الإعتداء على الناطق بإسم فتح "م7" في قطاع غزة ليس حلا لأي مسألة..الإعتداء خدمه أكثر..بعض العقل مفيد..أمن حماس سيتسخدمها بطريقته ضد فتح!
عــاجــل

قراءة في كتاب: العرب وجهة نظر يابانية للمفكر نوبوأكي نوتوهارا

قراءة في كتاب: العرب وجهة نظر يابانية للمفكر نوبوأكي نوتوهارا
  • شـارك:
عبد الله عنتار*

يعتبر المفكر الياباني نوبوأكي نوتوهارا من المفكرين اليابانيين القلائل الذين اهتموا بالثقافة العربية، ولد هذا المفكر سنة 1940 باليابان، وفي عمر 21 تسجل بمعهد الدراسات العربية، وقضى ما يزيد عن 40 سنة سفرا وبحثا وقراءة وتنقيبا في الثقافة العربية، وتميز بروح المغامرة، قرأ لنجيب محفوظ وترجم المجموعة القصصية 《عائد إلى حيفا 》 للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني عام 1969، وفي عام 1974 سافر إلى مصر وتجول في أريافها وأرياف اليمن وسورية، وسوف نعمل في هذه المقالة على تلخيص أهم الملاحظات التي سجلها المفكر نوبوأكي نوتوهارا عن سلوكات وأفكار الأفراد والجماعات في المجتمع العربي .مع وصوله إلى مصر وبالضبط إلى مدينة القاهرة لاحظ الكاتب الياباني أن سائق التاكسي لا يعطي قيمة للركاب، إذ يوصلهم أينما يريد، كما أن الموظفين لا يعطون أية قيمة للمواطنين، وقد أشار إلى أن المواطنين العرب يعانون في صمت، فهناك غياب العدالة والقمع، إضافة إلى مصادرة الصحف، والحكام يمكثون في الحكم مدى الحياة، ويقول في هذا الصدد نوبوأكي نوتوهارا أن المجتمع العربي مشغول بفكرة الواحد الخالد، فكل الثقافات التي مرت على حوض البحر المتوسط مهووسة بالخلود انطلاقا من المصريين الذين كانوا يحنطون فرعونهم حتى يظل زعيما في الحياة وما بعد الحياة، لذلك نجد في العالم العربي الحاكم الفرد المطلق يتموقع في مركز الشعب، إنه إله أرضي، فكما قدس فرعون، قدس عبد الناصر، ونجد تقديس الزعيم حتى في الأحزاب المعارضة سواء كانت إسلامية أو اشتراكية أو شيوعية أو قومية، كلها تشترك في تقديس الواحد الأحد أي الزعيم، ويلفت نوتوهارا أن العرب يحيلون كل الحوادث إلى الله، إنهم مشدودون إلى زعيم في السماء، كما هم مشدودون إلى زعيم في الأرض، إذ الواحدية تستحوذ على الذهنية العربية، فالعربي المسلم يرى أن القرآن هو الوحيد الذي ينبغي أن يقرأ وهو الوحيد الذي يتضمن الحقيقة، وهذا ما جعله تابثا في مكانه ولا يتغير ولا يتطور، عكس الياباني الذي يرى أن الحقيقة توجد في الواقع المتغير، كما أن الياباني يؤمن بتعدد الآلهة سواء في ديانة الشينتو أو في البوذية .كذلك لاحظ المفكر الياباني أن المواطن لا يهتم إلا بذاته أي بمنزله، فمجاله الخاص نظيف وأنيق، لكنه يستهتر بالممتلكات العامة كالحدائق، فيعمل على تخريبها انتقاما من الزعيم المستبد بطريقة لا شعورية، وما يؤكد واحدية المجتمعات العربية أن أفرادها لا يتضامنون مع السجناء والمثقفين المعتقلين الذين يقبعون في السجون دفاعا عن الحرية والعدالة والديمقراطية، إذ تبقى أسر السجناء وحيدة في الاهتمام بأبنائها، مع العلم أنهم كانوا يدافعون عن المصلحة العامة والوطن، ويؤكد نوتوهارا أن المجتمعات العربية تضحي بالموهوبين وبالطاقات التنويرية حتى يبقى الوضع راكنا في مكانه لا يتزحزح، عكس المجتمع الياباني الذي يكترث بأطفاله وشبابه ويساعدهم في النبوغ في توفير كل الشروط المادية والمعنوية، لأن مستقبلهم ومصيرهم يهم البلد ككل، وعلى الرغم من ذلك يرى نوتوهارا أن هناك شبابا في العالم العربي مثلهم مثل المسيح مستعدون لإنقاذ العالم، إنهم لا يختلفون في إحساسهم عن الشعور بالمسؤولية لدى العامل الياباني وهو منهمك في عمله، ورغم ذلك، فالملاحظ أن اليابان يحظى فيها المواطنون بكل الحقوق والأطفال لا يتسولون، كما نجد كثرة الحدائق، أما في العالم العربي، فنجد الأطفال يتسولون والمعلم لا حقوق له وغياب الحدائق، كما أن الجسد مقموع، إذ نجد السجين مثلا محروم من ممارسة الجنس، والمرأة الجميلة عليها بالاختباء، والجنس لعنة، وإذا كانت اليابان مطوقة بالسواد خلال المآثم، فإن فرنسا تجاوزت اليابان وصار الحزن في القلب ولا يتعلق بالمظاهر والشكليات، إلا أن اليابان تقدمت بشكل كبير على العالم العربي في مجال التربية، فاليابانيون يدرسون التربية الأخلاقية التي تعلمهم احترام أي إنسان وأي كائن أكان نط نباتا أو حيوانا وحتى الجماد، فإن العرب يرون أن معيار الحقيقة هو القرآن حتى لو كان هذا الأخير يفرق بين المسلم وغير المسلم، ويفرق بين المرأة والرجل، ويفرق بين الحر والعبد، ويميز كذلك بين الجارية والحرة، وهذا ما يجعل من النقد الذاتي مستبعدا في العالم العربي  على الرغم من النكسات والخيبات وتبقى الحكومات الملكية والعسكرية جاثمة على السلطة، على اعتبار أن اليابانيين استطاعوا من خلال النقد الذاتي إبعاد العسكر وتفويض السلطة إلى الشعب، فالنظام الإمبراطوري في اليابان لا صلاحية له ورئيس الوزراء يتغير كل سنتين، بينما الحاكم العربي يبقى طول حياته في الحكم كظل للإله، والأنكى من ذلك أنه إذا خرج رئيس الوزراء عن جادة الصواب يحاكم مثلما حوكم تاناكا، لكن الآية مقلوبة عند العرب، فكما الشعب يخضع لسلطة الحاكم، يخضع العصفور لسلطة الطفل، إن القمع معمم في الأسرة والمدرسة، بل إن المواطن يبيع حتى آثار بلاده .ينتقد نوتوهارا بشدة المثقفين، إذ يرى أن المثقف سلطوي يتحدث ولا يعطي الفرصة للآخرين للحديث، ويتكلم عن الديمقراطية كتميمة لأنه يفتقدها، ويمدح المثقف السلطة مقابل النقود، كما أن المثقفين يتبادلون التهم ويشعرون بالغيرة حيال بعضهم البعض، ويقول المفكر الياباني أن اتحاد الكتاب هي صياغة لمخافر الأمن والمخابرات، وبالتالي ليست مهمة هذه الاتحادات تنوير العقول وخلق ثورة سياسية وثقافية في المجتمعات العربية، بل أكثر من ذلك أن الناشرين يسرقون أفكار الكتاب .وارتباطا بموضوع السرقة، لاحظ المفكر الياباني أن التفتيش في المطارات العربية رهيب ويعبر عن طبيعة النظام السياسي، إذ صرح أنه تعرض للسرقة في مصر والمغرب، ولا يوجد أي احترام للأجانب شأنهم في ذلك شأن المحليين، والسفارة اليابانية في العالم العربي سفارة تجارية واقتصادية ولا يهمها شؤون مواطنيها . أما في موضوع الخوف، فالعرب يخافون من الأمن والمخابرات والغريب في الأمر أنهم يقيمون للأمن مآدب كشكل من أشكال عبادة السلطة، بينما لا يخاف اليابانيون  إلا من الزلزال . في الفصل المتعلق بثقافة الأنا وثقافة الآخر، يرى نوتوهارا أن الياباني يرى الآخر موضوعا، لأن الياباني أكثر انكماشا وانغلاقا، لكن الموقف السليم يحتم علينا أن نرى الآخر ذاتا حية، فالجميع يكون المجتمع الإنساني، وبالتالي يقتضي فهم الآخر من خلال التجربة المباشرة، إلا أن الواقع يكشف اضطهاد الطوارق وضياعهم بين عدة دول وهي الجزائر ومالي والنيجر وليبيا وتشاد، إضافة إلى استعمار اليابان لكوريا والصين، بلاشك أتفق مع نوتوهارا، وأطرح هذا السؤال:  هل تنسى الكوريات العنف الجنسي الذي مارسه اليابانيون على أجسادهن خلال الحرب العالمية الثانية؟ وهل ينسى أطفال الصين ذلك الجندي الياباني الذي تبول في فم الطفل الصيني عقب احتلال منشوريا  سنة 1931 ؟ إننا كلنا نتحمل المسؤولية يقول نوتوهارا، ومسؤوليتنا تتجلى في ألا يتكرر ذلك فيما بعد .وفي الموضوع نفسه  يتطرق نوتوهارا لرواية 《 الأمل لا يموت 》 للكاتبة الأمريكية فيدا نبكي التي تحدثت عن الملابس التي قدمت للاجئين الفلسطينيين، إذ لا تتناسب مع ثقافتهم، وبالتالي إن احترام الآخر ليس تقديم المساعدة المادية إليه، بل احترام ثقافته، ولا ينبغي تشجيعه على التواكل، وإنما يجب منحه حقه للنهوض حتى يشعر بالكرامة.وقبل أن نختم مقالتنا، نشير إلى أن المفكر الياباني لفت إلى أن البيت العربي مفتوح دائما ويتميز بالكرم، بينما البيت الياباني عديم الكرم . كما يشير أيضا إلى تميز اللغة العربية على اليابانية في مفهومي القضية والوطن . لكن بودنا أن نناقش نوتوهارا، على اعتبار أن اليابان نجحت في النهوض وحققت قضيتها ووصلت كذلك إلى قضية الوطن الأم الرؤوف والذي يحترم المواطن ويعطيه الثقة ويحترمه كإنسان. لهذا السبب تلاشى هذان المفهومان وبقي مطروحين في العالم العربي لأنهما لم يتجسدا على أرض الواقع، ففلسطين مازالت مغتصبة والشعوب مقهورة من لدن حكامها ورجال الدين يسطون على العقول إلى جانب الزوايا في مغربنا العربي الكبير .

 

العرب: رؤية من الداخل (2 )

القضية الفلسطينية

 

في الصفحة 93 من كتابه: 《العرب وجهة نظر يابانية 》 يتحدث المفكر الياباني نوبوأكي نوتوهارا عن زيارته إلى مخيم اليرموك بسورية ولاحظ أن البيوت مسقوفة بمادة التوتيا، إذ الفلسطينيون لم يشيدوا بيوتا للاستقرار، فبيتهم الحقيقي هو الأرض الفلسطينية المغتصبة من لدن الكيان الصهيوني، ولاحظ أيضا أن الفلسطينيين مازالوا يحملون معهم مفاتيح بيوتهم، ويؤمنون بحق العودة كعقيدة مقدسة لا تقبل التفاوض أو المساومة، إن قضية الوطن وتحويله إلى عقيدة كرسها الكاتب الفلسطيني الملتزم غسان كنفاني (اغتاله الكيان الصهيوني عام 1972 )  حتى سرت في دم كل فلسطيني.

ولم يتوان المفكر الياباني في الإدلاء بموقفه حيال القضية الفلسطينية، ويقول في الصفحة 94 : 《 إنني أعتقد أن البشر جميعا مسؤولون عن أي جريمة تحدث على كوكبنا، ولذلك فالعالم كله مسؤول عن الجريمة التي ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني . المسألة ببساطة شديدة، هي أن مجموعة بشرية جاءت من خارج فلسطين واستوطنت بقوة السلاح، ثم شردت شعبا واغتصبت أرضه وثقافته وتاريخه》 .

نفهم من هذه القولة أن أي إنسان هو مسؤول عن أي جريمة تقع في العالم، لأن الإنسان ذات عاقلة ويجب أن يحدد موقفه من قضايا العالم وعلى الأقل بالكلام، فالصمت جريمة لا تغتفر، ومن بين هذه القضايا الكونية والعالمية التي يجب تبني موقف حيالها: القضية الفلسطينية، إننا كلنا مسؤولون عن جرائم العدو الصهيوني طالمنا أغلقنا أفواهنا، لذلك لا يجب السكوت عن جرائم الصهاينة الذين أتوا من خارج فلسطين واستوطنوا بقوة السلاح، ثم شردوا شعبا واغتصبوا أرضه وثقافته وتاريخه، ومن ثمة يجب البوح والكلام والصراخ في سبيل كل القضايا الكونية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وما كلام وسفر وتبحر المفكر الياباني نوتوهارا سوى تعبير عن الضمير الإنساني الذي يتحلى بها هذا المفكر، إذ شغل كل وقته في التعريف بالقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

كانت بداية الانهجاس بالقضية الفلسطينية بالنسبة للمفكر الياباني من خلال الإطلاع على أعمال الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني الذي يعتبر من خيرة الكتاب الذين أنتجتهم القضية الفلسطينية، كان مفكرا ملتزما لا يتراجع إلى الخلف، لديه قلم نفاث يضاهي طائرة صهيونية، لقد كان كنفاني يحترم الشعب الفلسطيني احتراما كبيرا، لقد ربط مصيره بمصير الشعب الفلسطيني ولم يبحث عن مناصب أو مقابل، عاش في المخيمات وتشرب القضية الفلسطينية حتى صار الناطق باسمها، وجعل من قلمه سلاحا لا يتراجع وكتب 《أرض البرتقال الحزين》 حيث يصف كيف طرد الفلسطينيون، وكتب 《 كعك على الرصيف 》 حيث يصور لنا الأطفال الفلسطينيين الذين يشتغلون في شوارع دمشق بعد النكبة، ثم 《 قصة الاشتباك 》 التي تتحدث عن الشعب الفلسطيني وهو يقرر مصيره من أجل استرداد الأرض الفلسطينية المغتصبة من البحر إلى النهر، وفي هذا الصدد يرى نوتوهورا أن كتابات كنفاني تعبر عن يقظة الوعي الفلسطيني وتوجهه نحو البندقية، وبالتالي راح الفلسطينيون يراهنون على المستقبل لا الخنوع والاستكانة أمام سلطة الماضي والحاضر، إن كنفاني حسب ما يرى المفكر الياباني قد ربط بين القضية والإنسان ووحد بينهما في مسيرة القضية الفلسطينية، إذ صارت هذه القضية تاريخية ساكنة في وجدان الضمير العالمي، يقول هنا : 《 إن فلسطين ليست حزينة، بل هي الحزن نفسه 》 إنه يقتبس هذه القولة من محمود درويش، ولكنه يتبناها ويقتنع بها، فنوتوهارا انسجم كليا مع القضية الفلسطينية وصارت منطلق صوته الإنساني وضميره الكوني . ويلفت الفيلسوف الياباني أن كتابات كنفاني دفعت الفلسطينيين إلى العمل المسلح وخلقت روابط بينهم وبين الأم التي هي فلسطين وتوطدت علاقتهم بالشجر كالزيتون والأرض والحجر، وكذلك ارتبطت علاقتهم بالبندقية . وبالتالي  نفهم من كلام نوتوهارا أن لا خيار للشعب الفلسطيني سوى المقاومة المسلحة في ارتباط وثيق بالنضال الدبلوماسي والعلمي، ولقد لاحظنا أنه لم يتحدث بالمرة عن أوسلو، ولا عن السلطة ولا عن خيانة منظمة التحرير لأن الكلام في هذه الخيبات من شأنها أن تحبط أجيال المستقبل من الفلسطينيين و أحرار العالم، وبالتالي يدعو إلى التمسك بأنوار كنفاني في وسط الظلام الفلسطيني بعيدا عن حركة حماس والجهاد...، فكل هذه الفصائل ظهرت في زمن الردة الفلسطينية ولا خيار سوى العودة إلى الزمن المتوهج . ذلك الزمن الذي كان فيه أحرار العالم يناضلون في سبيل القضية الفلسطينية دون ربطها بالدين ولا بالقومية ولا باللغة، بل كانوا يربطونها بالإنسان، ذلك الزمن الذي جعل 6 يابانيين ينتمون إلى الحزب الشيوعي الياباني وهم أوكودايرا تسويوشي وياسوكي ياسووا، وكوزو أوكاموتو، إضافة إلى فوساكو شيجينوبو المرأة الوحيدة، ثم تاكاو هيموري وأوسامو ماروكا إلى المشاركة في عملية فدائية استهدفت مطار اللد عام 1971، إن الأديب كنفاني ومن خلال كتاباته ونضاله في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جعل من القضية الفلسطينية محل تعاطف عالمي، إذ هبت كل الشعوب العالم تناصر القضية الفلسطينية التي مازالت خاضعة لاستعمار صهيوني وأذكر هنا: الصحفي الإيطالي فيتوريو اريغوني كتب كتابا عن غزة و صور جرائم الكيان الصهيوني عقب حرب غزة 2009، لكنه اختطف عام 2011 من طرف مجموعة إسلامية، الشيء الذي يوحي أن الأصولية الدينية تتقاطع في أهدافها التدميرية مع الاستعمار الإمبريالي الصهيوني الذي اغتال المناضلة الحقوقية الأمريكية راشيل كوري عام 2003 حينما سحقتها دبابة كانت تهم بجرف وتدمير البيوت الفلسطينية . هكذا يتضح لنا أن كتاب 《العرب وجهة نظر يابانية 》 لم يذخر جهدا في التعريف بالقضية الفلسطينية وبجرائم المحتل الصهيوني وما فتىء يستنهض همم الفلسطينيين في الإيمان بقضيتهم كما آمن بها غسان كنفاني .

العرب: رؤية من الداخل (3)

الفلسفة والصحراء:  نشدان المحال

قراءة في كتاب: العرب وجهة نظر يابانية للمفكر نبوأكي نوتوهارا

في الصفحة 107 من الكتاب، يتحدث عن نوتوهارا عن العرب  البدو، لقد ذهب لدراستهم باحثا عن المعنى بلا تكبر وبلا أحكام مسبقة، وفي هذا الإطار انتقد بشدة السنيما العالمية والمستشرقين أيضا الذين مارسوا تضليلا أكاديميا وإعلاميا على العرب، فكل تلك الصور العدوانية ليست صادقة، إن معرفة البداوة العربية تقتضي الانغماس الكلي في البادية العربية بلا أحكام مسبقة حتى يمكن للباحث والدارس اكتشاف الحقيقة، وهذا ما فعله نوتوهارا، يقول في هذا الصدد : 《إن اهتمامي بثقافة المكان الصحراوي، هو في صميمه بحث عن الجوهري أو بحث عن الحقيقة 》 لا يتغيى نوتوهارا غير الحقيقة، والتفاعل الإيجابي مع البدو الذين يعيشون في الصحراء، وهذا يلزم القطيعة مع الثقافة المدينية التي تتعالى على الثقافة البدوية، إن نوتوهارا قام بمجاهدة سعى من خلالها الانصهار الكلي في حياة البدو، لكن من هم البدو؟ يقول نوتوهارا في الصفحة 108: 《 البدو كما هو شائع أهل الوبر(...) وحياة البدو تتم في البادية، وهذا ما يدعى بداوة، أي أن الفرد يعرض نفسه للطبيعة 》 إن الوبر هو الشعر الذي يغطي جسم الإبل يستعمله البدو لتشييد خيامهم، وعلى ضوء ذلك يكون البدوي على تماس مباشر مع الطبيعة، عكس أهل المدينة الذين يحتمون بالجدران والأبواب المقفلة، لقد أحب نوتوهارا هذه الحياة، ويصفها في الصفحة 109 بالمكتملة، إنه الوصول إلى الأورغازم الوجودي أي التماهي المطلق مع الطبيعة، يقول: 《إنها حياة مكتملة لا ينقصها شيء، وأية إضافة ستكون تنازلا وانتقاصا من حياتهم》 هكذا يرجع نوتوهارا إلى البداية، أي ينحدر نحو الحياة الأولى، بكثير من البهجة يصف الطعام عند البدو، يقول أنه بسيط للغاية وليس هناك أي مظاهر للترف، ويتكون الطعام البدوي من خبز الصاج واللبن، ويأكل البدوي بصمت وبسرعة كبيرة وبلا توقف، كما أن مكان الأكل ليس مكانا للمسامرة والحديث، لذلك يحظى هذا المكان بقدسية كبيرة عند البدوي، إنها دروس تعلمها نوتوهارا من البدو الذين يعيشون حياة الكفاف، وفي هذا الإطار يتحدث عن أعمال الأديب الليبي إبراهيم الكوني، ومن الدروس التي ضمنها الكوني في أعماله أن الأغنام تعلمت معنى الكفاف، فعندما يستمر الجفاف تأكل الأغنام مرة ثانية البذور التي طرحتها في سنوات سابقة لما كانت الأعشاب متوفرة، كما يسرد الكوني أن البدوي الصحراوي يشوي حذاءه و يأكله في أوقات الجفاف، بل إن سيدات قبائل الطوارق في قمة الجوع يجمعن روث الغنم ويغسلنه ويأخذن الحبوب غير المهضومة لكي يعددنها من جديد ليأكلها البشر ! وبعد أن هام نوتوهارا في حياة البدو، لا يتردد في إبداء تعلقه بالكاتب الكوني عاشق الصحراء:  《إن الكوني يقدم لنا وجها نادرا فريدا من وجوه الثقافة العربية، وبالتالي الشخصية العربية، وعلى هذا المستوى من الخطاب الرفيع، يستطيع العرب أن يحاوروا ثقافات العالم بامتياز عميق 》 ص/124 إنه اعتراف بمجهودات أديب سخر كل طاقاته الإبداعية في سبيل الصحراء، في سبيل هذا الكون اللامتناهي والذي لا حدود له، يا له عاشق، وعشقه يضاهي عشق نوتوهارا لحياة البدو الذين يقطنون على هامش الهامش، فالعرب مهمشون والبدو يسكنون على هامش الأرض العربية، فإذا كان الكوني المثقف المحلي الذي كلم المحروم من الكلام والذي هو البدوي، فإن نوتوهارا جاء من الأقاصي البعيدة لكي ينصت للبدوي، لكي يجعل من البدو قضية عالمية تتجاوز إقليمية الكوني، وعلى الرغم من ذلك، فنوتوهارا يعتبر الكوني وجها فريدا لكي يحاور العرب ثقافات العالم بدون الشعور بالنقص. لقد كلم الكوني الودان (كبش الجبل) وجعل منه مأوى للأسرار والغيب وحكمة الأجداد، كما جعل من أدبني (مقبرة أجداد الطوارق ) رمزا للولادة والبعث والنشور، كما بعث تانيت إلهة الحب في الأسطورة الطوارقية من موتها التاريخي، هكذا يجعل الكوني من لغة طوارقية أمازيغية-عربية مهمشة باعثة من جديد،  ويحلق بها نحو الكونية . لقد انهجس نوتوهارا بأعمال الكوني لأنها إنجيل الصحراء، نستمع لنوتوهارا يقول في الصفحة 130: 《هذه الصحراء تصبح مكان الفلسفة النفاذة، إن تراب الفلسفة في الصحراء هو الصمت》 واضح سبب هذا الهيام والتعلق، إن الصحراء حيث اللانهائي تلتقي مع الفلسفة التي تنشد المحال من خلال السؤال، على أرض الصمت و الإطباق، هنا وجد نوتوهارا ذاته بين أعمال الكوني وحياة البدو.

كاتب مغربي

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2018 © AMAD.PS