من مظاهر "كوميديا الزمن الراهن" توقيع خارجية السلطة على مشروع لتعزيز "حقوق الانسان" في فلسطين..لا نعلم أي جرأة تلك التي حدثت وسط كل "جرائم الحرب" على الرأي حرية ومؤسسات، وقبلها حصار قطاع غزة!

نواف عبد حسن .. وهج القصيدة وألق الفكر والثقافة ..!!

نواف عبد حسن .. وهج القصيدة وألق الفكر والثقافة ..!!
  • شـارك:
شاكر فريد حسن

في الثاني والعشرين  من أيلول العام ٢٠٠٣ ، وقبل ١٤عاماً بالكمال والتمام ، عانقت روح الأديب والشاعر والمفكر والمثقف والقارئ الموسوعي والانسان اللبيب نواف عبد حسن الارض الفلسطينية وارتقت الى السماء ، تاركاً فراغاً كبيراً في حياة اصدقائه ومجايليه ، وفي حياتنا الثقافية والاجتماعية والوطنية ، وهو الضوء الاشعاعي الثقافي والبدر الذي  نفتقده في الليالي السوداء الحالكة والمعتمة

لم يعش نواف حياة الترف في القصور ، بل اختار حياة البساطة والكرامة والقناعة والاكتفاء الذاتي والسير على درب الشرفاء الانقياء، وعالم الثقافة والابداع ، بحيث تحولت غرفته وفراشه الى مرتع للتأمل والتفكير والقراءة ، ومكتبة نفيسة عامرة بالعناوين والمؤلفات الفريدة والمراجع المهمة ، التي يصعب الحصول عليها ، فضلاً عن المجلات والدوريات الثقافية التي كانت تصدر في القاهرة وبيروت ، واذكر كيف كانت صحيفة " النهار " اللبنانية ، ومجلة " الآداب " تصله في البريد عن طريق قبرص .

نواف عبد حسن مصمصاوي المولد والمنشأ والاقامة ، فلسطيني الهوى ، كنعاني الهوية ، ناصري الفكر ، قومي التوجه والرؤية ، شمولي الثقافة والمعرفة ، اتصف بسمو الروح ، وعزة النفس ، واباء الهمة ، ونقاء الكلمة والفكر ، والقدرة العقلية .

ورغم انهائه الدراسة  الاعدادية الا انه استطاع التفوق على كل المتعلمين والاكاديميين والنخبويين وحملة الشهادات العليا والدكتوراة ، الذين بزهم بثقافته الواسعة العميقة ، التي تسلح بها من خلال قراءاته المكثفة ، وابحاره في جداول الأدب والتراث والفلسفة والفكر وعلم الاجتماع وعلم النفس ، وغوصه في القرآن الكريم والتوراة ، وامتلاكه ذاكرة قوية ، وعقل غني وعظيم لا حدود لامتداده وعمقه .

أحب نواف ابا الطيب المتنبي احمد بن الحسين ،  وشغف بالجاحظ ، وتأثر برسالة  الغفران لأبي العلاء المعري وأدبه ، واعجب بالف ليلة وليلة ، والكوميديا الآلهية ، ومتشائل اميل حبيبي ، الذي احله كروائي ، وكان يمقت مواقفه وممارساته ، وانتقد قبوله جائزة اسرائيل في الأدب ، فضلاً عن شعراء مدرسة " شعر " اللبنانية ، ونبي جبران خليل جبران ، والمعلقات التي كتبت بماء الذهب ، والموشحات الاندلسية ، ونشأ على حب اعمال الفلسطيني العراقي جبرا ابراهيم جبرا ومنجزاته النقدية ، ودواوين صلاح عبد الصبور واحمد عبد المعطي حجازي ، وراقه امل دنقل في قصيدة " لا تصالح " ، واطلع على كثير من معالم الحضارة والثقافة الغربية ، فادهشه كارل ماركس وناظم حكمت وتشيخوف وتولستوي ولوركا شاعر اسبانيا ، الذي ترجم مسرحيته الشعرية " عرس الدم " الى العربية .

كذلك طاف في عالم محمود درويش وراشد حسين واحمد حسين وسعود الاسدي وعيسى لوباني ، ونما على حب " الآداب " اللبنانية التي كان يحتفظ باعدادها كاملة ، ولو كان على قيد الحياة وعلم انها توقفت عن الصدور لاحزنه ذلك ولجن جنونه ..!

جمعته علاقات طيبة مع أهل الأدب والثقافة والفكر والسياسة في البلاد ومصر ، الذين شعروا بالفراغ الذي تركه وراءه ، وما زالوا يستحضروه ويستذكروه في المحافل واللقاءات الأدبية كأديب ومثقف وموسوعي متعطش دانماً للمعرفة وانسكلوبيديا فيها الجواب السريع على كل سؤال  ، قل مثيله ، ومشرف ومحرر أدبي لمجلة " كنعان " التي اصدرها مركز احياء التراث العربي الفلسطيني في الطيبة التي عمل فيه لفترة من الزمن ، وكان يكتب مقدماتها بلغة الشعر والأدب،  وانسان لم تغره المناصب ، ولا المواقع ، ولا الميكروفونات ، ولا المنصات ، وفضل البقاء في دائرة الظل ..!

نواف عبد حسن الفكر المتوقد ، والوعي الثاقب ، والاشعاع الثقافي الأدبي ، والبصيرة النافذة ، والروح الناقدة ، ووهج القصيدة الملتزمة الغاضبة ، والقارئ الفريد المميز الذي غاص في اخاديد التراث وكنوز الكتب ليستخرج منها لآلىء الفكر والنور والثقافة ودرر الكلام .

كان مميزاً في كل شيء ، في سلوكه ، وطباعه ، وقناعاته ، وزيه ، وهندامه ، ونهجه الحياتي ، ومواقفه ، ورؤاه ، وذوقه الخاص ، فكان لا يعجبه أي شيء ، ولا أي كتاب ، ولا اي صاحب قلم .

لم يبحث لا عن مال ولا عن جاه ، بل اكتفى برغيف الخبز ، وفنجان السبرسو وجلسة المقهى الصباحية ، وثمن الكتاب الذي يلف معارض الكتب والمكتبات والاكشاك بحثاً عن عنوانه ، وتكلفة السفر الى مصر لحضور معرض الكتاب الدولي في القاهرة ، الذي كان من زواره ورواده الدائمين ، دون اي اهتمام بالفندق الذي ينزل ويقيم فيه ، المهم ان يكون  مكتبة العم المرحوم " مدبولي " ، وليس بعيداً عن قاعة المعرض ، وكان يختار  النزول والاقامة في فندق " تيوليب  " .

اتقن نواف اللغة العربية ، وأدى اطلاعه على الثقافات المتعددة الألوان الى صقل موهبته الابداعية ، وتعميق تجربته الفكرية والثقافية، وكان صاحب موهبة أدبية فريدة نماها بالمطالعة والمعرفة ، وشحذها بالتحليل والمقارنة ، وساعده في ذلك ذكاؤه الحاد الخارق ، وبصيرته النافذة ، وحيويته الدفاقة ، ونشاطه الذي لم بنضب ، ووهبه الله ذوقاً فنياً وحساً ادبياً مرهفاً وحدساً بالغاً ، وعمقاً تفكيرياً ملحوظاً .

قرض نواف الشعر ، وكتب في النقد والأدب ، ونشر نتاجه الادبي والشعري  في " الأنباء " و "الشرق " و" مشاوير " و" البيادر " الأدبي ، و" الكلمة الحرة " التي اصدرتها دار ومؤسسة الصوت في الناصرة لنشر الكتاب الوطني وتعميق الفكر الوطني الفلسطيني الملتزم ، التي كان واحداً من أعضائها المؤسسين والنشيطين ، و" كل العرب " و" كنعان " .

وتناول نواف بالنقد والبحث والعرض عدد من نتاجات مبدعينا وشعرائنا المجيدين ، وفي مقدمتهم الشاعر والمفكر احمد حسين " أحمد ناظم " الذي صعدت روحه الى السماء ، قبل فترة وجيزة ، وكان صنوه في الأدب والفكر والتاريخ الهجري والكنعاني ، ورفيق دربه ، وفهم مراد ومغزى ومعنى شعره أكثر منه ، وقدم كتابه " رسالة في الرفض " ، اضافة الى ما كتبه عن الروائي النصراوي عيسى لوباني ، الذي كان يهوى حروفه واسلوبه وكتابته الابداعية الخاصة ، ومجالسته مع شاعر الارياف والتراث الفلسطيني الرعوي سعود الاسدي

وكتب نواف ايضا مقدمات عدد من الكتب التي صدرت عن مركز احياء التراث العربي الذي اسسه المناضل صالح برانسي ، ومن ضمنها المجموعة الشعرية الكاملة للشاعر راشد حسين .

ولتسمحوا لي باقتطاف هذه السطور بما خطه قلمه المتفرد السلس الانسيابي ، كنموذج لكتابته النقدية ، حيث يقول :

" تبرز في قصائد الشاعر راشد حسين  بوفرة ، مفردات تدل على هول السبي الفلسطيني ، من قبل الغزو الصهيوني الاستيطاني على مجتمع مستقر ، فحوله الى شعب تكتظ به الصحراء مشرداً بين الخيام وبين المنافي ، والتقت سكين الابادة الى الجسد الذي ظل من علامات الماضي ، بحيث ادخلت تجربة الفقد الى كل بيت وصارت الارض مزرعة للعويل . هذا السبي الذي ولدته النكبة ، والتي ما زلنا نتنفس مناخها حتى اليوم ، وهي الواقع والتجربة التي عاشها الشاعر وعبر عنها في عديد من قصائد هذا الديوان " أزهار من جهنم " و" الخيمة الصفراء " و" الى ابن عمي في الاردن " و" أنة لاجىء " وغيرها .

لقد توحدت هموم الخيمة مع عذاب واغتصاب القرية العزلاء ، فالانسان الذي شرد وسكن الخيمة هو الارض والبيت والذكريات المسجونة والمحاصرة ، تماماً كالحقل والمحراث الذي ظل داخل الحصار ، ففلسطين تحاصر بالموت والاغتيال يرافقه الصمت ، المفروض ، لتمرير الجريمة ، وعندما تنفلت الصرخة من قلب جهنم ، يتدفق نهر الغضب ، وينغرز  في الصدر سؤال يتسع للمفارقة والتي تأتي بحجم الدهشة نفسها .

نواف عبد حسن ودع الحياة بابتسامته المعهودة ، وغاب عن الوجود اثر الجلطة الدماغية التي باغتته ، وترك وراءه ذكريات واحاديث لا تنسى ، وتاريخ واسع وخصب ، وابداعات قيمة ، ومكتبة ثرية وغنية بالمراجع والمؤلفات الكتب والعناوين والمجلات النادرة ، وقد تبرع بها ابناؤه الى مكتبة كلية القاسمي في باقة الغربية .

فذكرى عطرة يا أبا العبد ، يا أخي ابن أمي وابن عمي ، وكم من ليلة عشتها معك نشرب كأس الميرامية وفنجان القهوة المهيلة كما كنت تحب وتهوى، وكما تعودنا ان نحتسي معك ، مع احاديثك الطلية وسهراتك وجلساتك الماتعة بنكهة الزعتر والحبق وعبق كنعان ، وكم احببنا أكل الهليون بالبيض البلدي في اواخر الشتاء وبداية الربيع ، الذي كنت تتجول في الغابات بحثاً عنه في فروش صفورية ، فتأكله نياً او مطبوخاً برفقة الانيس الحبيب" ابو تميم " سعود الأسدي .

عاشت ذكراك خالدة يا أبا العبد ، وستبقى مشعلاً ثقافياً ورمزاً معرفياً  ،لم تنجب فلسطين واحداً شبيهاً له

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2017 © AMAD.PS
POWERED BY: WSLA.PS