مسيرة مقاومة الشعب ضد المحتلين الغزاة مستمرة..ومسيرة كذب فرقة "سوف العباسية" مستمرة..خطان متوازيان لا يلتقيان!

يا إلهي ابقه حلما

يا إلهي ابقه حلما
  • شـارك:
محمود حسونة

 التقطت بأطراف أصابعها الملاءة البيضاء النظيفة كما تلتقط زهرة وأزاحتها عن وجهه .
يا إلهي، ما هذا؟؟!! كان وجهه مشعا ومبتسما، وعيناه نصف مفتوحتين كأنه يغفو كم اعتاد على سريره مع النسيم وقت الظهيرة ، بدأ كأنه يحلم حلما سعيدا، أما شعره الفاحم فكان مخضبا بالماء والعطر كالعربس، ابتسمت ابتسامة واسعة وكأنها تحاول أن تشاركه حلمه السعيد، أحست بأنه يريد أن يهمس لها خجلا من الحضور، فانحنت برأسها نحوه فحضنها بيديه استمر ذلك لدقيقتين رغم ذهول الحاضرين!!! ثم قبل رأسها وما لبث أن عاد لهيئته الأولى!!! استمرت بالتحديق في وجهه فهي المرة الأخيرة وبعدها سيختفي للأبد!!! كانت تصارع صراخا وحشيا يزدحم في صدرها ويكاد أن يمزقه، لقد سهر الليلة الماضية معها وحدثها طويلا عن أحلامه البسيطة وطموحه المتفائل وهو في قمة الفرح، وحدثها عن دراسته وأصدقائه وذكريات طفولته البريئة، ومض ذلك في رأسها سريعا كحلم جميل بعثره الواقع المفجع الشاخص أمامها برعبه وفجيعته، وتذكرت والده الذي فراقها وهو يوصيها به، غاب الزوج ، وها هو وحيدها يغيب، وحيدها الذي شغلها وأشغلها عن كل شيء، لقد شغل حيزا شاسعا في حياتها!!!
ما زالت تقف بجانبه صامتة مرتجفة كتمثال عذاب، تنظر إليه بحدقتين متسعتين مخيفتين، ودموع لاهبة تنهمر وتقطرعلى وجهه، ثم أزاحت الملاءة عن صدره المفروش، كان هناك ثقب دقيق محاط بالسواد ، قالوا لها: أن رصاصة غادرة أحدثت الثقب، ومن ثم فجرت قلبه في الداخل ، ثم خرجت من ظهره، لقد كانت من مسافة قصيرة هكذا أخبرهم الطبيب!!! من الذي نهش براءته؟؟!! كانت تلك جملتها الوحيدة التي تلفظت بها!!!
مرت ثلاثة أيام بعد دفنه وهي صامتة باهتة لا تكلم أحدا من المعزين المواسين!!! لكن أحاديثهم التي يتبادلونها كانت تشغل الفراغ المحيط بها بالكاد تأكل وتشرب وتنام نوما سطحيا متقطعا!!!
في الأيام التالية وعندما خلا البيت من المعزين، بدأت تشعر بمرارة الفراق، وبالفراغ الكئيب الذي أحدثه غيابه المفاجئ، صارت تواجه قدرها وحيدة، وصار المكان فائض عن حاجتها، إنها وحيدة الآن مع قدرها وذكرياتها ولوعتها!!!
كل أشياء فقيدها كانت تستثير حزنها وبكاءها أكثر فأكثر، ملابسه، سريره الشاغر، أغطيته، وسادته، خربشاته على الجدران، أحلامه الحزينة التي فقدت صاحبها، صورته المعلقة على الجدار، حقيبته الجامعية وأكثر من ذلك رائحته التي تعبأ كل المكان !!! إنها تسمعها وتشمها كالطنين!!! وتطاردها كطيف !!!
على الذين يموتون أن يأخذوا كل أشيائهم معهم صرخت فجأة!!! إن بقاءها يديم اللوعة!!! لكن غيابها يحرمها الذكرى!!! إنها متنازعة بين نقيضين!!! ما فائدة الذكرى التي تثيرالأسى؟؟!! هل تستطيع البقاء على هذا الحال؟؟!! فما كان كان!!! لكن كيف يمكن إطفاء جذوة الحزن المتقد في ضلوعها وروحها ودمها وقلبها كيف؟؟؟!!
أخيرا قررت أن تتخلص من أشيائه ؛ لعلها تخفف وطأة الذكريات الحزينة!!!
أخذت تجمع كل ما يخصه وكدسته وسط فناء البيت!!! وعنما ذهبت لتنتزع صورته، رأته يطل منها مبتسما وقد بدت عليه علامات العتاب، وقفت أمامها شاخصة كأنها مصلوبة، ثم انتابتها حالة بكاء مرير تركتها هامدة بلا حراك، ما هذا العذاب؟؟!! أيعلم القاتل حجم العذاب الذي أهاله فوقها ؟؟!!!
عادت مرة ثانية تنظرإلى صورته، فرأته ينظر إليها بحب وشفقة، وسمعته وهو يقول :أمي الحبيبة، إني أخجل من دمعك !!! خذيني إلى حيث شئت، أغمضت عينيها الذابلتين ومدت يديها الراجفتين وانتزعت الصورة، ووضعتها مع كومة أشيائه وأشعلت النار في الكومة بسرعة مذهلة!!! لكنها أحست أنها هي التي تشتعل وأن النار تلتهمها فأخذت تصرخ صراخا ذبيحا وهي تحاول مسرعة أن تطفئ النار التي تحرقها وعندما خمدت النيران برزت لها صورته ولم يبق منها سوى عينيه الخضراوين وقد أغرقتهما الدموع فزادها حزنا على حزن !! إلهي ما هذا العذاب ؟؟!! كيف يمكنني مواجهة هذا الخراب ؟؟!! ثم جاءت بغطاء كبير وفرشته فوق ما تبقى من أشيائه، وهكذا اختفت عن ناظرها !!!
لم تعد ترى أشياءه !!! فهل خفت وطأة اللوعة ؟؟!!
إن رائحته تعبأ المكان، رائحته تعشش في كل ناحية، رائحته تعشش في قلبها ؟؟!! يا إلهي ما السبيل للخلاص !!!
بكت حالتها الملتبسة، بكت فقيدها، بكت وحدتها ، بكت من جنونها !!! بكت قدرها!!!! بكت في نومها!!! بكت في يقظتها!!! إنها وحيدة مع رائحته مع ذكرياته ومع أشيائه !!!
ثم خطرت ببالها فكرة!!! عليها أن توهم نفسها أن ما حدث هو حلم ،حلم مثل الأحلام المزعجة!!! ولكنها مستيقظة!!! كيف يمكن أن يكون حلما في يقظة؟؟!! فأخذت تحلم أنها نائمة وهي يقظة حتى تشعر أن ما حدث مجرد حلم!!! وتريد أن تستيقظ حتى يتلاشى هذا الحلم المفجع !!! ولكن كيف يمكنها أن تتوافق مع الحالتين المتناقضتين ؟؟!!! حالة الحلم المريع، وحالة الصحو المريعة!!!
تستند بجسدها المتهالك على الجدار كلوح خشبي جامد!!! وتحلم أنها نائمة ثم تستيقظ لتطرد الحلم المفزع ، فيصدمها الواقع الذي تمنت أن يكون حلما !! فتعود لتحلم أنها نائمة، وأنه حلم!!! تريد أن تستيقظ من نومها ليتلاشى الحلم الحزين ، ولا تريد أن تستيقظ لتبقى تظن أن وقعها حلم !!! ظلت متنازعة بين الحالتين حالة النوم وحالة اليقظة!!!
حتى عثروا عليها ميتة وهي واقفة !!!

كلمات دالّة:

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2018 © AMAD.PS