حلو صحوة البعض أن "الأقصى" في خطر ..حتى اتحاد القرضاوي كمان اليوم تذكر وقال يا عالم الأقصى في خطر..الفيلم محروق ولكن مش غلط..صوت معك أحسن من بلاش!

سيرة وطن سيرة حياة الحلقة العاشرة

سيرة وطن سيرة حياة  الحلقة العاشرة
  • شـارك:
غازي الخليلي

(3)

مقدمات الانتفاضة الوطنية الكبرى

سورية، كانت الدولة العربية الوحيدة المفتوحة لأي مواطن عربي للقدوم إليها بلا تأشيرة، ويقيم فيها أنى يشاء ووقتما يشاء، باستثناء الفلسطينيين حملة وثائق السفر المؤقتة التي كانت تصدرها لهم البلدان العربية التي يقيمون فيها، مثل فلسطينيي لبنان والعراق وغزة، حيث كان لا يسمح لهؤلاء بالقدوم إلى سورية أو العبور عبر أراضيها إلا بعد مراجعات أمنية مضنية، أما الفلسطينيون حملة جوازات السفر الأردنية فكانوا يعاملون مثل أي مواطن عربي باعتبارهم مواطنين أردنيين. وهذه إحدى مآسي الفلسطينيين في تشتتهم ومنفاهم القسري. فكل من لا يحمل جواز سفر حقيقيا، يمكنه أن يتنقل بوثيقة السفر التي يحملها في الكثير من البلدان، باستثناء البلدان العربية!

أقمنا في مخيم اليرموك ما يزيد على خمس سنوات، كانت حياتنا في المخيم صعبة وقاسية، إلى حد كبير، بعكس ما كانت عليه الحياة في سورية عندما عشت فيها في أوائل الستينيات كطالب في جامعة دمشق، حيث كانت الحياة فيها سهلة وبسيطة وغير مكلفة. لا شك أن المدينة دمشق بأحيائها المعروفة وأسواقها التجارية، كانت معاناة القاطنين فيهما اقل بكثير مما كان يعانيه المخيم من تقطع وانقطاع في الكهرباء وشح المياه.

مخيم اليرموك من أكبر المخيمات الفلسطينية في سورية، يقع على أطراف دمشق المدينة، يقطنه ما يزيد على 200 ألف نسمة نصفهم مواطنون سوريون من الطبقات الفقيرة والمهمشة. الفلسطينيون في سورية يتمتعون بكافة الحقوق كأي مواطن سوري، باستثناء الحقوق السياسية. ويتم استدعاء أبناءهم للخدمة العسكرية الإجبارية كما السوريين، باعتبارهم جنود احتياط في جيش التحرير الفلسطيني، الذي تقيم وحدات منه في سورية باسم قوات عين جالوت.

مخيم اليرموك كان أشبه ببلدة كبيرة، تضج بالحياة والحركة، وكنا نسكن في طرف المخيم قريبا من الشارع الرئيسي المسمى شارع الثلاثين نسبة لعرضه الكبير. البناء داخل المخيم كان غير منظم بشكل عام، ومعظمه بناء بدون ترخيص، يختلط فيه البناء الفلسطيني المقيد بقيود معينة، والبناء للمواطنين السوريين. الشوارع الداخلية للمخيم غير معبدة. توجد شبكة مجاري، كما توجد شبكتي مياه وكهرباء ولكن غير مسيطر عليهما بالكامل من السلطات المعنية، مما يخلق أزمة ومشكلات بين السكان. وبالرغم من أن دمشق معروفة بمياهها الوفيرة، إلا أنها في المخيم كانت شحيحة إلى حد ما، وضخها ضعيف بالكاد يصل إلى الطوابق الأرضية. ولذلك كان كل ساكن يركب موتور مياه خاص لسحب المياه ورفعها. وكان يتواجد في البناية الواحدة موتورات بعدد قاطنيها. وكنا في البناية التي نقيم فيها وتسكن فيها عدة أسر، نتشاجر مع بعض حول من يضع موتوره أسفل الثاني ليكون أقدر على شفط المياه، وكذلك على من يشغل موتوره قبل الآخر لسحب المياه قبل غيره وقبل أن تنقطع. وكنت ونوال أحيانا، نضطر لتعبئة المياه من عند جارتنا أم سهير وننقلها بعبوات صغيرة إلى السطح لتعبئة الخزانات. كان موضوع التزود بالمياه قضية يومية ومشاكلها كثيرة. كان يسكن الشقة المقابلة لشقتنا أسرة سورية، أم مطلقة وأولادها الشباب. كانوا شبابا غير مهذبين وشرسين، كنت أتجنب الشجار معهم.

أما الكهرباء فكانت أزمتها لا تقل حدة عن المياه، تنقطع ساعات كثيرة في اليوم وبدون تحديد، وعندما تأتي تكون ضعيفة جدا، مما اضطرني إلى تركيب محولين في الشقة متصلين معا، الأول يستقبل الكهرباء ويحولها إلى قوة 110 فولت ويحولها إلى المحول الثاني الذي يرفعها إلى 220 فولت. وكان الكثيرون يستخدمون موتورات خاصة لتوليد الكهرباء لاستخدامهم الخاص. وكان شارع الثلاثين التي تنتشر على جانبيه الكثير من المحلات التجارية، يضج بأصوات موتورات الكهرباء ليلا ونهارا. لقد راجت تجارة بيع موتورات الكهرباء التي كان يسيطر عليها أشخاص معينون في السلطة.

كانت وسيلة التدفئة شبه الوحيدة المتاحة في سورية هي صوبات المازوت "السولار". وكانت كل صوبة في البيت موصولة ببوري إلى السطح. المشكلة كانت إذا هبت نسمة هواء قوية، وضغطت الهواء في البوري والصوبا تندفع ذرات "الشحبار أو السخام" الأسود خارج الصوبا وتملأ الأرض. في البداية لم نكن نعرف كيف نعالج هذه المشكلة، حيث كنا ننظف الأرض بالمياه، مما يزيد الطين بلة، حيث تلتصق ذرات الشحبار بالأرض. وأخيرا هدتنا جارتنا، إلى الطريقة الصحيحة. وهي رش القليل من الملح على الأرض لتلتصق بها الذرات ثم تُكنس بعدها بسهولة.

بالإضافة إلى مشكلتي المياه والكهرباء، كان ثمة مشكلة أخرى، وهي نقص الكثير من المواد الغذائية وغيرها. كان الحصول على اسطوانة غاز للطبخ صعبا ومحفوفا بالكثير من المشاكل. كذلك كان من الصعوبة العثور على علبة حليب للأطفال. الكثير من البضائع والمواد التي يحتاجها المواطن العادي في حياته اليومية، كان يتم تهريبها من لبنان وإدخالها إلى سورية، عبر مهربين معروفين مرتبطين بأشخاص معينين في السلطة.

سورية، كانت بمثابة مركز أساسي لمعظم فصائل المقاومة الفلسطينية، يمارسون، ضمن الحدود التي يسمح بها النظام، نشاطاتهم السياسية والتعبوية والتنظيمية وسط الفلسطينيين المقيمين في سورية، باستثناء النشاطات العسكرية أو القيام بعمليات عسكرية من الأراضي السورية أو عبرها. وكانت دمشق بمثابة المركز القيادي الأساسي الثاني للجبهة الديمقراطية بعد بيروت (وتحولت إلى مركز قيادي أول بعد حرب عام 1982 على لبنان والمقاومة). كان يقيم فيها باستمرار ثلاثة من أعضاء المكتب السياسي، هم الرفاق قيس السامرائي "أبو ليلي" وصالح رأفت وعصام عبد اللطيف "أبو العبد". وكانوا يغادرون أسبوعيا إلى بيروت للمشاركة في اجتماعات المكتب السياسي، التي كانت تعقد عادة في بيروت. كان في دمشق مقر مركزي للجبهة في بناية قديمة في حي الأزبكية، ومكاتب لأربع لجان أو هيئات قيادية، هي قيادة إقليم سوريا، ولجنة المناطق المحتلة، واللجنة القيادية للعمل المسلح داخل الأرض المحتلة ولجنة الأردن. باقي اللجان والهيئات القيادية الأخرى كان مركزها في بيروت.

كان التنقل بين دمشق وبيروت لأعضاء فصائل المقاومة لا يتم عبر معابر الحدود العادية بين سورية ولبنان، وإنما عبر ممر خاص تشرف عليه "الضابطة الفدائية"، وهي جهاز أمني سوري يشرف على كل ما يتعلق بشؤون فصائل المقاومة من حركة وغيرها. التنقل يتم عادة عبر تصاريح مسبقة تصدرها الضابطة الفدائية، أو عبر تنسيق مسبق معها، يقوم به الرفيق المسؤول في الجبهة عن التنسيق مع الضابطة الفدائية.

لجنة المناطق المحتلة من اللجان القيادية الأساسية في الجبهة، تتابع وتوجه وتشرف على مختلف نشاطات منظمة الجبهة، السياسية والتنظيمية والتعبوية، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، باستثناء النشاط العسكري والمسلح، الذي تشرف عليه وتتابعه لجنة قيادية مستقلة كانت بمسؤولية الرفيق خالد نزال. النشاط العسكري للجبهة داخل الأراضي المحتلة، معزول كليا، تنظيما ونشاطا، عن التشكيلات التنظيمية المدنية للجبهة. تتشكل لجنة المناطق المحتلة من عدد من الرفاق في دمشق ورفاق قياديون آخرون يقيمون في عمان، يشكلون حلقة اتصال ومحطة قيادية وسيطة بين اللجنة في دمشق وقيادة المنظمة داخل الأراضي المحتلة

كانت لجنة المناطق المحتلة في دمشق عند قدومي بمسؤولية الرفيقين عضوي المكتب السياسي صالح رأفت وعصام عبد اللطيف "أبو العبد" ومشاركة رفاقا آخرين، وتم نقلي إليها في أعقاب استنكاف الرفيق عصام عبد اللطيف عن مواصلة العمل في لجنة المناطق المحتلة بعد قرار المكتب السياسي بتجميد عضويته في المكتب السياسي، لسبب ما.

كان يتم الاتصال مع الرفاق في المناطق المحتلة بوسائل اتصال سرية عديدة، منها اتصالات غير مباشرة عبر رسائل مع رسل، من اللجنة إلى الرفاق في الداخل وبالعكس. وكان يتم تخبئة هذه الرسائل بوسائل مبتكرة، منها تجويف كعب أو بطن حذاء وحشو الرسالة داخله، ينتعل الرفيق المعني الحذاء ويعود به. ومنها أيضا حشو الرسالة في عدة عبوات بلاستيكية صغيرة غير قابلة للتفتت "برشامات" كتلك التي تستعمل في صناعة الأدوية، يقوم الرفيق المعني بابتلاعها كأي دواء، وإخراجها مع البراز عندما يصل إلى الجهة المعنية باستلامها. ولذلك كان يتم كتابة الرسائل على ورق شفاف وبخط صغير، ويتم طي كل صفحة ولفها وتعبئتها بالعبوة البلاستيكية. وعندما يتم استخراجها تكون أحيانا مبللة ورائحة الخراء تنبعث منها. أحيانا كنا نستخدم عدسة مكبرة لقراءة الرسالة.

بالإضافة إلى هذه الوسائل غير المباشرة، كان يتم بين فترة وأخرى الاتصال واللقاء المباشر مع رفاق يتم استدعاؤهم للقاء بهم والتعرف عليهم، إما إلى دمشق أو عمان، إن أمكن ذلك، أو ترتيب اللقاء بهم في إحدى البلدان الاشتراكية. وأحيانا كان يتم ترتيب لقاء لعدد من الرفاق في إحدى البلدان الاشتراكية وعقد دورات تثقيفية لهم. كل ذلك كان يتم مع أخذ الجوانب الأمنية بعين الاعتبار.

فرضت إسرائيل الحكم العسكري على الضفة الغربية وقطاع غزة بعد احتلالهما، وبعد أيام قليلة فصلت مدينة القدس عن الضفة الغربية وضمتها إليها، بعد أن وسعتها بضم عدة مناطق واسعة حولها من الضفة الغربية بمن فيها من السكان، وتعاملت مع الضفة الغربية وقطاع غزة كوحدتين جغرافيتين منفصلتين، وأقامت حاكما عسكريا على كل منهما، وأبقت العمل بالقوانين السارية في كل منهما قبل الاحتلال، مع صلاحية مطلقة للحاكم العسكري في كل منهما بتعديل هذه القوانين أو الإضافة عليها بموجب قوانين عسكرية، بما يخدم ويلبي توجهات السلطات المحتلة في الهيمنة والسيطرة على الأرض والسكان. كما تم إعادة العمل مجددا بقانون الطوارئ للعام 1945 الموروث من الانتداب البريطاني، وفرضه على الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو قانون يمنح الحاكم العسكري سلطات مطلقة في التحكم بحياة الناس وحقوقهم أيا كانت.

بالإضافة إلى ذلك، أصدرت سلطات الاحتلال ما يسمى قانون الغائبين للسيطرة والاستيلاء على أملاك وأراضي من اعتبرتهم غائبين، وهم الأشخاص الذين لم يكونوا موجودين أثناء الإحصاء الذي تم للسكان المقيمين بعد أسابيع قليلة من الاحتلال. وشمل القانون أيضا، كل من كان مقيما أثناء إجراء الإحصاء، وغادر لسبب أو آخر ولم يسُمح له بالعودة، كما شمل كل مواطن فلسطيني قامت سلطات الاحتلال بإبعاده خارج الأراضي المحتلة ولم يُسمح له بالعودة. وتم اعتبار كل الأراضي والممتلكات في الضفة الغربية وقطاع غزة، أملاكا لسلطات الاحتلال، باستثناء ما يتم اعتباره كأملاك خاصة مثبتة بأوراق رسمية. وحيث أن معظم الأراضي في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت أراضي مشاع، ولم تكن مفروزة أو مسجلة رسميا بأسماء مالكيها، تمكنت سلطات الاحتلال من السيطرة على معظم الأراضي ومصادرتها لإقامة المستوطنات وتخصيص أراضي واسعة للتدريبات العسكرية.

اعتمدت السلطات الإسرائيلية المحتلة سياسة الجسور المفتوحة بين الضفة الغربية والأردن، بموجب تفاهم بين النظام الأردني والحكومة الإسرائيلية. وميزت سلطات الاحتلال بين المقيمين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس بلون هوياتهم، فمنحت المقيمين في الضفة الغربية هويات خاصة برتقالية، وفي قطاع غزة هويات حمراء، يُسمح لحاملها بالعبور إلى الأردن بموجب تصريح خاص صادر عن سلطة الحاكم العسكري، ولفترة محددة لا تزيد عن ثلاث سنوات، ومن يتجاوز هذه المدة ولا يعود يفقد حقه في العودة إلى بلده ووطنه. وبموجب هذه السياسة الاحتلالية فقد الكثيرون حقهم في العودة. أما الفلسطينيون المقيمون في القدس، فقد تم منحهم هويات زرقاء، كمقيمين في القدس ضمن شروط وضوابط قاسية جدا، ومن يتجاوز هذه الشروط يفقد حقه في الإقامة في القدس.

كما اعتمدت إسرائيل سياسة ممنهجة لتفتيت وتدمير البنية الاقتصادية للضفة الغربية وقطاع غزة، فحدت من مجالات الاستثمار الرأسمالي، وفتحت بعد أشهر قليلة من احتلالها سوق العمل الإسرائيلي للعمال الفلسطينيين، كعمالة رخيصة، فاستقطب السوق أعدادا واسعة من العمال غير المهرة أو شبه المهرة، كعمال بناء وعمال خدمات أو عمال موسميين في الزراعة. وعلى مر السنوات تزايد عدد العمال العاملين في سوق العمل الإسرائيلي، وبات العمل في السوق الإسرائيلي أحد أبرز مصادر الدخل للكثير من الأسر الفلسطينية، بعد أن تحول الكثير من المزارعين والعمال الحرفيين إلى عمال في سوق العمل الإسرائيلي. وقد أدت هذه السياسة إلى أحداث تشوهات بنيوية في بنية الاقتصاد الفلسطيني، لا يزال يعاني منها حتى الآن.

في ظل هذه الظروف والأوضاع الصعبة والقاسية واجه الفلسطينيون في الأراضي المحتلة الاحتلال الإسرائيلي منذ البداية بما لديهم من إمكانيات ضعيفة. دعموا المقاومة المسلحة، وشاركوا فيها حيث أمكنهم ذلك. وبادروا إلى القيام بتحركات جماهيرية ضد الاحتلال ودعما للمقاومة المسلحة. ولكن، لاعتبارات تتعلق بنشأة حركة المقاومة الفلسطينية المعاصرة في الخارج، وتركيز جهدها في سنواتها الأولى على النشاط العسكري، لم تولِ فصائل المقاومة على مختلف اتجاهاتها اهتماما للحالة الجماهيرية في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو المبادرة مبكرا لإطلاق عملية تأطير وتنظيم واسعة للجماهير في أطر ومنظمات جماهيرية ونقابية وثقافية وغيرها. ولذلك اتسم العمل النضالي والجماهيري في الضفة الغربية وقطاع غزة في أعقاب الاحتلال الإسرائيلي بطابع تضامني عام مع مسيرة الثورة، وكامتداد جماهيري لها. ولكن بعد تجاوز صدمة الاحتلال أخذ نضال الجماهير في الداخل يتنامى شيئا فشيئا، ليس فقط كحالة تضامنية ضد ما تتعرض له المقاومة في الخارج، وإنما أيضا، كنضال جماهيري مهدَّف ونشط ضد سياسات سلطات الاحتلال لإحكام قبضتها على المجتمع الفلسطيني وحياة الناس اليومية. ومنذ أواسط السبعينيات، أخذ نضال الجماهير يتنامى ويتطور ويتخذ اشكالا نضالية منوعة وبإبداع أشكال وأطر تنظيمية وجماهيرية في حشد وتعبئة أوسع الجماهير، شكلت مقدمات وبنية تنظيمية قوية للانتفاضة الوطنية الكبرى عام 1987، وذلك بفعل عوامل عدة، منها:

        إطلاق البرنامج السياسي المرحلي عام 1974 الذي زود الحركة الجماهيرية برؤية سياسية اشتقت بالاستناد إليها برامج نضال عملية في مواجهة الاحتلال تطورت لاحقا إبان الانتفاضة الجماهيرية الكبرى عام 1987 إلى برنامج الحرية والاستقلال الوطني.

        انتفاضة يوم الأرض في 30/3/1976 التي انطلقت في مناطق الــ 48 ضد السياسة الإسرائيلية لتهويد الجليل والاستيلاء على المزيد من أراضي الفلسطينيين. لقد شكلت هذه الانتفاضة، التي اتسعت وشملت كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة، وما تلاها من انتفاضات محدودة بين حين وآخر، أول مران عملي للانتفاضة الجماهيرية الكبرى عام 1987.

        النجاح الباهر الذي حققته القوائم الوطنية والمؤيدة لمنظمة التحرير الفلسطينية في انتخابات المجالس البلدية عام 1976. لقد شكل هذا النجاح دفعة قوية للحركة الجماهيرية، حيث تشكل في أعقابها قيادة وطنية توجه وتقود النضال الجماهيري، مُمَثلة بلجنة التوجيه الوطني التي ضمت الوطنيين من رؤساء البلديات المنتخبين وعددا آخر من شخصيات وطنية وأكاديمية وغيرها، معروفه بمواقفها الوطنية ومناهضتها للاحتلال وسياساته.

        بروز حركة طلابية نشطة من طلاب الجامعات، بعد تأسيس عددا من الجامعات بداية من عام 1974، حيث شهت فترة السبعينيات تأسيس عددا من الجامعات في الضفة الغربية وقطاع غزة. مثل جامعة بير زيت، وجامعة بيت لحم، وجامعة النجاح وغيرها. وسيكون للحركة الطلابية دور مبادر ومحفز، سواء في دورها النضالي المتقدم، أو في إنهاض الحركة الجماهيرية بشكل عام.

        العمل النشط على إعادة إحياء الحركة النقابية العمالية، وذلك بتأسيس المزيد من النقابات العمالية، وضمها جميعها في إطار اتحاد نقابات عمالي موحد.

        نمو وتطور الحركة الجماهيرية في مواجهة الاستيطان وعنف القبضة الأمنية الإسرائيلية التي تصاعدت حدتها، إثر نجاح الليكود في الانتخابات الإسرائيلية عام 1977 وتشكيل حكومة يمينية متطرفة برئاسة مناحيم بيغن، انتهجت سياسة استيطانية موسعة ومتسارعة في بناء المزيد من المستوطنات، وعلى مقربة من التجمعات السكانية الفلسطينية، عبر منظمة "غوش ايمونيم" اليمينية المتطرفة.

        تنشيط الحركة الثقافية وتأسيس البدايات الأولى لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورابطة للصحفيين. وقد لعبت مجلة "الفجر الأدبي" التي كانت تصدر كملحق مستقل عن جريدة "الفجر" المقدسية ويشرف عليها الكاتب والشاعر علي الخليلي، والذي كان يشغل أيضا مدير عام جريدة "الفجر" المقدسية، دورا هاما في رعاية الأدباء والكتاب الناشئين، وفي تنشيط الحركة الثقافية والاهتمام بها، وتعزيز الصلة بين كتاب وأدباء ومثقفي عام 1948 ونظرائهم في الضفة الغربية وقطاع غزة.

لقد كانت الجبهة الديمقراطية من أوائل المبادرين من فصائل المقاومة الفلسطينية إلى التقاط هذه الحالة الجماهيرية المتنامية، والعمل على تطويرها ودعمها بجهد قيادي فاعل، وبناء الأطر والتشكيلات التنظيمية الجماهيرية الداعمة والمساعدة لها منذ بداية العام 1978، حيث بادرت إلى إنشاء أول إطار ديمقراطي نسائي، بتشكيل لجان العمل النسائي، الذي تحول إلى "اتحاد لجان العمل النسائي" لاحقا، ضم نشيطات وكوادر نسائية من أصدقاء الجبهة الديمقراطية ومناصريها، كما ضم فعاليات جماهيرية نسائية منوعة. وكذلك تشكيل أطرا ديمقراطية قطاعية لمختلف مكونات المجتمع المدني، مثل كتلة الوحدة الطلابية للطلاب الجامعيين، التي كانت بمثابة النواة لإطار شبابي موسع، وكتلة الوحدة العمالية للعمال، وكتلة المعلمين الديمقراطيين، وإطار ديمقراطي للمهنيين والأكاديميين والمثقفين.

كانت أهمية وضرورة وفعالية هذه الأطر، ليس فقط، باعتبارها ـتضم وتشرك في النضال عناصر فاعلة وواسعة من مكونات وقطاعات جماهيرية مجتمعية منوعة، وإنما أيضا، في قدرتها على الحركة والنشاط، بحرية نسبية وشبه علنية، غير متاحة لأعضاء التنظيم السياسي بصفتهم التنظيمية. فكانت هذه الأطر بمثابة الواجهة شبه العلنية لتحرك ونشاط أعضاء التنظيم في المجالات النشاطية والنضالية. كذلك فإن أهميتها تكمن أيضا، في دورها النضالي النشط في التوعية وتطوير القدرات النضالية لجماهير واسعة، وفي تقديم بعض الخدمات الاجتماعية لجمهورها، وكذلك في تنمية أواصر التضامن الاجتماعي بين جمهورها والمجتمع ككل.

مع تنامي الحركة الجماهيرية في الداخل، شددت السلطات الإسرائيلية المحتلة من إجراءاتها القمعية ضد الحركة الجماهيرية وضد نشطائها، بالإبعاد خارج الأراضي المحتلة إلى الأردن أو لبنان، أو بالاعتقال، أو فرض الإقامة الجبرية. وفي 2/5/1980 تم إبعاد رئيس بلدية الخليل، فهد القواسمي، ورئيس بلدية حلحول، محمد ملحم، ومفتي الخليل الشرعي، الشيخ رجب بيوض التميمي، وذلك بعد عملية الدبويا العسكرية في الخليل التي استهدفت البؤرة الاستيطانية فيها. وبعد حوالي شهر، في 2/6/1980، قامت مجموعة إرهابية من غلاة المستوطنين بمحاولة اغتيال عدد من رؤساء البلديات، بوضع عبوات من المتفجرات في سيارات عدد منهم، أدى انفجار اثنتين منها إلى بتر ساق كل من بسام الشكعة، رئيس بلدية نابلس، وكريم خلف، رئيس بلدية رام الله، وإصابتهما بجروح خطرة. أما إبراهيم الطويل، رئيس بلدية البيرة، ففقد نجا لاكتشاف العبوة قبل انفجارها.

وتصاعدت الحركة الجماهيرية واتسعت وازدادت قوة وفعالية، في رفض ومواجهة محاولات السلطات الإسرائيلية المحتلة فرض إدارة ذاتية عميلة بتشكيل ما يسمى “روابط القرى" في الضفة الغربية بمسؤولية عملاء ومتعاونين معها، مثل مصطفى دودين وغيره، لتكون واجهة وأداة تنفيذ سياسة وزير الدفاع الإسرائيلي، أرئيل شارون بفصل الإدارة المدنية التي تُعنى بشؤون السكان الحياتية اليومية، عن الإدارة العسكرية في الضفة الغربية، وهو المشروع الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية بتاريخ 4/10/1981. وعينت ضابط الاحتياط وأستاذ الأدب العربي في الجامعة العبرية، مناحيم ميلسون مسؤولا عن الإدارة المدنية.

لقد جوبه مشروع شارون حول الإدارة المدنية برفض مطلق ومعارضة قوية من الجماهير ورؤساء البلديات، باعتباره محاولة إسرائيلية لإبراز قيادة عميلة بديلة في الداخل ضد منظمة التحرير الفلسطينية. حاول شارون فرض المشروع والضغط على رؤساء البلديات وعدد من الشخصيات الوطنية للتجاوب مع مشروعه، وعندما فشل في ذلك قام بحل المجالس البلدية المنتخبة، وفرض قيودا مشددة على حركة رؤساء البلديات ومنعهم من القيام بأي نشاطات سياسية.

لقد كنت والرفاق في لجنة المناطق المحتلة، في دمشق وعمان، نتابع باهتمام كبير هذه الحالة الجماهيرية المتنامية مع الرفاق في القيادة المركزية لتنظيم الجبهة الديمقراطية في الداخل، ونتبادل وإياهم الأفكار والتوجهات بما يساعد على تطورها وتنميتها. وأوليت من جانبي اهتماما بالحركة الطلابية الصاعدة وبإعادة إحياء وتطوير الحركة النقابية العمالية، وكتبت عدة مقالات في مجلة "الحرية" حول هذا الموضوع، كما كنت أتابع ما يجري في المناطق المحتلة من أحداث وتطورات سياسية ونضالية، وأزود بها مجلة "الحرية" للنشر، وكان يتعاون معي في ذلك لجنة فرعية.

وفي ضوء المتغيرات الميدانية التي بات يشهدها الوضع في لبنان بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين، إثر الحرب العدوانية على لبنان عام 1982، واشتداد ضربات قوات المقاومة الفلسطينية وجبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ضد القوات الإسرائيلية التي اضطرت إلى الانسحاب من جبل لبنان والشوف، تداعت الجبهتان الشعبية والديمقراطية لوضع خلافاتهما السياسية جانبا، والعمل على توحيد قواهما وتنسيق العمل فيما بينهما لمواجهة التطورات المستجدة، وتمكنتا بعد سلسلة اجتماعات بين القيادتين، على تشكيل قيادة مشتركة بينهما في أواخر شهر آب عام 1983، لتنسيق العمل بينهما في مختلف الميادين، وبخاصة على صعيد معالجة الحالة الانشقاقية التي شهدتها حركة فتح وتداعياتها المحتملة على وحدة منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الوضع المستجد في لبنان. واتفقتا على توجيه دعوة عاجلة لعقد اجتماع للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، وتشكيل قيادة عسكرية مشتركة تتولى التنسيق المشترك مع قيادة جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية للقيام بعمليات عسكرية مشتركة، ما أمكن ذلك، وتشديد الضغط على القوات الإسرائيلية في لبنان.

لاقى تشكيل القيادة المشتركة بين الجبهتين، ترحيبا شديدا من كوادر وقواعد الجبهتين، يحدوهم الأمل أن يشكل تشكيل القيادة المشتركة خطوة باتجاه مزيد من الخطوات الإيجابية بينهما لتحقيق حلم كل اليساريين الفلسطينيين بوحدة كل فصائل وقوى اليسار الفلسطيني، وبخاصة بعد أن تم بعد اسابيع قليلة، توسيع القيادة المشتركة بانضمام كلا من حزب الشعب الفلسطيني وجبهة التحرير الفلسطينية (طلعت يعقوب)، تحت مسمى التحالف الديمقراطي بين القوى الأربع.

لا شك أن ما تم من تقارب بين هذه التنظيمات الأربعة خطوة إيجابية، على الرغم مما بينهما من خلافات في الرؤية السياسية لكثير من الأمور، وبخاصة مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وهي بكل الأحوال خطوة تستحق كل تشجيع والعمل للبناء عليها. ولكن في ضوء معرفتي بالجبهة الشعبية ومواقفها السياسية، ظلت شكوك تراودني بأن عمر الاتفاق مع الجبهة الشعبية سيكون قصيرا، وأن أي تطورات سياسية لاحقة قد تعصف به إذا ما تباينت المواقف منها.

وفي إطار العمل المشترك بين الجبهتين، كنا ننسق جانبا من نشاطاتنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فكنت ألتقي بشكل دوري، تقريبا، مع العضو القيادي في الجبهة الشعبية، الرفيق جميل مجدلاوي لتبادل المعلومات والآراء حول الوضع في المناطق المحتلة والبحث في أشكال ممكنة من التنسيق والعمل المشترك في المجال المدني بين التنظيمين في المناطق المحتلة، بما لا يخل بالضوابط الأمنية لكل منهما. وكنا نتفق بين فترة وأخرى على توجيه رسالة مشتركة لقيادتي التنظيمين في الداخل تتضمن توجيهات واقتراحات مشتركة حول بعض مجالات العمل. ومن الطريف أني كنت والرفيق مجدلاوي نختلف حول بداية التحية في رسائلنا المشتركة، هل نبدؤها بـــِالرفاق في الجبهة الديمقراطية ثم الرفاق في الجبهة الشعبية أم العكس، واتفقنا في النهاية أن تكون بداية التحية دورية.

بالإضافة إلى التنسيق المشترك مع الجبهة الشعبية حول الوضع في المناطق المحتلة، كنا كلجنة مناطق محتلة نجري بين فترة وأخرى لقاءات مع الأخ خليل الوزير "أبو جهاد"، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" لتبادل المعلومات وتنسيق المواقف، حيث أمكن، حول الوضع في المناطق المحتلة. وفي يوم 5/6/ 1982، كنت أشارك كمندوب عن لجنة المناطق المحتلة في اجتماع مشترك مع الأخ "أبو جهاد" في مكتبه في بيروت، عندما بدأت ترد إلى "أبو جهاد" معلومات عن قصف إسرائيلي مشدد ومكثف بالطائرات والمدفعية على جنوب لبنان، وكنا نسمع هدير الطائرات الإسرائيلية وهي تجوب أجواء بيروت وتقصف مواقع في المخيمات الفلسطينية. قال أبو جهاد: على ما يبدو أن الاجتياح الإسرائيلي الذي كنا نتوقعه قد بدأ، يلّا كل واحد يذهب إلى موقعه. أنهينا الاجتماع بسرعة. غادرت بيروت وعدت إلى دمشق. وفي اليوم التالي بدأ الاجتياح الإسرائيلي الواسع للجنوب، وبدأت أطول حرب إسرائيلية فلسطينية على الأرض اللبنانية.

كانت فترة عملي في لجنة المناطق المحتلة والتي كانت حوالي خمس سنوات، فترة خصبة من العمل، تعرفت خلالها بعمق وبشيء من التفاصيل، على أوضاع شعبنا في الأراضي المحتلة وما يواجه من ظروف صعبة، وما يختزنه من طاقات نضالية وبأشكال وأساليب كفاحية جماهيرية منوعة وإبداعية نابعة من واقعه. وفي ضوء هذه المعرفة بدأت تتبلور عندي قناعات أن الحركة الوطنية في الداخل، بعمقها الجماهيري وبنوعية الكادر القيادي الذي يتبلور وهو يطور قدراته الكفاحية في المواجهة النضالية اليومية للاحتلال والمستوطنين، باتت تشكل مركز ثقل نضالي أساسي في مسيرة كفاح شعبنا وفي تقرير مستقبله من أجل حريته واستقلاله الوطني، لا يقل أهمية وتأثيرا عن كفاح شعبنا المسلح في الخارج. وأن هذا الدور النضالي الآخذ بالنمو والتطور كنضال جماهيري واسع تشارك فيه مختلف المكونات الاجتماعية لشعبنا، لابد أن يكون له صوت مسموع ومقرر في تقرير مستقبل الشعب الفلسطيني ومسارات نضاله الكفاحية. وقد احتلت هذه المسألة لاحقا، واعتبارا من بداية النصف الثاني من الثمانينيات حيزا مهما في تفكير قيادات الخارج في الجبهة الديمقراطية ولدى عدد من فصائل المقاومة، لزيادة حجم تمثيل قيادات الداخل في الهيئات القيادية المركزية، وحول الأشكال والأساليب الممكنة ليكون لقيادات الداخل إسهام فعلي ومؤثر في مركز القرار وقراراته.

(4)

المؤتمر الوطني العام الثاني واختبار البنية الديمقراطية الداخلية للجبهة

في شهر أيار عام 1981 عقدت الجبهة الديمقراطية مؤتمرها الوطني العام الثاني في معسكر للتدريب العسكري في ضواحي دمشق قرب قرية التل. ويعتبر هذا المؤتمر بمثابة أول مؤتمر عام فعلي تعقده الجبهة الديمقراطية منذ نشأتها في 22 شباط عام 1969، بعد مؤتمرها التأسيسي المنعقد في مدينة جرش في الأردن في شهر آب عام 1970، والذي اعتبرته قيادة الجبهة الديمقراطية بمثابة مؤتمرها الأول. وبعد أحداث أيلول الدامية في الأردن وما تلاها من أحداث، عقدت الجبهة الديمقراطية أول كونفرنس وطني عام في شهر تشرين الثاني عام 1971 في بيروت، ناقشت فيه أحداث أيلول الدامية في الأردن عام 1970، وبلورت فيه توجهاتها الفكرية والسياسية وتوجهاتها التنظيمية.

استغرق الإعداد للمؤتمر الوطني العام الثاني عدة أشهر، تقريبا، جرى خلالها إعداد وثائق المؤتمر، والتي تم بعد إقرارها مبدئيا من اللجنة المركزية، عرضها على المؤتمرات الإقليمية والفرعية لمناقشتها وانتخاب المندوبين إلى المؤتمر، وفق النسب التي حددتها اللجنة المركزية. كانت الوثائق شاملة وتفصيلية، وأعدها بشكل رئيسي، على ما أعتقد، الرفيق قيس السامرائي "أبو ليلى" عضو المكتب السياسي وأبرز منظري ومفكري الجبهة الديمقراطية. وقد أقر المؤتمر وثيقة سياسية وتنظيمية هامة تضمنت تحليلا وتشخيصا معمقا للمسألة الوطنية الفلسطينية والبرنامج المرحلي، كما اقر صيغة معدلة للبرنامج السياسي وللنظام الداخلي، وانتخب اللجنة المركزية الثالثة للجبهة.

الجبهة الديمقراطية كتنظيم ماركسي لينيني تعتمد المركزية الديمقراطية كمبدأ تنظيمي ناظم لعلاقاتها الداخلية، وعلى أساس وحدة الفكر والإرادة والعمل، ولا تجنح ولا تكتلات أيا كان صفتها، وذلك كغيرها من الأحزاب الماركسية. إلا أن هذا المبدأ كان يتحول بالممارسة العملية إلى حالة من المركزية الشديدة يتحكم بها المكتب السياسي، وفي كثير من الأحيان عصبة محدودة من أعضاء المكتب السياسي والرفيق الأمين العام. وفي الجبهة الديمقراطية كان يتحكم في المكتب السياسي وفي كل ما يتعلق بشؤون الجبهة، الرفيق الأمين العام نايف حواتمه، ونائبه الرفيق ياسر عبد ربه، والرفيق أبو ليلى. فأي أمر لا يمكن إقراره بدون توافق أو اتفاق هؤلاء الثلاثة، سواء كان سياسيا أو تنظيميا. ولما تباينت الآراء بين هؤلاء الثلاثة لاحقا، لم يعد التعايش مع بعضهم في تنظيم واحد ممكنا، فانشقت الجبهة.

الجبهة الديمقراطية كأي تنظيم ماركسي لينيني، يتم انتخاب الهيئات القيادية المركزية فيها، وبخاصة اللجنة المركزية وفق ضوابط معينة وصارمة يتحكم بها المكتب السياسي، سواء في الترشيح أو الانتخاب، فهو الذي يطرح أسماء المرشحين أولا كتعبير عن إرادته الجمعية، وهو الذي يتحكم بآلية انتخابهم، ونادرا ما تنشأ معارضة لمقترحاته. وإذا تم ذلك، يعتبر مؤشرا غير إيجابي إزاء العضو المعترض، أما الترشيح الإضافي من قبل أي من الأعضاء، على ما يقترحه المكتب السياسي، يكون بالعادة شكليا، لأنه لا أحد يتمكن من اختراق مرشحي المكتب السياسي، وإذا حدث فإنه يدل على خلل ما يجب علاجه. وبشكل عام، فإن الأحزاب الماركسية واليسارية الأخرى، التي تعتمد المركزية الديمقراطية كناظم لعلاقاتها الداخلية، يضيق هامش الحرية داخلها، إلى حد كبير، وتكون جدلية الحوار داخلها شكلية، ومحكومة بموازين صارمة. ولذلك غالبا ما تعاني هذه الأحزاب من جمود فكري، ومن ترهل قياداتها، لأن عملية التجديد داخلها، سواء الفكري أو التنظيمي أو السياسي، تكاد تكون بطيئة وشكلية، أو معدومة إلى حد ما. ولذلك تعاني من انشقاقات متتالية في صفوفها، أو من نزف شديد في كادراتها التي تغادر صفوفها، عندما تضيق بجمود قياداتها وانسداد الأفق أمامها.

في المؤتمر الوطني العام الثاني جرت محاولة للتخفيف من القبضة المركزية المتشددة، سواء خلال المناقشات لوثائق المؤتمر، حيث كانت النقاشات مفتوحة وحيوية، أو في انتخاب أعضاء اللجنة المركزية، حيث تقرر أن يكون الترشيح لعضوية اللجنة المركزية فرديا وليس وفقا لقائمة مقترحة من المكتب السياسي، كما هي العادة. ولكن، عندما جاءت وقائع المؤتمر، وبخاصة نتائج انتخاب أعضاء اللجنة المركزية، ليست وفقا لما كان يأمله المكتب السياسي، "عادت حليمة لعادتها القديمة" كما يقول المثل.

انعقد المؤتمر في أجواء من التفاؤل، وبخاصة أنه يعتبر كأول مؤتمر فعلي للجبهة الديمقراطية وبعد أكثر من عشر سنوات من انطلاقة الجبهة. في البداية وبعد التدقيق في العضوية وإقرارها كما هي العادة، جرى انتخاب رئاسة المؤتمر، حيث تم انتخاب الرفيق أبو ليلى رئيسا للمؤتمر وانتخابي نائبا للرئيس وعضوين آخرين مقررين أحدهما رفيقة. جرت أعمال المؤتمر بسلاسة وكانت النقاشات مثمرة وإيجابية، وتمت الموافقة على الوثائق جميعها بالإجماع بعد إغنائها بالنقاشات.

بعد إتمام مناقشة الوثائق وإقرارها، انتقل المؤتمر إلى انتخاب أعضاء اللجنة المركزية. ووفقا لما هو متبع عادة، يجري أولا ترشيح وانتخاب أعضاء اللجنة المركزية العاملين، وبعد إتمام هذه العملية وإعلان النتائج، يتم الترشيح والانتخاب للأعضاء المرشحين غير العاملين، أي الأعضاء الذين لا يحق لهم المشاركة في التصويت على القرارات، ويشاركون في المناقشات وإبداء الآراء.

أعلنت رئاسة المؤتمر العدد المقترح لأعضاء اللجنة المركزية العاملين، ثم أعلنت فتح باب الترشيح، وأعلنت أن الترشيح فردي، وعلى كل من يرغب في ترشيح نفسه أن يتقدم إلى رئاسة المؤتمر بورقة مثنى عليها من اثنين من أعضاء المؤتمر. أخذت رئاسة المؤتمر تتلقى أوراق المرشحين وتتجمع عند الرفيق أبو ليلى. لاحظت أن الرفيق أبو ليلى يعيد ترتيب الأوراق بين يديه، يقدم ورقة ويؤخر أخرى، قبل إعلان أسماء المرشحين على المؤتمر. حيث كان يعيد ترتيب الأسماء بحيث يضع في المقدمة أسماء أعضاء المكتب السياسي بدءا من الأمين العام ونائبه ثم أسماء رفاق آخرين يعيد ترتيبها وفق تصور في ذهنه، حيث بدا لي أنها عملية مقصودة كإيحاء غير معلن للمكتب السياسي بتوجيه عملية الانتخاب.

قام الرفيق أبو ليلى بتلاوة أسماء المرشحين، ثم أعلن فتح باب النقاش لأي اعتراض على أي من المرشحين، إضافة إلى الطلب من كل رفيق مرشح أن يُعرف عن نفسه وتاريخه النضالي. بعد إتمام هذه العملية تم توزيع أوراق موقعة من رئاسة اللجنة وتتضمن أسماء جميع المرشحين، بحيث يختار كل عضو بسرية، كامل العدد المطلوب لعضوية اللجنة المركزية بدون نقصان أو زيادة، كما هي العادة.

بعد إتمام عملية التصويت، تم الاستعانة بصديق الجبهة الرفيق محمد كشلي للإشراف على فرز الأصوات يساعده عدد من الرفاق من غير المرشحين. لاحظت خلال عملية الفرز أن الرفيق نايف حواتمه يدخل بين حين وآخر إلى غرفة الفرز ويخرج متجهم الوجه. تكرر ذلك عدة مرات، وكان خلالها يختلي للحظات بالرفيق ياسر أو الرفيق أبو ليلى. أخذت أراقب وجوه الثلاثة، فلاحظت عدم الارتياح عليها. قلت بيني وبين نفسي، لا شك أن أمرا ما في عملية الفرز أثار قلق الرفاق.

بعد إتمام عملية الفرز واستلام النتائج من الرفيق محمد كشلي، تلا الرفيق أبو ليلى بوجه متجهم، على غير عادته، أسماء الفائزين، وكنت من بينهم، دون أن يُعلن ما حصل عليه كل عضو من أصوات، على عكس رغبة غالبية أعضاء المؤتمر. فوجئ أعضاء المؤتمر بعد إعلان النتائج بجو غاضب، صاخب وغير طبيعي جدا أثاره عد من أعضاء المكتب السياسي وفي مقدمتهم الرفاق ياسر عبد ربه والرفيق أبو ليلى وآخرون، عندما أعلنوا بمداخلات غاضبة أن النتائج تشير إلى أن عددا من الرفاق تصرفوا ككتلة غير مشروعة لإسقاط بعض الرفاق وإنجاح آخرين، وكانوا يشيرون بذلك إلى عدد من الرفاق، دون تسميتهم، في إقليم لبنان على رأسهم الرفيق الحاج سامي أبو غوش، مسؤول المالية في الجبهة وأبو حسام البقاعي، عضو قيادة إقليم لبنان. وأعلنوا أنهم سيتصدون بكل حزم وقوة لوأد هذه الظاهرة ومن يقف وراءها. وفي الحقيقة ما جرى لم يكن يستدعي كل هذا الصخب والغضب، لأن نجاح بعض الرفاق من إقليم لبنان على حساب آخرين، وإن بدا كنوع من التوافق بين عدد من الرفاق، يعد أمرا طبيعيا، طالما أن الانتخابات ديمقراطية. ولكن ما أثار الرفاق في المكتب السياسي، أن الذين لم ينجحوا كانوا ممن يرغبون بنجاحهم. ولذلك ثارت ثائرتهم معتبرين ما جرى تكتلا غير مشروع، في حين أنه في الحقيقة كان تعبيرا عن بعض المشكلات في إقليم لبنان نفسه.

وفي ضوء ما جرى تم التراجع عن فكرة الترشيح الفردي لانتخاب الأعضاء المرشحين للعضوية غير العاملة، وأعلن الرفيق ياسر عبد ربه، بطريقة غير لائقة، فيها تهديد وتحدي، قائمة بالمرشحين كاملة باسم المكتب السياسي. ونجحت القائمة بالتزكية لعدم ترشح آخرين بعد هذا الجو المأزوم والصاخب. وتكرر الأمر نفسه لدى اجتماع اللجنة المركزية مباشرة بعد انتهاء أعمال المؤتمر لانتخاب، والأصح تسمية، أعضاء المكتب السياسي وفي المقدمة منهم الأمين العام ونائبه، حيث تمت الموافقة على جميع الأسماء التي طرحها الأمين العام دون مناقشة أو ترشيح آخرين.

في الحقيقة لم يكن هناك أي تكتل، وما جرى لم يكن أكثر من تعبير عددا من الرفاق من إقليم لبنان عن استيائهم من تصرفات الرفيق ياسر عبد ربه والطريقة التي كان يدير بها الوضع في لبنان، كمسؤول عن إقليم لبنان. لقد عرفت الرفيق الحاج سامي، وهو من خيرة الرفاق وكان يحظى بثقة واحترام الجميع، من الرفاق وغيرهم. وقد حزنت وتألمت كثيرا عندما علمت بعد أشهر قليلة من المؤتمر، أنه وزوجته استشهدا في الانفجار الذي وقع في شارع أبو شاكر، حيث كانا يقيمان.

تقديري أن الأحزاب والتنظيمات التي تعتمد المركزية الديمقراطية كمبدأ ناظم لبنيتها التنظيمية الداخلية، ستظل تتسم بمركزية شديدة، ومحكومة بسطوة وتحكم قلة قليلة من الرفاق في رأس الهرم القيادي، وستظل أبعد ما يكون عن أي ممارسات ديمقراطية حقيقية داخلية، مهما ادعت بغير ذلك.

 

 

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS