عادت الإشاعات عن صحة محمود عباس تفرض ذاتها..غياب كلي عن مقره وغياب عن الظهور العلني وتوقف حركة السفر..هل من حق الشعب معرفة حقيقة مرض "الرئيس"!

ما بين الثقافي والسياسي !!

ما بين الثقافي والسياسي !!
  • شـارك:
د. عبد القادر فارس

كثيرا ما اتسمت العلاقة بين السياسة والثقافة في منطقتنا العربية , بطغيان المشهد السياسي على الثقافي , وعلى الأخص خلال الخمسين سنة الماضية , التي عاصرها جيلنا على الأقل , وهي المرحلة التي أعقبت الهزة الكبرى , بالهزيمة العربية في حرب حزيران 1967 , بعد أن شهدت سنوات الخمسينات وحتى منتصف الستينات , بروز دور المثقف , على رغم وجود الحراك السياسي الذي أفرزته سنوات الاستقلال للعديد من الدول العربية في تلك الحقبة , حيث اعتمدت الحركة الثورية في تلك الفترة على النخبة الثقافية لتوعية الجماهير العربية وتعبئتها , وبرزت بقوة في هذا المجال حركة القوميين العرب , والأحزاب الشيوعية في المنطقة العربية , وحزب البعث العربي , حيث وقف على راس هذه الأحزاب ولجانها المركزية العليا , طبقات المثقفين , من كتاب وشعراء وأدباء واطباء وغيرهم من المثقفين, على الرغم من وجود النخبة العسكرية التي حكمت العديد من الدول العربية .
في تلك الفترة لم يكن أي وجود بارز للأحزاب والجماعات الاسلامية , ما عدا جماعة الاخوان المسلمين , التي حاولت أخذ دور وسط الوجود المكثف للقوى العلمانية , غير أن مواجهتها مع مصر الثورة , أفشلت محاولتها البروز , لأنها لم تكن تملك النخبة المثقفة الواعية , حيث انحصرت أفكارها بالدعوة والفكر الاسلامي " المنغلق " , في مواجهة الانفتاح الفكري والثقافي , الذي كان سائدا في تلك الفترة , وكانت الضربة القاصمة التي وجهت اليها في منبت الجماعة (مصر) , التي أبعدتها عن صراع الثقافي والسياسي بشكل كبير... تلك الفترة التي شهدت نهضة ثقافية في جميع أشكال الكتابة الأدبية من شعراء كبار , وادباء في القصة والرواية , والفن بأشكاله المختلفة من مسرح وسينما , وأيضا بدء البث التلفزيوني في المنطقة , حيث كانت كلمة المثقف مسموعة ونافذه ومؤثرة , غير أن النكسة التي أعقبت هزيمة حزيران , أوجدت أجواء مختلفة , وبروز العسكرة التي تسيرها السياسة , وهنا حدث الانقلاب بطغيان السياسي على الثقافي , وتراجع دور النخب المثقفة , حيث اصبحت اليد العليا للسياسة , وبات العمل بالسياسة هو الغالب , خاصة بعد أن انخرط أيضا الكثير من الطبقة المثقفة في العمل السياسي , بحجة أن المرحلة الآن للعمل العسكري والسياسي , للخروج من المرحلة السوداء التي أعقبت هزيمة حزيران , كانت هذه الصورة المشهودة في المنطقة العربية عامة .
أما في وضعنا الفلسطيني , والذي في منتصف الستينات انطلقت ثورته المعاصرة بقيادة حركة فتح , ثم لحقت بها الحركات والاحزاب القومية والعلمانية واليسارية , وشكلت ائتلافا سياسيا تمثل في منظمة التحرير الفلسطينية , فإن العمل الفدائي والعسكري كان هو الطاغي على العمل السياسي والثقافي , على الرغم أن من أطلق الثورة وقادتها هم اساسا من الطبقة المثقفة والمتعلمة , غير أن العمل العسكري والفدائي فتح المجال لانخراط قيادات وسطى لم يكن لديها الكثير من الوعي السياسي , او الثقافة الكافية , وعلى الرغم من محاولة القيادة ابراز الدور الثقافي داخل أطرها , إلا أن العسكري والسياسي ظل طاغيا ومسيطرا , ومع منتصف السبعينات , برزت وبقوة سيطرة السياسة على الثقافة , حيث انخرطت قيادة المنظمة في العمل السياسي بشكل واضح , مع تواصل العمل العسكري , بفعل الضربات والمؤامرات التي تعرضت لها قوى منظمة التحرير والوجود الفدائي في سوريا ولبنان , بعد الخروج الكبير من الأردن في بداية السبعينات , وظل هذا الوضع المتأرجح بين العمل العسكري والسياسي , في غياب الثقافي بشكل كبير , إلى عام 1982 , حيث الاحتلال الاسرائيلي للبنان , وخروج قوات الثورة من لبنان , وتوزعها في عدد من الدول العربية , وهنا كانت بداية غياب العمل العسكري , إلا من بعض العمل الفدائي داخل الا{اضي المحتلة , وهنا بدا المشهد السياسي بالبروز بقوة , إلى أن وقعت الانتفاضة الأولى عام 1987 , وبروز قوة جديدة في ساحة العمل العسكري والسياسي , بتشكيل جماعة الاخوان المسلمين , حركة المقاومة الاسلامية ( حماس ) , والتي لا يوجد في أطرها واطروحاتها أي وجود للعمل الثقافي , إلى أن وصلنا لمرحلة أوسلو عام 1993 , ثم قيام السلطة الفلسطينية , وهي المرحلة التي اتسمت بالعمل السياسي الغالب , وظل هذا الوضع قائما في محاولة من القيادة الفلسطينية لترسيخ الأوضاع السياسية والأمنية , بعد قيام حركة حماس بأعمال عسكرية لإثبات وجودها وتخريب اتفاق السلام , إلى أن قررت الانخراط في العمل السياسي ودخول الانتخابات , التي فازت بها بالأغلبية , ومن هنا بدا الغياب الكبير للمثقف في الأطر التي تقود المرحلة , وبروز قيادات لا تتمتع بأي خلفية ثقافية , حيث تقدم الصفوف في حركة حماس , من أنصاف المتعلمين , من يحمل صفة الداعية وشيخ الجامع والامام , والأمي في كثير من الأحيان , وهذه الطبقة لا يهمها أي عمل ثقافي , وهي مسيرة من طبقة سياسية عليا في جماعة الاخوان , وهكذا بدا المشهد الثقافي بالانحسار , خاصة بعد حدوث الانقلاب في غزة في صيف عام 2006 , , وعودة طغيان العسكري في غزة , مقابل طغيان العمل السياسي في رام الله , فكان هذا التراجع الكبير للمثقف والنخبة الثقافية , والمشهد الثقافي , , امام السياسي والطبقة السياسية الحاكمة المسنودة بقوى أمنية تدعمها , وتحافظ عليها , وعلى مكاسبها السياسية والمالية , فكان المشهد الثقافي الباهت في مواجهة السياسي الطاغي , على الرغم من محاولات بعض المثقفين تنشيط الوضع الثقافي بإقامة أمسيات وندوات بين الحين والآخر , في محاولة لإثبات الوجود ..ومن يريد أن يتعرف على الوضع المزري للثقافة في بلادنا , وخاصة في قطاع غزة , عليه أن يقوم بزيارة لمقر اتحاد الكتاب والأدباء في مدينة غزة , ليشهد الوضع البائس للثقافة , حيث لم يستطع القائمون من المثقفين هناك من أعضاء الأمانة للاتحاد تدبير الايجار البسيط للمقر منذ شهور طويلة , على الرغم من تواضع المقر , وتواضع المبلغ المطلوب.
نحن إذن أمام مشهد ملتبس , من تراجع الثقافي أمام السياسي بشكل مريع , ولا بد للنخبة الثقافية من تنظيم نفسها والمقارعة بقوة, من أجل عودة دور المثقف لقيادة المشهد , والتصدي لمرحلة هيمنة السياسي والعسكري والأمني السائد في الساحة الفلسطينية .

كلمات دالّة:

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2018 © AMAD.PS