وتبقى ثورة يوليو في مصر نقطة فاصلة في تاريخ الأمة والعالم..صنعت رافعة تآمروا عليها لكسر ظهر الأمة لاحقا..ذكراها حاضرة رغم أنف كل من تآمر عليها..تنتصر بهدوء رغم الصعاب..تحيا مصر!

الصهيونية والرايخ (الامبراطورية) الثالث

  • شـارك:
ترجمة : د. فؤاد الهمشري

يذكر معظمكم الاثارة التي سببتها تصريحات نتن ياهو حول دور مزعوم للشيخ المناضل المغفور له الحاج أمين الحسيني في دفع هتلر لإبادة اليهود، وإدانة تحالفه مع النازية، محاولاً أن يغطي ويخفي الحقيقة الراسخة ان همَّ وألمَ  الحاج امين الحسيني الوحيد كان وقف الهجرة او تهجير اليهود الالمان الى فلسطين، وان هذا الطلب قوبل بالرفض من قبل هتلر، مما دَفع الحاج لرفض طلب الألمان أن يقوم العرب بضرب الخطوط الخلفية للحلفاء، وعلى اثر ذلك تم وضعَ الحاج امين الحسيني في الاقامة الجبرية الغير المُعلنة في برلين، والتي انتهت بعد هزيمة هتلر وسقوط برلين. ( للتفاصيل يمكن العودة للمقابلة صحفية نادرة في برلين مع مفتي فلسطين "الحسيني" عام 1945 ) المزيد على دنيا الوطن .. http://www.alwatanvoice.com/arabic/news/2015/11/06/808306.html#ixzz4Bpl5rW3c

الصهيونية والرايخ

السفينة تل ابيب، والتي يملكها ملاك السفن الكبير ارنولد برنشتاين Arnoldem Bernsteinem، قبطانها كان قائد غواصة المانية سابق.

 .المؤلف: مارك ويبر

في وقت مبكر من عام 1935  ابحرت سفينة خاصة من ميناء (بريمرهافن) في المانيا الى ميناء حيفا في فلسطين.  من الخلف وبأحرف عبرية كتب عليها الاسم تل ابيب، وعلى السارية كان يرفرف العلم ذو الصليب المعقوف.

وعلى الرغم ان صاحب السفينة كان صهيونيا، الا ان قائد السفينة كان عضواً في الحزب النازي الالماني.

يتذكر احد المسافرين هذه التركيبة ويقول ان الوضع كان خياليا وخارج قوانين الطبيعة.

 هذا خيال ام لا، الا انه  كان مشهدا وعلامة صغيرة من فصل تاريخي واسع من العمل المشترك ما بين الصهيونية والرايخ الثالث (الهتلري)

الاهداف المشتركة

يقول التاريخ ان " المسالة اليهودية"، هي الاهتمام بموقع اليهود في المجتمعات اللايهودية

في ثلاثينيات القرن العشرين اقتربت وجهات النظر بشكل كبير حول حل المعضلة والمسالة المعقدة ما بين اليهود الصهاينة والحزب القومي الاشتراكي الالماني.

اتفق الطرفان على ان اليهود والألمان ينتمي كل منهما إلى قومية مختلفة وفريدة من نوعها.

اليهود الذين يعيشون داخل الامبراطورية الالمانية، ممنوع وصفهم بصفتهم " المان يدينون بالديانة يهودية" وانما  اناس ذوي قومية وجنسية خاصة بهم.

الصهيونية (الحركة القومية اليهودية) حددت كاهم بند لها مبدأ الهجرة الاجبارية الى فلسطين " الوطن اليهودي".

وبالكاد كان يعتبر صهيونياً نقياً من كان يطالب بحق المساواة مع الالمان او الجنسيات الاخرى في العالم. 

مؤسس الصهيونية الحديثة ثيودور هر تسل (1860-1904 )، كان صاحب نظرية ان معاداة السامية ليست خلل او انحراف، وانما امر طبيعي ، وردة فعل مفهومة من غير اليهود على تصرفات اليهود الغريبة والمختلفة عنهم. 

وحسب اعتقاده فان الحل الوحيد، هو اعتراف اليهود بهذه الحقيقة وان يعيشوا في بلد خاص فيهم بشكل منفصل. وفي اكثر كتبه المؤثرة حول دولة اليهود (Der Judentstaa)  كتب:

"المسالة اليهودية تظهر في كل مكان، يعيش به عدد كبير من اليهود. اذا كانت هذه المسألة لا توجد في مكان ما، فكان يحضرها معهم القادمون الجدد... ولهذا انا افهم جيدا مشكلة معاداة السامية بشكل كلي. وانظر الى هذه التركيبة كيهودي، وبدون حقد او خوف".

المشكلة اليهودية  ليست دينية او اجتماعية حسب مفهومه.

" المسالة اليهودية هي مسالة قومية، من اجل حلها علينا اولاً ان نجعل منها  موضوعاً سياسياً عالمياً"

وبغض النظر عن الجنسية التي يحملها اليهودي، وجب على اليهود ان لا يشكلوا فقط مجتمع ديني وانما قومية صهيونية، وفق ما كتب هر تسل، وهذا سيدفع العالم  للرغبة في " حل المسالة اليهودية   ".

وبعد نصف عام من تولي هتلر للسلطة قدمت الفدرالية الصهيونية، (كأكبر مجموعه صهيونية في المانيا) للحكومة الجديدة مذكرة تفصيلية تقيّم بها العلاقات الالمانية - اليهودية وبشكل رسمي قدمت دعم الصهيونية للحكومة من اجل "الحل"  الملح " للمسالة اليهودية".

الصهاينة يعترفون بتعقيدات وتداخلات للوضع اليهودي، والذي هو ناتج بالأساس عن التركيبة الاستثنائية والمختلفة لنشاطاتهم الاقتصادية ومواقفهم الأخلاقية والثقافية الغير موجودة والغير متجذرة في تقاليدهم. وقد أدرك الصهاينة قبل عشرات السنين، أنه ونتيجة لتوجهات واتجاهات الاندماج والتكيف مع المجتمعات المحيطة ستظهر اشارات هذا الاختلاف والتمايز. 

وقد آمن الصهاينة ان بعث ونهوض الشعب، مع التركيز عل الديانة المسيحية والصفات والميزات القومية كما هو موجود لدى الالمان، سوف تحصل كذلك عند اليهود. وللأمة او الشعب اليهودي يجب ان يكون له اصله ودينه، ومصيره المشترك ووعيه الخاص بطبيعته الفريدة، وكلها تكون المؤثر المبدئي لتشكيل وجوده. وهذا يتطلب التغلب على النزعة  الانانية الفردية  في عصر الليبرالية، وتبديله بالوعي المجتمعي، والتقاسم المشترك للمسؤولية...

 ولهذا الغرض يوجد الان الجديد (الاشتراكية الوطنية) الالمانية القادرة، بواسطة موقفها المتعاطف من المسالة اليهودية، للقيام بخطوات مصيرية لحل هذه المشكلة، والتي ستدفع في الواقع  كل الدول الاوروبية لنفس الترتيبات... 

اعلاننا الأمة اليهودية، سيخدم كأساس للعلاقة الصريحة والواضحة مع الشعب الالماني من الزاوية القومية والعرقية الواقعية.   

 وكذلك نحن لا نريد ان نخل بهذه الاسس وبالتوافق معهم سنعمل على  الحد من الزواج المختلط مع الاعتبار لنقاوة المجموعات اليهودية وسنرفض الفوضى في المجال الثقافي، كما أننا- وقد تربينا في البيئة الالمانية  لغويا وثقافيا- بمقدورنا ان نظهر اهتمامنا بالأعمال الثقافية والقيمية الالمانية  كمعجبين ومتعاطفين...  

فيما يتعلق بالممارسة، كان الصهاينة يتأملون في العمل المشترك حتى مع الحكومات التي تحدد العلاقة مع اليهود، لان جوهر حل المسالة اليهودية ليس بالعواطف، وانما بحل المشاكل الحقيقية وسيكون هناك اهتمام لكل الشعوب لحلها، بالأخص حاليا  الالمان.

الدعاية التي تدعوا للمقاطعة- كما نراها في الوقت الحاضر ضد الالمان- تسير ضد جوهر الصهيونية، لان الصهيونية لا ترغب في القتال، ولكن ترغب في البناء والاقناع .

لا نغمض اعيننا  امام وجود المسالة اليهودية لا في الوقت الحاضر ولا في المستقبل. هذا الواقع الغير طبيعي لليهود، ليس له عواقب سيئة على اليهود فحسب وانما يشكل حالة صعبة لا تطاق ايضا للشعوب الاخرى. 

في اوراق فدرالية، (مجلة يهودية)   Jüdische Rundschauصدر بيان وبنفس الروح:" الصهيونية تعترف بوجود المسالة اليهودية وتجاهد لحلها وبشكل دائم وبناء. ومن أجل هذا الهدف يرغب الصهاينة بالتعاون مع كل الشعوب سواء كانت مع او ضد اليهود، لأننا نعتقد، ان لدينا ما نفعله وليس بشكل عاطفي، لكن هناك قضية، لحلها وهي مصلحة لكل الشعوب".

الحاخام الشاب البرليني يوخايم برنز Joachim Prinz، والذي انتقل الى الولايات المتحدة الامريكية والذي اصبح رئيس المؤتمر اليهودي الامريكي  (American Jewish Congress, AJC),، كتب  في كتابه نحن اليهود (Wir Juden) في سنة 1934، ان الثورة الاشتراكية الوطنية في المانيا تعني ان "اليهودية لليهود" وحسب تفسيره: "  نحن الآن  لن ينقذنا الحيلة والخداع. بدل الاندماج نريد شيئا اخر: الاعتراف بالأمة اليهودية والعرق اليهودي".

التعاون المشترك الفعال

على أرضية المفاهيم النظرية المشتركة حول العرق والقومية تعاون الصهاينة والنازيون من اجل – كما آمنت كل من المجموعتين –  المصلحة القومية الخاصة بكل منهما. ولهذا دعمت حكومة هتلر وبشكل فعال نشاط  الصهيونية وهجرة اليهود الى فلسطين منذ عام 1933،  والى عام 1940/41، ونتيجة لتدهور وتصاعد النشاطات والاعمال الحربية  اثناء الحرب العالمية تم ايقاف الدعم.

مع زيادة الاستقرار لنظام الاشتراكية الوطنية فان العديد من اليهود الالمان كانوا يعتبرون انفسهم – وغالبا بفخر واعتزاز- انهم ألمان. والقليل منهم اقتنع وتخيل بفصل نفسه عن جذوره الألماني، وبدء حياة جديدة في فلسطين البعيدة. في ذلك الوقت وبشكل تدريجي ومتزايد بدأ اليهود الالمان بالتحول باتجاه الصهيونية.

مع نهاية عام 1938 ازدهرت الحركة الصهيونية في عهد هتلر. والاعداد الصادرة للعدد النصف شهري لمجلة الصهيونية الفدراليةJüdische Rundschau   في المانية زاد بشكل كبير وصدرت اعداد كبيرة من الكتب الصهيونية. ولوحظ وجود الموسوعة اليهودية.

  في ذلك الوقت كان المشروع الصهيوني في المانيا في قمة نشاطه. "البرلمان اليهودي، الذي عقد في برلين عام 1936، تشكيلته اوضحت النشاط الكبير للصهاينة الألمان". وساد الحماس والتفاخر بين اعضاء ال س س وتعاونهم مع الصهاينة. ودعت وثيقة داخلية لل س س في حزيران 1934 الى التعاون الفعال والنشط على المستوى الحكومي والحزبي لدعم الصهيونية واستخدام كل الامكانات والوسائل للوصول الى هجرة اليهود الالمان الى فلسطين. ونصت الوثيقة على استخدام كل الوسائل المتاحة من اجل رفع معنويات اليهود، كبناء للمدارس اليهودية، والفرق الرياضية، والمنظمات الثقافية.

الصهيونية والرايخ

                                                    الزوجان توخلروفي و فون ميلدن شتاين على السفينة الى فلسطين

.ضابط ال س س ليوبالد ميلدن شتاين Leopold von Mildenstein  وممثل الفدرالية الصهيونية  كورت توخلر Kurt Tuchler  معا توجها الى فلسطين برحلة تفحصية استطلاعية لمدة نصف عام، لتقييم اوضاع المشاريع الصهيونية هناك.

وبناء على الخبرات التي توصل إليها شخصياً كتب ميلد شتاين سلسلة من 12 مقالا توضيحيا لجريد برلين المشهورة  دير انجرف Der Angriff، والتي صدرت في سنة 1934 تحت عنوان ( الاشتراكيون الوطنيون والطريق الى فلسطين) Ein Nazi fährt nach Palästina . ويظهر فيها اعجابه الصادق  بالروح الرائدة والنجاحات للمستوطنات اليهودية في فلسطين. وان التطور اليهودي الذاتي خلق نوع اليهودي جديد .

وتفاخرت الصهيونية وباركت للشعب اليهودي هذه الانجازات واعتبرته انجازا للعالم. وفي اخر مقال في سلسلة مقالته كتب، ان الوطن اليهودي في فلسطين "هو الطريق الوحيد للعلاج من الجروح الجسدية الموجودة منذ مئات السنين لحل المسالة اليهودية". دير انجريف Der Angriff  اصدر مدالية تذكارية خاصة بمناسبة الرحلة المشتركة للصهاينة ورجال الـ س س  على شكل صليب معقوف من الجهة الاولى ونجمة داوود من الجهة الاخرى.

الصهيونية والرايخ

صورة من سلسلة التغطية الاعلامية  ل فون ميلن شتاين   Ein Nazi fährt nach Palestina والتي كانت على عدة حلقات في جريدة دير انجريف الالمانية.

بعد عدة شهور من صدور السلسلة الصحفية رقيَّ فون ميلدن شتاين ليصبح رئيس دائرة  قضايا يهودية في جهاز الامن التابع للـ ( س س)  بهدف تنشيط الدعم لهجرة الصهاينة وتطويره.

الصحيفة الرسمية للـ ( س س)  Das Schwarze Korps وضعت افتتاحيتها في دعم الصهيونية وعلى صفحتها الاولى، وذلك في ايار من عام 1935.

وبعد اربع شهور خرج مقال مشابه في صحيفة اخرى تابعه للـ ( س س)  ورد فيه:

" الاعتراف باليهودية كمجتمع عرقي غير مؤسس على الايمان والدين، وانما على الدم، مما سيدفع الحكومة الالمانية وبدون شروط ان تعطي  الهوية العرقية لهذا المجتمع. ان موقف الحكومة ينسجم بشكل تام مع القاعدة العريضة لروح الحركة، التي تسمى الصهيونية، وتعترف بالتضامن اليهودي في جميع انحاء العالم، وترفض الاندماج والانسجام. ولهذا المانيا ستأخذ اجراءاتها، والتي ستلعب دور مهم  في حل المسالة اليهودية في جميع انحاء العالم".

الصهيونية والرايخ

الميدالية التذكارية لرحلة  Leopolda von Mildensteina الى فلسطين

في تشرين اول من عام 1932بدات شركات الملاحة الالمانية بنقل البضائع وبخط ملاحي مباشر من ميناء همبورغ الى ميناء حيفا  في فلسطين، وتحت الاشراف المباشر لحاخام هامبورغ لوضع الطعام وفق الديانة اليهودية، كوشر.

وبدعم من المؤسسات الالمانية بدأ الصهاينة بإعادة (تأهيل) اليهود الالمان. وهذا ما بينه المؤرخ الامريكي Francis Nicosia في تقريره في عام 1985 (الرايخ الثالث والقضية الفلسطينية) The Third Reich and the Palestine Question

" قدمت القيادة الألمانية للصهاينة وبالتزام قدسي، امكانية عرض برامجهم للجاليات اليهودية، جمع الاموال، عرض الافلام عن نشاطهم في فلسطين، وبشكل مطلق توعية اليهود الالمان. وكان هناك اشارات واضحة للضغط على اليهود الالمان واجبارهم وتعليمهم على ان لا يعتبروا انفسهم المانا وان يتكيفوا وينسجموا مع قوميتهم اليهودية الجديدة."

الصهيونية والرايخ

رئيس الفدرالية الصهيونية الالمانية د.هانز فريدنتال 

Dr. Hans Friedenthal

بعد الحرب مباشرة وفي لقاء صحفي لخص رئيس الفدرالية الصهيونية الالمانية د.هانز فريدنتال الوضع كالاتي:

البوليس السري النازي Gestapo بذل جهودا مضنية من اجل تسهيل الهجرة، وبالأخص الى فلسطين، وكثيرا ما ساعدونا عندما تطلّب الامر لحل مشكلة ما مع المؤسسات الالمانية الاخرى اثناء التحضير للهجرة.

في البرلمان الالماني  NSDAP في ايلول من عام 1935 تمت المصادقة على ما يسمى " قوانين نورينبرغ" والتي تمنع الزواج من اليهود واقامة العلاقات الجنسية معهم، وبشكل نهائي اعتبروا ان اليهود اقلية قومية اجنبية.

في المجلة الصهيونية Jüdische Rundschau ، وبعد عدة ايام على هذه المصادقة، رحبت على صفحاتها بالاجراءات الجديدة وكتبت:

"المانيا... اعلانها ان اليهود الذين يعيشون على اراضيها بانهم اقلية قومية هو استجابة لطلبات الكونغرس اليهودي العالمي وان القوانين الجديدة فتحت للأقلية اليهودية في المانيا الطريق لحياتهم الثقافية والقومية الخاصة والمستقلة. وفي المستقبل ستكون الجالية قادرة على فتح مدارسها الخاصة، ومسارحها، ونواديها الرياضية. وباختصار أعطت هذه القوانين للجالية الفرصة لتشكل مستقبلها في جميع نواحي الحياة القومية.

الالمان اعطوا الاقلية اليهودية فرصة العيش الذاتي ووعدوا بالحماية الحكومية لهذه الهوية الجديدة: وهذا يشجع اعادة ولادة اليهودية كأمة وسيساعد عل الربط الثنائي بشكل اكثر قوة وتأثيرا في العلاقات المتبادلة بين القوميتين. 

الصهيونية والرايخ

Georg Kareski

مع نهاية عام 1935 وفي حديث صحفي قال جورج كاركسي "اصلاحي"  قائد المنظمة الحكومية الصهيونية "البرنامج السياسي لهذه المنظمة الحكومية الصهيونية، مشروح في كتاب ارنشت همبورجرا Ernsta Hamburgera  " وكما  قالت الرابطة الثقافية اليهودية، ورئيس المجتمع اليهودي في برلين:

منذ فترة طويلة كنا نعتبر ان الثقافتين منفصلتين تماما عن بعضهما البعض، للقوميتين اليهودية والالمانية، ومن الضروري ان نتوقع تعايش سلمي بينهما... ولهذه الاسباب ندعم هذا الانفصال- وسيكون على اساس الاحترام للقومية الاجنبية. وفق قوانين نورينبرغ... وحسب نظرتي انا (جورج كاركسي)، وفي نظرة سريعة وبعيدة عن الاحكام الملموسة، يمكن رؤية وبشكل تام وتوافقي رغبة الطرفين بفصل الحياة بيننا، الحياة المبنية على الاحترام المتبادل... هذا الانقلاب في هذه العملية حلّ الكثير من الاشكالات الاجتماعية اليهودية، والتي نتجت عن الزواج المختلط، ومن وجهة النظر اليهودية المستقبلية كان مرحب بها على اعلى المستويات. 

القيادة الصهيونية في بقية انحاء العالم وافقت على هذا الموقف. رئيس المؤتمر ( الكونغرس) الامريكي ورئيس المؤتمر اليهودي العالمي ستيفان س. وايز Stephen S. Wise وفي الجمعية العمومية في نيويورك في  حزيران من عام 1938 قال:

انا لست مواطن امريكي يهودي الديانة، انا يهودي... في هذا الموضوع هتلر لم يخطئ. هتلر يعتبر اليهود كعرق، ونحن عرق.

الخبير في الشؤون اليهودية وزير الداخلية Dr. Bernhard Lösener عبر عن دعمه للصهيونية في مقاله، الذي ظهر في الجريدة (Reichsverwaltungsblatt)  في تشرين الثاني من عام 1935 وقال فيها: لو كان لليهود دولة، ولو استقرت الغالبية منهم، لاعتبرنا  اليوم ان المشكلة اليهودية حلت بشكل مرضي لليهود ولنا. كان الصهاينة الأقل رفضاً لقوانين نورينبرغ، لان الصهاينة ادركوا وبسرعة، ان هذه القوانين تمثل الحل الصحيح لامتهم. وأن كل قومية يجب ان تملك دولة لها كممثل خارجي لجوهر هويتها القومية.

وبالتعاون مع المؤسسات الحكومية الالمانية شكلت مجموعات صهيونية (he-Chaluc) في كل انحاء المانيا شبكة من 40 معسكر ومركز زراعي، للمستوطنين المستقبليين ليتعلمو ويجهزوا انفسهم للحياة الجديدة في فلسطين.

خريطة لمعسكرات اليهود

خريطة لشبكة حوالي 40 معسكر ومركز زراعي لشباب المنظمات الصهيونية he-Chaluc في المانيا

وعلى الرغم من ذلك حرم الالمان وفق قوانين نورينبرغ اليهود من استخدام العلم الالماني، وحصل اليهود على ترخيص خاص لاستخدام علم باللون الازرق والابيض والذي اصبح  فيما بعد العلم القومي اليهودي. ونفس العلم الذي كان يرفرف على المعسكرات والمراكز الصهيونية في المانيا الهتلرية اصبح علم اسرائيل فيما بعد.

جهاز الامن الذي قاده هملر كان يتعاون مع الهاجاناة، وهي المنظمة العسكرية الصهيونية السرية في فلسطين. مكتب الـ س س كان يدفع لاحد ممثلي الهاجاناة راتباً شهرياً وهو المدعو Feivelu Polkesovi وذلك مقابل إعطائهم معلومات حول الوضع في فلسطين وعن تجمعات اليهود هناك. الهاجاناة كانت لديها معلومات دقيقة حول خطط الالمان بفضل الجواسيس المزروعين في  مقر قيادة الـ س س في برلين.

 التعاون بين الهجانة والـ  (س س) بلغ ذروته بتوفير كميات  كبيرة من السلاح بشكل سري للمستوطنين اليهود لاستخدامها في صراعهم مع الفلسطينيين.

بعد التخريب والتدمير والتكسير الذي حصل في تشرين الثاني من عام 1938 ضد اليهود واملاكهم فيما يسمى بـ (ليلة الكرستال) ساعد الـ (س س) الصهيونية للوقوف من جديد وبسرعة، وللاستمرار في عملها في المانيا، ولكن تحت رقابة مكثفة.

تحفظات الجهات الرسمية

الدعم الالماني للصهيونية لم يكن مطلقاً وغير محدود. اعضاء وممثلو الحكومة والحزب كانوا حساسين جدا للدعاية والجهود اليهودية المؤثرة في بريطانيا وامريكا ودول اخرى ضد الالمان، وذلك بتحريض ابناء تلك الدول للتجنيد ومحاربة الالمان.

ووفق الالمان لو اظهرت الغالبية العظمى من اليهود العداء المستحكم ضد المانيا النازية، ولو ان الغالبية العظمى من اليهود في كل انحاء العالم لم تظهر رغبتها بالهجرة الى "ارض الميعاد"، الدولة اليهودية المستقلة في فلسطين، فان المسالة اليهودية العالمية لم " تحل". 

آمن الألمان أنه لو لم يحصل ذلك لأنعكس الأمر سلباً وعزز من الحملة ضد الألمان.

الالمان قننوا الدعم للصهيونية وحددوه بإنشاء وطن لليهود تحت الاشراف البريطاني، وليس اقامة دولة مستقلة.

في حزيران من عام 1937 قال وزير الخارجية  الالماني، ان انشاء دولة يهودية في فلسطين ليس في صالح المانيا، لأنها لن تقدر ان تضم كل يهود العالم، ولكنه سيؤسس لقاعدة يهودية قوية وعالمية ، كشيء شبيه مما حدث في روسيا التي اصبحت المركز العالمي للشيوعية.

 في عام 1937 وكردة فعل على مؤشرات تغير ملحوظ في السياسة الألمانية الرسمية، بدأت الصحف الالمانية تظهر تعاطفها مع نضال الفلسطينيين العرب ضد المطالب الصهيونية. وشهدت تلك الفترة تصاعد حاد في التوتر بين اليهود والعرب في فلسطين.

تعميم وزارة الخارجية بتاريخ 22.6.1937 حذر أنه وبالرغم من دعم استيطان اليهود في فلسطين "سيكون من الخطأ الافتراض، ان المانيا ستدعم انشاء دولة في فلسطين تحت الاشراف اليهودي. التحريض ضد الالمان من اليهودية العالمية وفي العلن لن يدفع الالمان إلى الاستنتاج ان انشاء دولة فلسطينية يهودية سيساعد على تطور السلام في العالم.

•         حذر الـ (س س) في مذكراته فرع القضية اليهودية من أن "اعلان دولة يهودية او ادارة اليهود لفلسطين" سيخلق هذا لألمانيا لنفسها عدواً جديداً، والذي سيفرض تأثيره القوي على منطقة الشرق الاوسط. وفرع اخر للـ (س س) توقع ان الدولة اليهودية "ستسعى لأخذ دور الحامي للأقليات اليهودية في كل العالم، وستشكل الحماية القانونية للاستغلال اليهودي المالي في العالم. في كانون ثاني من عام 1939 وزير الخارجية الجديد الهتلري  Joachim von Ribbentrop تكلم بنفس اللهجة التحذيرية في وثيقة داخلية: "المانيا تنظر الى انشاء دولة يهودية مستقلة كخطر "لانه سيدفع الى نشوء قوة يهودية عالمية".

في بداية سنة 1938 اشرف هتلر وبشكل مباشر على كل الموضوع، وعل الرغم من ان شكوكه منذ فترة طويلة  حول اهداف الصهيونية وتخوفه، من ان خطواته ستدفع نحو انشاء الدولة اليهودية، ورغم ذلك قرر دعم الهجرة اليهودية الى فلسطين وبشكل انشط واكثر فعالية. لان التخلص من اليهود الالمان غلب وتفوق على المخاطر الاخرى، هكذا كان استخلاصه النهائي.

اثناء ذلك عملت بريطانيا في السنوات 1937,1938,1939 على تقييد وتصعيب الهجرة اليهودية الى فلسطين. وكردة فعل على هذا فان المخابرات السرية الالمانية (س س) وقعت اتفاق مع المخابرات السرية الصهيونية  Mosad le-alija Bet اتفاق شراكة سري بهدف تهريب اليهود بطرق لا شرعية لفلسطين.

وبفضل هذه الشراكة تمكنوا من ايصال العديد من القوافل البحرية الى فلسطين، رغم انف السفن الحربية البريطانية. الهجرة الشرعية او الغير شرعية  من المانيا (والنمسا) الى فلسطين من عام 1938-1939 ارتفعت بشكل كبير.  حوالي 10000 كان من المفترض ان يبحروا في تشرين الاول من عام 1939، ولكن بدء الحرب العالمية الثانية في ايلول منع ذلك. ومع ذلك استمرت المؤسسات الألمانية في تقديم الدعم للهجرة الغير مباشرة الى فلسطين في أعوام 1940 و1941. وحتى آذار 1942 كان في ألمانيا النازية يعمل على الأقل معسكر تدريب كيبوتسي واحد للمهاجرين المحتملين.

اتفاقية حول النقل "هاعافاراه"

النقطة المركزية في التعاون الألماني – الصهيوني في زمن هتلر كانت اتفاقية النقل، والتي مكّنت عشرات الآلاف من اليهود الألمان من الهجرة الى فلسطين مع أملاكهم. الاتفاقية، والمعروفة أيضاً باسم هاعافراه (الكلمة العبرية لكلمة نقل)، تم التوقيع عليها في شهر آب 1933 بعد مباحثات الممثلين الألمان مع حاييم ارلوسوروف ((Chaim Arlosoroff ، والذي كان يشغل في حينه منصب أمين سر الوكالة اليهودية لإسرائيل، وهي فرع المنظمة الصهيونية العالمية في فلسطين.

في إطار هذه الاتفاقية الغير تقليدية كان كل يهودي مهاجر على فلسطين يضع مبلغ من المال في حساب خاص في ألمانيا. وهذه الأموال استخدمت لشراء آلات زراعية ألمانية، مواد بناء، مضخات سماد وبضاعة أخرى والتي كان يتم شحنها لاحقاً الى فلسطين، وهناك يتم بيعها للشركة اليهودية هاعافاراه (Ha’avara-Abkommen) في تل أبيب. وكان المهاجر يحصل على الربح من عملية البيع بعد وصوله إلى فلسطين والحصة محسوبة وفق قيمة المبلغ المودع في ألمانيا. وهكذا وعبر هاعافاراه تدفقت البضاعة الألمانية الى فلسطين، وبعد فترة من الوقت تم استكمال ذلك باتفاقية حول التبادل والتي بموجبها كان يتم استبدال البرتقال الفلسطيني بالخشب الألماني، العربات، الآلات الزراعية وغيرها من الأدوات. وهكذا ساعدت الاتفاقيات الصهاينة على احضار المستوطنين اليهود ورأسمال استثماري، وكذلك استطاع الألمان عبرها تخليص بلدهم من المجموعات الغريبة. 

وكانت نقاط هذه الاتفاقية مثار جدل حاد لدى مندوبي المؤتمر الصهيوني، والذي عقد في تشيكوسلوفاكيا (المؤتمر الصهيوني الثامن عشر في براغ من 21 آب – 4 أيلول 1933 ، ملاحظة )، حيث خشي البعض منهم الانعكاس السلبي للاتفاقية على المقاطعة العالمية اليهودية الاقتصادية لألمانيا، وقام القادة الصهاينة بتهدئة المؤتمر. وأكد الرجل الأساسي وراء نشوء هاعافاراه سام كوهين أن الاتفاقية ليست في مصلحة ألمانيا اقتصاديا. وأضاف مختص المنظمة الصهيونية بأمور الهجرة ارثر روبين، والذي ساعد في محادثات الاتفاقية أن "الاتفاقية حول النقل لا تخرق المقاطعة لأنه وبفضل الاتفاقية لا تأتي أي عملة أجنبية جديدة الى ألمانيا". وفي المؤتمر الصهيوني المنعقد في سويسرا (المؤتمر الصهيوني التاسع عشر في لوزان 20 آب – 6 أيلول 1935) دعم  المؤتمرون الاتفاقية بأغلبية ساحقة. وفي عام 1936 فرضت الوكالة اليهودية (حكومة الظل الصهيونية في فلسطين) السيطرة الكاملة على هاعافاراه واستمرت بذلك حتى اندلاع الحرب حيث اضطرت للتخلي عنها.

وعبر أيضاً بعض الألمان عن رفضهم للاتفاقية. فمثلاً قام القنصل العام في القدس هانز دوهله في عام 1937 بتوجيه نقد حاد للاتفاقية. حيث أشار إلى خسارة العملات الأجنبية التي كان من الممكن كسبها مقابل الآلات المصدرة الى فلسطين. وكان احتكار هاعافاراه لبيع واستيراد البضائع الألمانية الى فلسطين شوكة في عين رجال الأعمال الألمان والعرب.  والدعم الألماني الرسمي للصهيونية كان من الممكن أن تضر بموقع ألمانية في الأسواق العربية. وكذلك شاركت الحكومة البريطانية في عدم الرضى عن الاتفاقية. وتحدث منشور داخلي لوزارة الخارجية الألمانية صادر في حزيران 1937 عن تضحيات في العملات الأجنبية ناتجة عن هاعافاراه.

وقيّمت مذكرة وزارة الداخلية الألمانية بشهر كانون الأول 1937 نتائج الاتفاقية حول النقل كما يلي:

"لا شك أن اتفاقية هاعافاراه كانت عاملاً رئيساً في التطور السريع لفلسطين بعد عام 1933. حيث أمنت ليس فقط أكبر انتقال للمال (من ألمانيا)، وأذكى مجموعة من المهاجرين، ولكن أيضاً الآلات والمنتجات الصناعية الضرورية للتطور".

والايجابية الأكبر للاتفاقية وفق مذكرة الداخلية هي هجرة أكبر عدد من اليهود إلى فلسطين، مقصد الهجرة المفضل للألمان. ولكن أشارت الوثيقة أيضاً الى بعض السلبيات المثارة من قبل القنصل دوهيل وغيره. وتابع وزير  الداخلية ووصل الى استخلاص أن سلبيات الاتفاقية حالياً تفوق الايجابيات ولذلك يجب انهاءها.

وكان بإمكان شخص واحد فقط انهاء هذا الخلاف نهائياً. أشرف هتلر على السياسة الفلسطينية شخصياً في أيلول 1937، ومرة أخرى في كانون الثاني 1938، وفي كل الحالات قرر إبقاء اتفاقية هاعافاراه سارية المفعول. ووفق ما آمن به فإن التخلص من اليهود الألمان يبرر ويطغى على أي نواقص وسلبيات.

وقامت وزارة الاقتصاد بإنشاء شركة اضافية لتأمين النقل، وهي الوكالة الدولية للتجارة والاستثمار (انتريا)، والتي عبرها كان بإمكان اليهود من خارج ألمانيا مساعدة اليهود الألمان للهجرة إلى فلسطين. وعبر شركة انتريا تم التحويل بالتدريج لليهود الألمان في فلسطين أكثر من 900 ألف دولار. ومن وحي الاتفاقية قام الصهاينة بتوقيع اتفاقيات شبيهة في بلدان أخرى كانت ترغب بتشجيع اليهود على الهجرة.  في عام 1937 أسست بولندا شركة هالفين (بالعبري تبادل). وحتى نهاية العام وقع اتفاقيات مشابهة كل من تشيكوسلوفاكيا، رومانيا، المجر وإيطاليا. ولكن تطبيقها بشكل كامل تم إيقافه بسبب اندلاع الحرب في أيلول 1939.

ما الذي حققته هاعافاراه

في الأعوام 1933 – 1941 هاجر بفضل هاعافاراه وغيرها من المشاريع الألمانية الصهيونية الى فلسطين حوالي 60 ألف يهودي ألماني، أي ما يقارب عشر السكان اليهود في ألمانيا في العام 1933. (في العام 1939 شكل اليهود الألمان حوالي 15% من السكان اليهود في فلسطين). وقام بعضهم جلب معه الى الوطن الجديد من ألمانيا ممتلكات شخصية كبيرة. وكما لاحظ المؤرخ اليهودي ايديون بلاك "كثير منهم، وخاصة المهاجرين في نهاية الثلاثينيات، كان بإمكانه أن يحضر من ألمانيا نسخة مطابقة لمنزله أو مصنعه، خاصة في الملامح العامة لها". وكان حجم رأس المال الإجمالي المحول من ألمانيا إلى فلسطين عبر هاعافاراه من آب 1933 إلى نهاية عام 1939 يبلغ مليون جنيه ما يعادل 139.57 مليون مارك ألماني (أي ما يعادل ما يزيد عن 40 مليون دولار). تشمل هذه الأرقام أيضاً 33.9 مليون مارك ألماني (13.8 مليون دولار) والتي وفق الاتفاقية منحها بنك الرايخ المركزي.

وقدّر بلاك أنه عبر الاتفاقيات الاقتصادية الألمانية اللاحقة وعمليات تحويل الأموال وصل إلى فلسطين 70 مليون دولار إضافي. وبالنسبة لبلد ذي مستوى تطور اقتصادي كفلسطين في الثلاثينيات كان للمال الألماني وقع أساسي ورئيس. ونشأ رأس المال الألماني عدد مهم من الشركات المهمة بما في ذلك محطة مياه ميكاروث ومصنع النسيج لودزيا. وتدفق البضاعة ورأس المال عبر هاعافاراه، يتابع بلاك، أدى إلى "طفرة اقتصادية في فلسطين اليهودية"، وأصبح عامل لا غنى عنه في نشوء دولة إسرائيل. اتفقاية هاعافاراه ساهمت بشكل كبير جداً في التطور اليهودي في فلسطين، وهكذا وبشكل غير مباشر أدت إلى نشوء دولة إسرائيل. منشور وزارة الخارجية الألمانية في كانون الثاني 1939 أخبر وبتنبؤ غير سار أن "نقل الأملاك اليهودية من ألمانيا عن طريق هاعافاراه ساهم بشكل غير قليل في بناء دولة اليهود في فلسطين.

وقد أكدّ مسؤولو هاعافاراه السابقون في فلسطين هذه المعلومات عبر الدراسة التفصيلية حول الاتفاقية والتي نشروها في عام 1972:

"النشاط الاقتصادي، والذي كان ممكناً عبر تدفق رأس المال الألماني وعمليات النقل عبر هاعافاراه الى القطاع الخاص والعام اليهوديين في فلسطين كان له معنى ودور كبير جداً في تطور البلد. في فلسطين اليهودية نشأت فروع جديدة كلياً للنشاط الاقتصادي والشركات، وكثير من الشركات ذات الأهمية الكبرى للاقتصاد الإسرائيلي حتى اليوم تدين في نجاحها ووجودها لهاعافاراه.

وتكلم أحد مدراء شركة هاعافاراه في تل أبيب في الثلاثينيات د. لودفيغ بينر تحدث لاحقاً أن بعض مهاجري هاعافاراه الموهوبين بشكل مميز وبشكل حاسم أسهموا في التطور المعرفي الاقتصادي، الاجتماعي والثقافي للمجتمع اليهودي في فلسطين.

ويمكن وبدون أدنى شك اعتبار اتفاقية النقل أكبر مثال شامل على التعاون الألماني الهتلري مع الصهيونية العالمية. وعبرها قدم الرايخ الثالث للقضية اليهودية في فلسطين في الثلاثينيات أكثر من أي حكومة أخرى في العالم.

الصهاينة يعرضوا على هتلر تحاف عسكري

في مطلع كانون الثاني  1941 قدمت مجموعة صهيونية صغيرة لكن مؤثرة للدبلوماسيين الألمان في بيروت مقترح رسمي للتعاون العسكري السياسي مع ألمانيا التي تخوض حرباً. وكانت هذه المجموعة من المجموعة السرية المتطرفة "مقاتلون من أجل حرية إسرائيل" والمعروفة باسم ليحي  (الاسم الحركي العبري لمنظمة مقاتلون من أجل حرية إسرائيل) أو عصابة شتيرن. وقد كان قائدها أفرام شتيرن قد انشق حديثاً عن القوميين المتطرفين من المنظمة القومية العسكرية" إيرغون تسافاي ليئومي والمعروفة اختصاراً باسم ارغون) بسبب موقف المجموعة من بريطانيا، والتي عملياً منعت أي مزيد من الاستيطان اليهودي في فلسطين. وقد اعتبر شتيرن بريطانيا العدو الرئيس للصهيونية.

هذا المقترح الصهيوني المبهر لحل المسألة اليهودية في اوروبا وللضم الفعال لليخي للحرب لصالح ألمانيا يستحق أن نوليه اهتمام أوسع وأن نقتبس:

 قياديو ألمانيا القومية الاشتراكية كثيراً ما أكدوا في خطاباتهم وتصريحاتهم ان النظام الأوروبي الجديد يتطلب وكشرط لنشوئه يتطلب حل جذري للمسألة اليهودية عبر الإجلاء. (أوروبا خالية من اليهود).

إخلاء اليهود من أوروبا هو شرط ضروري لا غنى عنه لحل المسألة اليهودية. ولكن يمكن الوصول إليه فقط عبر توطين هذه المجموعات في الوطن الفلسطيني، وطن الشعب اليهودي وضرورة تجديد الدولة اليهودية في حدوده التاريخية.

وهدف النشاط السياسي ونضال منظمة ارغون على مدار سنوات هو حل المسألة اليهودية عبر هذا الطريقة وبالتالي التحرير الكامل والنهائي للشعب اليهودي.

وإرغون والتي تعرف جيداً النوايا الحسنة للحكومة الألمانية ومسؤوليها تجاه النشاط الصهيوني في ألمانيا وبرنامج الهجرة الصهيوني، تتبنى الموقف التالي:

1 – يمكن أن يكون هناك بين المفهوم الألماني لترتيب البيت الأوروبي والتطلعات الحقيقية للشعب اليهودي المجسدة في ارغون يمكن أن يكون هناك مصالح مشتركة.

2 – يمكن أن يكون هناك تعاون بين ألمانيا الجديدة والبعث اليهودي القومي.

3 – إن إقامة الدولة اليهودية التاريخية على أساس قومي وشمولي وربطها باتفاقية ملزمة مع الامبراطورية الألمانية سيصب في مصلحة الحفاظ وتقوية موقع ألمانيا المستقبلي في الشرق الأوسط.

وعلى أساس هذه الأفكار وبشرط أن تعترف الحكومة الألمانية بالأهداف الإسرائيلية في التحرر والاستقلال والمذكورة أعلاه ، فإن الحركة من أجل حرية إسرائيل في فلسطين تعرض استعدادها للمشاركة الفعالة في الحرب لجانب ألمانيا.

وهذا العرض يشمل فيما يشمل النشاط العسكري والسياسي والاستخباري في فلسطين، وفي حال الموافقة عليه وبعض الاجراءات التنظيمية يمكن أن يكون خارج فلسطين أيضاً. وبجانب هذا يمكن أن يتم التدريب العسكري لليهود الاوروبيين وتنظيمهم في وحدات تحت قيادة ارغون. وهذه يمكن أن تشارك بعد ذلك في العمليات العسكرية من أجل السيطرة على فلسطين متى تم فتح هذه الجبهة.

المساهمة الغير مباشرة للأرغون في الترتيب الجديد لأوروبا، والتي يتم العمل عليها، بالإضافة إلى الحل الجذري الإيجابي للمسألة اليهودية الأوروبية على أساس التطلعات القومية للشعب اليهودي المذكورة أعلاه يمكن أن تعمل على التقوية  المعنوية وتبرير النظام الجديد في أعين البشرية جمعاء.

وسيكون تعاون الحركة من أجل تحرر إسرائيل في تناغم مع الخطاب الأخير لمستشار الرايخ، حيث شدد هتلر على أنه من أجل عزل وهزيمة انجلترا من الضرورة بمكان استخدام كافة الموارد والتحالفات المتاحة.

لكن لا يوجد سجلات حول الرد الالماني. احتمالات القبول كانت ضئيلة- لان مسار السياسة الالمانية بدأ يتجه اتجاه المواقف العربية. احب هنا ان اشير، ان عصابة شتيرن عملت جاهدة للتحالف مع الرايخ  في الوقت المناسب وفي فترة انتشار بين الناس لفكرة ان هتلر قرر ابادة اليهود. شتيرن اما انها لم تصدق ذلك، او انه من اجل انشاء الدولة اليهودية كانت مستعدة للتعاون مع اكبر عدو لقومها.

اسحاق شامير كان من القادة البارزين  في ليخي، والذي اصبح وزيرا للخارجية في ثمانينات القرن الماضي، وفي عام 1993 رئيسا للوزراء. وبعد موت شتيرن في عام 1942 اصبح قائد العمليات لـ ليخي وشارك في اعمال ارهابية غير محدودة، بما فيها قتل المفوض البريطاني للشرق الاوسط البارون موين الاول lorda Moyna في تشرين الثاني من عام 1944 وكذلك قتل الكونت برنا دوت السويدي مفاوض عصبة الامم  في ايلول من عام 1948. عندما سئل شامير عن مقترح التحالف مع النازية من عام 1941، رد قائلا: انه لا يعرف عن أي افكار للتحالف العسكري مع المانيا.

الخاتمة

بالرغم من العداء الكبير ما بين نظام هتلر واليهودية العالمية إلا انه وفي فترة محدودة كان بينهما امتزاج او تناغم للمصالح. ان تعاون الصهيونية مع النازية كان مفيداً وملائماً للطرفين وان الرايخ الثالث ضحت بتجارتها الخارجية وبعلاقتها مع بريطانيا والعرب من اجل حل المعضلة اليهودية.  في ثلاثينات القرن الماضي لم تعمل أية دولة على الاطلاق على  الدعم الحقيقي للصهيونية واهدافها كما فعلت المانيا الهتلرية.

 

ترجمة : د. فؤاد الهمشري

http://deliandiver.org/2016/05/sionismus-a-treti-rise.html

 

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS