ يَعْتَبِره البَعْض تَبْريراً لمُحْتَلِّي بِلادنا . غَيْرَ أنَّ ، ذلك ، بعيد كل البُعد عن الحَقيقَة ، إذ لا وُجود لِتَشْريعٍ واحِدٍ لا سَماوِيّ ولا وَضْعِي يُبيح لِلمَظلومٍ ، تَحْتَ أيِّ ظَرْفٍ ، أنْ يُصْبِحَ ظالِماً . أو يَسمَحُ لِضَحِيَّةٍ ، مَهْما كانت المُبَرِّرات ، أنْ تَغْدو جَلَاداً ، كما هُوَ حالُ الغالِبِيَّةِ السّاحقة لِيَهودِ إسرائيل راهِناً .

لكِنّ ما سَعَيْتُ إلَيْهِ في هذا المَقالِ المُتَطَلِّعِ إلى فَتْحِ بابِ الحِوار حول المشروع التَّحَرّري الفلسْطينيّ النّقيض للمَشْروعِ الصَّهيوني ، مُحاولة للحَثِّ على التَّفكير الفلسطيني خارِجَ المألوف ، عَلّه يُساعِد في فَتْحِ الآفاقٍ لِفَهْمِ أعْمَق لِطَبيعَةِ الصِّراعِ الدّائِر في بِلادِنا وَعَلَيْها للقَرن الثّاني على التَّوالي ، دونَ أنْ يَتَبَدّى في الأفقِ أيّة بَوادِرَ لِحَلِّه ، على الرَّغْمَ من إقْدام النِّظام السّياسي الفلسطيني بِطَرَفَيْهِ المُتَنَفِّذَيْن في الضّفّة الغَرْبِيّة وقِطاعِ غَزَّة وَحُلَفائِهما من الفصائل والتَّنْظيمات والأحْزاب ، على القُبولِ بِصِيَغٍ للحَلِّ تُقارِب الاسْتِسلام وتَصِل حَدَّ التَّفْريط بِالحُقوقِ الوَطَنِيَّة والتّاريخِيّة الثابِتَة للشَّعْبِ الفلسطيني في مُعْظَمِ أرضِ وَطَنِه .

وَلِأنَّنا نَشْهَدُ مُحاولات مُسْتميتة لإحكامِ انْغِلاقِ الدّائرة لهذا الصِّراع الوجودي ومَنْع كَسْرِها . خُصوصا ، مُنْذ دخول نَظَرِيّة صِراع الحَضارات التي بَشَّرَنا بها برنارد لويس وصامويل هنتنجتون حَيِّز التَّنْفيذِ العَملي في أعقابِ انْتِهاء الثُّنائِيّة القُطْبِيّة من النِّظام الدَّولي في تِسْعينِيّات القرن الماضي . ثُمَّ تفاقمها عِنْدَ بَدْءِ تطبيق سِياسة الفَوضى الخَلّاقة الأمريكِيّة في مطلَعِ القَرْنِ الحالي ، باسْتِدْعاء الصِّراعات المَناطِقِيّة والعِرْقِيّةٍ والإثْنِيَّة والدِّينيّة والطائِفِيَّة وَالمَذْهبيّة والقَبَلِيَّة والعَشائِرِيّة على امْتِدادِ السّاحَةِ العَرَبِيّة والإسلامِيّة ، لِتَشْريعِ الدَّوْلَةِ اليَهودِيّة الذي بات ذلك مُلِحّاً لاسْتِمْرارِالكِيان الصّهيوني ، بإحْكامِ التَّماهي بَيْنَ اليَهودِيّة والصَّهْيونِيّة للتَّصَدّي للصّحْوَةِ الإنسانِيّة المُتَنامِيَةِ التي تتبدّى مَعالِمها في التّضامن غير المَسْبُوق للقوى الشّعبيّة الدَّوْلِيّة المُناصرة لِلحقّ الفلسطيني على امْتِداد العالم . وفي المؤازرة اللافتة لدول العالم /171 دولة / التي باتت تَعْتَرِف بِحَقِّ الشّعبِ الفلسْطيني في اسْتِعادَةِ وجوده السِّيادي وتَقْرير مَصيرِه في أرْضِ وَطَنِه .

وتتبدّى ملامحها أيضاً في حَمْلات المقاطعة المتعاظمة للكيان الصهيوني من قِبَل عَددٍ كبيرٍ ومُتَزايِدٍ من المُؤَسّسات الأكاديمِيّة والثقافية والاقْتِصاديّة الأوروبية والأمريكيّة.

وتظهر دَلالاتها ، كَذلك، في الحراك الشّبابِيّ النشط لليهود غير الصهاينة في أمريكا وأوروبا ، الرَّافضين للسِّياسات والممارسات الإجْرامِيّة الصّهيونيّة ، والمطالبين بإنْهاء الاحْتِلال والاسْتيطان ، والدّاعين لإخضاع دولة إسرائيل لِنَفاذ القانون الدَّولي والإنساني . كما تَظْهَر في المراجعة الشجاعة التي بَدَأ يُجْريها المُؤَرِّخون الإسْرائيليون الجُدد أمثال إلين بابه وماتي بيليد وشقيقته وعدد من الزعماء اليهود وبعض الناجين من المَحْرَقة النّازِيّة . وتَظْهَرُ ، أيْضاً ، في المواقف الجريئة لعدد متنام من الصحفيّين والكتّاب أمثال جدعون ليفي وأميرة هاس وغيرهم ، غير آبهين بالتَّهديدات التي يُطلقها اليمين العُنْصُري الإسرائيلي . و في مواقف المُجَنّدين الإسرائيليّن الرافضين للصَّمت ، الذين يَتَعَرَّضون للاعْتِداءات والاتِّهامات بالخيانة .

كُلُّ ذلك لا بُدَّ أنْ يَنْتَبِه لَه الفلسطينِيّون عموما ، والحَراكُ الشّبابيّ الثّائِر خُصوصاً ، لِدَوْرِه المِحْوَرِيّ في كَيَ الوَعي الدَّولي عُموماً ، واليَهودي خُصوصاً وَلِتَبْصيرِه بِجَدْوى انْتِزاعِ الدِّين اليَهودي مِنَ بَراثِنِ الصَّهْيونِيّة ، لِفَتْحِ نافِذَةِ الفُرَص أمام الشَّعْبِ الفلسطيني وَيَهود إسرائيل لِكَسْرِ الدَّائِرة المُغْلَقَة للصِّراع الوُجودي .

ولاستشْراف السُّبُل المُمْكِنَة للمُواءمَة المُثلى بَيْنَ مصالِحِهم ، وَرُبَّما مُحاكاة تَجْربة جنوب إفريقيا ، والتَّأسيس لِمُسْتَقْبَلٍ مُغايِرٍ تَجِدُ فيه أجْيالهما القادمة َفُرْصَةً للعَيْشِ الآمن الحُرِّ الكريم وتقرير المصير في الوطن الواحِد المُشْتَرك .

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS