بعد مناشدة عباس أفندي لترامب بأن يعمل شي عشان الأسرى..أبو ايفانكا ما نام طول الليل يا حرااام..بيفكر كيف يساعده..معقول اللي بيصير في هذا الزمن القراقوشي!

الأغنية الشعبية فعل مقاوم: قراءة في كتاب فرقة العاشقين

الأغنية الشعبية فعل مقاوم: قراءة في كتاب فرقة العاشقين
  • شـارك:
ناهـض زقـوت (*)

"العاشقين، هي تجربة جذابة للمنصة والجمهور، حملت في ثناياها الهم الفلسطيني الجمعي،

وجرح الوطن النازف. رسمت في فضاء الكون أملا، وفي خيال الشعب ثورة وحرية.

وهي تجربة واقعية تستحق أن تؤرخ". (الشاعر أحمد دحبور)

تمهيد:

إن التراث الشعبي لأي أمة من الأمم هو دليل على وجود هذه الأمة وحيويتها، ويعد التراث الشعبي بكل ألوانه الفنية والتعبيرية أحد دعائم الثقافة الوطنية. وقد حتمت علينا نحن الفلسطينيين الظروف السياسية والاجتماعية أن نكون أكثر الشعوب اهتماما بتراثنا والحفاظ عليه وتدوينه ونشره، لأننا شعب اقتلع من أرضه وما زال الاحتلال الإسرائيلي ممعنا في تهويد الأرض والتراث، دائباً على العمل الجاد لطمس الشخصية الفلسطينية ومحو هويتها من الوجود. فكان لزامنا علينا التعرف على تراثنا وثقافتنا وحضارتنا والتشبث بكل لوحة وكل رسم وكل موال وأغنية ولحن يربطنا بالأرض التي اقتلعنا منها.

وقد شاركت الأغنية الشعبية والوطنية والسياسية على مر الأزمان في تجسيد صور المعاناة التي كانت تعصف بوطننا. وساهمت الأغنية الشعبية الفلسطينية بشكل عام في توثيق الأحداث التاريخية التي مرت على وطننا. فالأغاني والأهازيج هي انعكاس للوضع السياسي والاجتماعي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني منذ العهد التركي مرورا بالاحتلال البريطاني وصولا إلى الاحتلال الإسرائيلي. لهذا تطور مفهوم الأغنية الشعبية من أغنية شعبية مرتبطة بقضايا اجتماعية أو حالات رومانسية، إلى قضايا وطنية وسياسية، فالأغنية الوطنية أو السياسية هي الأغنية الشعبية الملتزمة بقضايا الناس شكلا ومضمونا، وتدعو للتغيير الاجتماعي والسياسي.

تعددت الكتابات والدراسات التي تناولت أهمية الفن والأغنية والحكاية ودورهم في حياة الفلسطيني وفعله المقاوم. يأتي كتاب "فرقة العاشقين لفلسطين نغني" للمؤلفين: عبد القادر خطاب، وفاطمة غرابة، والذي يقع في (350) صفحة من القطع الكبير (منشورات 2016)، إضافة متميزة عن الكتابات الأخرى من حيث أنه يستعرض تاريخ الغناء الفلسطيني الملتزم، وما تمثله واحدة من أبرز الفرق الغنائية الفلسطينية في مسيرة الغناء الفلسطيني المقاوم في القرن العشرين، هي فرقة العاشقين، وإرسائها لفضاء حيوي للأغنية الملتزمة المتسمة بسمات فلسطينية خالصة، تستعيد بدايات إرهاصات الكلمة المقاومة في أوج تفجرها كحالة واضحة في التاريخ الثوري الفلسطيني.

وقد اعتمد المؤلفان في منهجية إعداد الكتاب على التواصل المباشر مع مؤسسي الفرقة وأعضائها، ومنهم: محمد سعد ذياب، وبثينة منصور، ومحمد هباش، وأحمد الناجي، وأحمد دحبور، وخالد أبو خالد، ومع ملحن الفرقة حسين نازك، وذلك بجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات من خلال مهاتفتهم ومقابلتهم أو الاجتماع بهم، والاطلاع على أرشيف فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، إلى جانب مصادر ومراجع تتمثل في الكتب التراثية والمقالات، وما سجل وما شوهد وما سمع من غنائنا الملتزم.

تعد فرقة العاشقين أشهر الفرق الفنية الفلسطينية التي استطاعت بإبداعها الرائع والمتميز أن ترسخ بصمتها في المشهد الفني الثقافي الفلسطيني، وأن تؤكد حضورها ليس على المستوى المحلي فحسب بل على المستوى العربي والدولي أيضا. وقد خلقت جمهورها من كافة المستويات السياسية والشعبية والوطنية، واستطاعت أن تشكل وعيا حقيقيا لدى الأجيال الجديدة التي لم تعش تجربتها ولم تستمع إليها مباشرة، من خلال الاسطوانات والأشرطة والفيديوهات، ومن خلال وسائل الاتصال الحديثة الإعلامية والالكترونية. في عام 1977م اجتمعت نخبة من الفنانين برئيس الدائرة الثقافية في منظمة التحرير الفلسطينية المفكر والمناضل عبد الله الحوراني (أبو منيف) ليبلوروا خطة عمل لإنشاء فرقة فلسطينية فنية تمثل فلسطين، بالإضافة إلى فرقة دبكة شعبية. وبدأ البحث عن شبان وفتيات فلسطينيين مؤهلين ليكونوا نواة فرقة "العاشقين" كما أطلق عليها المناضل عبد الله الحوراني هذا الاسم. هذا ما سجلته في شهادتي عن الفرقة التي كانت مقدمة الكتاب.

الفن يقاوم .. والثورة تغني:

لقد ظل الغناء فعلا حيويا محرضا على المقاومة في الروح الفلسطينية، وانطلاقا من هذه الرؤية، يتناول الكتاب تاريخ الأغنية الشعبية المقاومة في افتتاحية الكتاب (والثورة تغني أيضا، والفن يقاوم) منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي، واهتمام الفلسطيني بالفن الشعبي عبر استعادة حكاياته وأساطيره وقصصه ومواويله، ويرى أن الأغنية أصبحت سلاحا لا يقل عن سلاح المعركة، لذلك شعر العدو الإسرائيلي بخطورة الكلمة المغناة وفعلها المقاوم في نفوس الجماهير، فاعتقل الشعراء، واغتال الكتاب. وليس بعيد عنا استشهاد عبد الرحيم محمود، واغتيال غسان كنفاني، وكمال ناصر، وماجد أبو شرار، وراشد حسين، وناجي العلي، وغيرهم، لأنهم صدحوا بكلمة المقاومة ونشروا ثقافة المقاومة. ومن قبلهم اغتال الاحتلال البريطاني نوح إبراهيم شاعر ثورة ال36، ومحرضها على الفعل المقاوم.

احتلت الأغنية الملتزمة المقاومة، مكانة بارزة في سياق الثورة الفلسطينية، والتي أسست لحالة استنهاض غير مسبوقة في تاريخ النضال الشعبي الإنساني، فأسندت أغانيهم روحهم ومدتهم بعزيمة حديدية، فقد كان الفدائيون يخرجون، كما يقول المؤلفان، "في صباحاتهم لمقاتلة العدو، فيغنون، يجلسون للسمر وهم يغنون، يعودون على أكتافهم يحملون الشهداء وهم يغنون، يتزوجون وهم يغنون، يسجنون فيحولون السجن إلى أغنية، ويحضرون المؤتمرات، ويغنون، يطلقون الرصاص وهم يغنون، يعشقون وهم يغنون". وهم بهذا الفعل الإنساني يسيرون على هدي سيرة الأجداد الذين كانوا يخرجون لزراعة أرضهم وهم يغنون، ويحصدون حقولهم وهم يغنون، ويمارسون أعمالهم اليومية والأغنية رفيقتهم.

أغنية الأرض والثورة:

يتوزع كتاب "فرقة العاشقين" على أربعة فصول، يأتي الفصل الأول متحدثا عن (بداية التباشير: أغنية الأرض والثورة). حيث ينطلق في استعراض تاريخ الأغنية الشعبية ودورها في حياة الفلسطيني، مؤكدا على أن "الغناء فعل ثقافي مقاوم، انبرى له كل من تعرضوا لظلم الطغاة والغزاة والمحتلين والمجرمين، وكان  للفلسطينيين نصيب من هذا الظلم، وما يزالون يعيشونه بعد احتلال أرضهم ومحو هويتهم وكينونتهم الوجودية". ويغوص الكتاب في سبر أغوار التاريخ المقاوم للأغنية الشعبية، واعتماد الإنسان الفلسطيني منذ آلاف السنين على فنون القول والغناء، يستمد عناصرهما من الطبيعة ومن الحكايات الشعبية، والمواقف الواقعية والتفاصيل اليومية، فسخر الأغنية في كل المناسبات والمواقف الاجتماعية والسياسية والوطنية، وتقدم مدونة الغناء الشعبي الفلسطيني مخزونا هائلا من الأغاني التي تتحدث عن كل ما يتعلق بالإنسان الفلسطيني.

الشاعر الشعبي .. بداية الأغنية المقاومة:

يقدم الكتاب نموذجا للشعراء الشعبيين الذين كان لهم دور في الفعل المقاوم بأغانيه، وهو الشاعر الشعبي الشهيد نوح إبراهيم الذي يعد أشهر الشعراء الشعبيين الذين رفدوا ثورة ال36 بأغانيه المحرضة على الثورة والنضال، فقد هزت أغانيه عرش الاحتلال البريطاني في فلسطين، واعتقل، واستشهد وهو يحمل السلاح إلى الثوار عام 1938م. ومن أشهر أغانيه التي قالها في ثورة ال36 "دبرها يا مستر دل" التي يسخر فيها من القائد البريطاني "دل" المكلف بإخماد الثورة. وقد انتشرت الأغنية كالنار في الهشيم، وتفاعلت معها الجماهير، وأصبحت على كل لسان، بالإضافة إلى غيرها من أغانيه التي ساندت الثورة.

لقد أنتج الفلسطيني الكثير من فنون القول والغناء، وخلق فضاءات حيوية لهذه الفنون بكافة ألوانها، وحققت حضورا فاعلا في وجدانه، وشكلت مساحة للتسرية والفعل الجمالي الخلاق. بهذه الفقرة ينطلق المؤلفان للحديث عن "الشاعر الشعبي – الحدا أو الزجال" ويشير الكتاب إلى أن المغني الشعبي في اللهجة الفلسطينية كان يعرف بـ "الحدا" وهي كلمة مأخوذة من "الحادي" الذي يتقدم الإبل وهو يغني في القوافل. وقد احتل "الحدا أو الزجال" مكانة مرموقة في المجتمع الفلسطيني، فهو مغني الاحتفالات الشعبية والمواسم الدينية والمناسبات الوطنية. ويتمتع "الحدا"، وفق رؤية المؤلفان، بالقدرة على ارتجال الشعر، وسرعة البديهة، وقول الشعر الشعبي بلهجة المنطقة التي نشأ فيها، وفق قواعد وأسس معروفة. ويرى الكتاب أن "حضور الحدائيين في المجتمع الفلسطيني، كان بمنزلة إذاعة متنقلة تنقل الأخبار والحكم والموروثات بقالب غنائي جذاب، لذا احتلوا مكانة رفيعة بين جماهيرهم، وهم السباقون في إنتاج أزجال محرضة على مقاومة العدو وعملائه".

يذكر الكتاب أسماء عدد من الشعراء الزجالين الذين احتلوا مكانتهم الشعبية والتراثية في المجتمع الفلسطيني، أمثال: محمد أبو السعود الاسدي وشقيقه قاسم أبو غازي، من قرية دير الأسد/ عكا. وتوفيق أبو الأمين بصول الريناوي وشقيقه محمد أبو عاطف، من قرية الرينة/ الناصرة، والحاج فرحان سلام أبو خليل، من قرية المجيدل/ الناصرة، الذي هاجر إثر النكبة إلى مخيم اليرموك بسوريا. ومصطفى البدوي أبو السعيد الملقب بالحطيني، نسبة إلى قرية حطين/ طبرية، الذي بعد النكبة هاجر إلى سورية، وإبراهيم محمد صالح أبو عرب، الذي هاجر أيضا إلى سوريا إثر النكبة. ويتحدث الكتاب بشيء من التفصيل عن الشاعرين الأخيرين، الحطيني وأبو عرب، لدورهما المميز في الثورة الفلسطينية، وترسيخ الأغنية الثورية المقاومة. 

ولم ينس الكتاب دور الحكاية الشعبية في ترسيخ القالب الفني المسمى "جفرا" في التراث الغنائي الشعبي الفلسطيني، وذلك بسرد قصة جفرا. وقد ظلت أغانيها تتردد على ألسنة المغنين الشعبيين وحتى شعراء الفصحى حتى اليوم، بعد أن تحولت مع الزمن من قصة حب وعشق، إلى قصة عشق الوطن، وتوظيفها وطنيا وسياسيا. وهذا القالب الفني يقابله في مشهد قطاع غزة التراثي "العتابا" وهو أيضا من خلال قصة تراثية، كتبها "فؤاد عيسى سعد" في كتاب بعنوان "العابد وعتابا".

الفرق الفنية وترسيخ الفعل المقاوم:

يقول المؤلفان: "تبلورت فلسطين المقاومة ثقافيا في الأغنية والقصيدة والقصة والحكاية واللوحة والمسرحية والفيلم والحرف والمعارف والسلوك والعلوم والفرق الفنية الشعبية، وتزامن هذا الفعل الثوري المقاوم مع انطلاقة الثورة الفلسطينية التي كان عمادها الكفاح المسلح، وكان إلى جانبها فعل ثقافي مقاوم تمثل في الأشكال الفنية سابقة الذكر.

لقد كان الفعل الثقافي المقاوم إلى جانب الرصاصة معا نحو تحرير فلسطين، حين انطلقت الثورة عام 1965م، كانت انطلاقة فرقة الفنون المركزية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1968م، بداية الفعل الغناني المقاوم. يستعرض الكتاب مجموعة من الفرق الفنية الملتزمة، ويشير إلى معنى الفن الملتزم هو الذي يعبر عن المجتمع والقضية الفلسطينية. حيث شكل الوعي، كما يقول المؤلفان، بالنكبة الفلسطينية أبرز ملامح الفهم الفلسطيني للفن الملتزم، الذي تطور بشكل كبير بعد نكسة 1967م، وأضحى ترسيم حدود الفعل الفني ليكون أكثر فاعلية ووضوحا وتأثيرا في المجموع الفلسطيني، ومعبرا حقيقيا عن صوتهم في العالم.

بناء على هذه الرؤية، انبثقت تشكيلات جديدة جملتها فرق فنية غنائية، تنشر الأغنية الملتزمة المقاومة. وتمكنت هذه الفرق الغنائية الفلسطينية الملتزمة من دفع الأغنية المقاومة والسياسية والوطنية على المستوى العربي إلى الأمام، وأتاحت لها التمدد في عروق الفعل التائق إلى الحرية. يذكر الكتاب أن عشرات الفرق الفنية الشعبية الفلسطينية غنت لفلسطين، والتزمت بالقضية المركزية، بل بعضها تجاوز الحدود وغنى لفيتنام وأمريكا اللاتينية، ولقضايا الشعوب المقهورة في العالم، ومن أبرز هذه الفرق: صابرين، كاميليا جبران، صمود، أوف المقدسية، الاعتصام، أم النور، حنين، بيسان، القدس الفنية، ايلياء، الجذور، ناجي العلي.

يتحدث الكتاب بشيء من التفصيل عن أهم الفرق التي كان لها دور أساسي في التمهيد لظهور فرقة العاشقين، على قاعدة أنه لا شيء يولد من الفراغ. فيبدأ بـ "فرقة الفنون المركزية" التي انطلقت عام 1968 واستمرت حتى عام 1974، كفرقة رسمية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي أنتجت خلال مسيرتها مئات الأغاني التي تعكس روح الثورة وتبث الحماسة في الشعب وثواره، ومن أغانيها: طل سلاحي، ويا شعبنا هز البارود، ويا شعبي كبرت ثورتي. ومن شعراء الفرقة: أحمد دحبور، وأبو الصادق الحسيني، ومحمد حسيب القاضي، وكان ملحنها حسين نازك الذي سيكون له دور أساسي في تأسيس فرقة العاشقين.

وتأتي "فرقة الفنون الشعبية" كفرقة مستقلة غير تابعة للمؤسسة الرسمية، حيث تأسست عام 1979م على يد مجموعة من الشباب، وجمعت الفرقة بين الأصالة والمعاصرة معبرة عن روح المجتمع الفلسطيني وتراثه وثقافته. ومن أغانيها: أوف مشعل، وزغاريد، وأفراح فلسطينية، وغيرها.

أما فرقة "الجذور" التي تأسست في مخيم اليرموك بدمشق على يد الفنان محمد هباش، هي الجذر المؤسس لفرقة العاشقين، فعائلة هباش هي عائلة فنية أنشأت استديو خاص بالفرقة في منزل العائلة، وتعاونت مع الشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد الذي كتب للفرقة 14 أغنية وقدمت لأول مرة في حفل تأبين الشهيد ناجي العلي في دمشق. وحملت أغانيها مضامين تراثية ووطنية تحاكي الهم الفلسطيني، ومن أغانيها: زغردي يم الجدايل، وشعب يشيل الحمل، والله يا دار، بالدما، شدو بالليالي، وغيرها. وقد توقفت الفرقة في نهاية السبعينيات، لتبدأ بداية جديدة مع فرقة العاشقين.

العاشقين .. بداية الفلسطيني في مقاومة الموت:

منذ الفصل الثاني يبدأ الكتاب في الحديث عن فرقة العاشقين، في هذا الفصل يتناول تأسيس الفرقة (دحنون فلسطين: فرقة العاشقين 1977- 2015)، وفي الفصل الثالث يتحدث عن (صوت العاشقين)، وفي الفصل الرابع يستعرض (ديوان العاشقين). سنتناول هذه الفصول الثلاثة بشكل متكامل حيث لا يمكن الفصل بينها، لأنها تمثل صلب الكتاب وموضوعه الرئيسي، وهو فرقة العاشقين.

يقول المؤلفان: كانت الأغنية ملمحا شديد الحضور في خطى الفلسطيني نحو فلسطين، حملت أشواقه للحرية كحالة تعبيرية، تتشكل وفق المرحلة التي كان يتحرك فيها نضاله على مختلف الجبهات. ومن هنا كان انعتاق الفينيق كتعبير يحمل ضرورته في جعل الذاكرة الفلسطينية حية، يحضر فيها الغناء كفاعل مؤثر على استمرار الوعي الفلسطيني، وما يعيشه تحت احتلال ينهب حتى الكلمات، تلك كانت بداية الفلسطيني في مقاومة الموت. من هنا جاء تشكيل فرقة العاشقين، من باب تأطير الأغنية الملتزمة بواقع منظم إداريا، يمنح هذا الجانب من النضال المعنوي فرصة الحضور بكثافة في الوعي الجمعي للفلسطينيين.

كانت البداية، بعد تراجع فرقة الفنون المركزية عام 1974، قدم الفنان الملحن "حسين نازك" في عام 1975 أغنية "اللوز الأخضر"، ولقيت ترحيبا كبيرا حينها من الجماهير، وقد تلقى تهنئة من المدير العام لدائرة الثقافة والإعلام في منظمة التحرير عبد الله الحوراني "أبو منيف". في هذه الفترة، كانت دائرة الثقافة في منظمة التحرير، تعد لإنتاج أول مسلسل تلفزيوني وألبوم غنائي بعنوان "بأم عيني" ومغناة "سرحان والماسورة"، كلف حسين نازك بإعداد الأغاني، وهنا بدأت تتبلور ملامح فرقة فنية. وفي تلك اللحظات المشرقة التي حملت تباشير تشكيل الفرقة الجديدة، بدأ الإعداد لإطلاقها، كلف عبد الله الحوراني نائبه أحمد الجمل، وأحمد دحبور، وحسين نازك بهذه المهمة. يقول الشاعر أحمد دحبور في شهادته: "كان اسم الفرقة في البداية "فرقة أغاني العاشقين" أي التركز على الأغاني، ثم تطورت بعد دخول الدبكة والعزف والرقص". وما لم يذكره الشاعر دحبور أن اسم الفرقة اقترحه عبد الله الحوراني ليصبح "فرقة العاشقين" كما عرفت من "أبو منيف" شخصيا. هذه الفرقة التي رعاها ودعمها "أبو منيف" منذ بداياتها وأولاها اهتماما كبيرا، كان محفزا لها ولحركتها في المهرجانات والاحتفالات الفلسطينية والعربية والعالمية. فقد أحيت الفرقة عشرات الحفلات في دول عربية وأجنبية، وكانت أبرز مشاركاتها في مهرجان "كون فيلانس" الدولي في فرنسا عام 1988م إلى جانب 32 فرقة فلكلورية عالمية، وقد فازت الفرقة بالمرتبة الأولى، مما شكل لدى الفرقة دافعا لتعزيز مكانتها وحضورها.

وعندما قرروا الانطلاق، بدأت رحلة البحث عن أعضاء للفرقة، يذكر الكتاب أسماء كل الذين شاركوا فرقة العاشقين بداية تأسيسها، أكثر من عشرين فنانا عربيا وفلسطينيا توزعوا ما بين التلحين والغناء والعزف والدبكة، وخلال مسيرتها انضم لها العديد من الفنانين حتى أصبح عددهم يزيد عن أربعين فنانا ومغنيا وعازفا وراقصا ومؤديا ومطربا وملحنا.

ويرصد الكتاب بشكل تسجيلي وتوثيقي كل ما يتعلق بفرقة العاشقين، حتى أدق التفاصيل عن الذين ساهموا في تأسيسها أو شاركوا في أدائها عبر سنواتها الطوال، ستة عشر عاما عمر الفرقة، وذلك من خلال رصد نبذة عن سيرة حياتهم ودورهم في الفرقة، وكذلك بتسجيل شهاداتهم التي أرسلوها للمؤلفين. وهذا يدل على الجهد الكبير والمثمر الذي قام به المؤلفان.

إن ما يميز فرقة العاشقين رغم انتمائها بالتأسيس إلى المؤسسة الفلسطينية الرسمية، كما يقول المؤلفان، أنها تجاوزت الانتماء الحزبي، فكانت تمثل فلسطين وتعبر عن الوجدان الشعبي المقاوم. فقد وضعت فرقة العاشقين بصمتها الفنية والإبداعية، ورسخت وجودها وحضورها في الذاكرة العربية والفلسطينية، حتى أضحت رمزا من رموز الثورة الفلسطينية؛ كالكوفية، والعلم، وصورة ياسر عرفات.

احتفت فرقة العاشقين في برامجها الغنائية وعروضها، بتقديم عرض فني متكامل في كل حفل تقيمه، هذا ما يؤكده الكتاب، يتناغم فيه الأداء الحركي مع الموسيقى والغناء الجماعي والفردي، والراوي الذي يربط بين الأغنية وما يليها من فقرات فنية، ووفق ما يكتب من نصوص لهذا الغرض، فإذا كان نص الأغنية فصيحا يقدمه الراوي بالعامية، وإذا كان بالعامية يقدمه فصيحا.

لقد عززت المكانة التي احتلتها فرقة العاشقين، إلى تعزيز تواصلها عبر الأجيال، فقام الفنان عضو الفرقة "ميزر مارديني" في عام 1983، على تأسيس فرقة العاشقين الصغار، بهدف، كما جاء في الكتاب، استمرار الفرقة جيلا بعد جيل، فأعد فريقا فنيا مدربا على أداء الحركات التعبيرية، وقدمت عروضا عديدة مع العاشقين الكبار في مهرجان بصري الشام. 

بعد توقيع اتفاق أوسلو في عام 1993، توقفت الفرقة وتشتت أفرادها، وهذا يعود إلى الواقع السياسي الجديد وعودة القيادة الفلسطينية ومؤسسات منظمة التحرير إلى داخل الوطن الفلسطيني، وبحكم أن أغلب أعضاء الفرقة من مخيمات سوريا ولبنان، لم يستطيعوا العودة آنذاك. ولكن بعد خمسة عشر عاما على توقفها، عادت الفرقة من جديد في عام 2008، بقيادة الفنان حسين منذر "أبو علي"، أحد أعضاء الفرقة ومغنيها الأشهر. وتعاون معه من أعضاء الفرقة محمد هباش وأخيه خالد هباش وآخرين، يذكر الكتاب أسماءهم جميعا. وقد أقامت الفرقة الجديدة، التي حملت نفس الاسم، أول حفل لها في لندن في 11/5/2009 على مسرح بلومزبري، وكانت تلك انطلاقتها الجديدة. وعادت الفرقة بقوة، وأحيت عشرات الحفلات الغنائية في داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها.

صوت العاشقين .. كتاب الفعل المقاوم:

يمدنا التاريخ بقائمة لا تنتهي من الأسماء الفلسطينية التي أثرت الثقافة الإنسانية، فالمدونة العالمية تزخر بأسماء فلسطينية قدموا للبشرية ما تحلم أمم وشعوب كثيرة بأن يكون لديها ما لدى هذا الشعب العريق حضارة وثقافة، فهذا الشعب زاخر بالكتاب والشعراء والفنانين والمبدعين. وهنا يؤكد الكتاب، قيمة الإبداع الفلسطيني وتحمل المثقف الفلسطيني المسؤولية تجاه شعبه وقضيته، فقد استطاع الشاعر الفلسطيني أن يرتفع إلى مستوى المسؤولية الثقافية المناطة به كمثقف وشاعر، وخاصة أولئك الذين عاشوا في الأرض المحتلة، والذين انتقلوا إلى المنفى، هؤلاء نطقوا الكلمة التي تحولت إلى أداة فعل ومقاومة. حيث شكلت الكلمة فعلا بارزا في معاينة الفلسطيني لفكرة الحرية، وكيفية إنتاجها لتكون سندا للرصاصة والحجر والمعرفة.

إن هؤلاء المبدعين من شعراء وفنانين لم يبخلوا على فرقة العاشقين بإنتاجهم الشعري وقصائدهم المغناة. ويرصد الكتاب أسماء كل الشعراء الذين اعتمدت الفرقة على أشعارهم، وهم: محمود درويش، وأحمد دحبور، وصلاح الدين الحسيني (أبو الصادق)، وسعيد المزين (أبو هشام)، وخالد محمد صالح أحمد (أبو خالد)، وسميح القاسم، وتوفيق زياد، وحسين حمزة، وحسام عبد الله حنوف، وأحمد دخيل. والى جانب هذه الأسماء المبدعة يقدم الكتاب للمرة الأولى ديوان أغاني العاشقين، وتسجيل أسماء الشعراء الذي كتبوا الأغاني والأشعار والألبومات الغنائية، بالإضافة إلى نوتات التلحين الموسيقي لهذه الأغاني. ويختم الكتاب بشهادات كتاب ومثقفين عاصروا الفرقة أو ساهموا في تأسيسها، مثل: أحمد دحبور، وموسى أبو غربية، وعبد الناصر صالح، ويحيى جبر، ومحمد حلمي الريشة، ويوسف الترتوري. وكذلك ألبوم صور للفرقة وبعض أعضائها.

لقد أبدع المؤلفان عبد القادر خطاب وفاطمة غرابة في انجاز هذا الكتاب الذي يعد الفريد في موضوعه والمتميز بالأسبقية في الكتابة عن فرقة فلسطينية اعتبرت من أهم الفرق الفنية على المستويين العربي والفلسطيني، واستطاعت أن ترسخ القيمة العليا للأغنية الشعبية بأنها فعل ثقافي مقاوم، لا يقل تأثيره عن الرصاصة والحجر. وهذا الكتاب يعد إضافة متميزة للمكتبة الفلسطينية خاصة وللمكتبة العربية عامة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* كاتب وباحث، مدير عام مركز عبد الله الحوراني للدراسات والتوثيق

 

 

 

 

 

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS