رحل خيري منصور كان "خليطا غريبا" من الأدب والصحافة..كاتب بمذاق خاص صوته أقل كثيرا من قلمه.. رحل دون ضجيج كما حياته الشخصية لكنه ترك موروثا كله ضجيج في حب الوطن، كتب كما يرى وليس لمن يريد أن يرى..سلاما يا خيري!

أشواك البراري وتخطّي الطفولة الذبيحة

أشواك البراري وتخطّي الطفولة الذبيحة
  • شـارك:
إسراء عبوشي

صدر كتاب أشواك البراري للأديب المقدسيّ جميل السلحوت مؤخّرا عن مكتبة كل شيء الحيفاوية، ويقع الكتاب الذي يجمل غلافه الأوّل لوحة للفنّان التّشكيلي محمد نصرالله في ٢١٤ صفحة من الحجم المتوسّط.

لأول مرة أرى منّ يلصق للطفولة صفة الذّبح بقوله " طفولتي الذَبيحة" كان ذلك عندما شرفني الأديب: جميل السلحوت بالحديث عن سيرته الأدبية في حفل توقيع كتابي، بحضور الأديبة " ديمة السمان"، كان يسرد سيرته الأليمة بأسلوب هزلي مدهش، أثار إعجاب الحضور ، يدلّ على أنه تخطى تلك المرحلة وخرج منها منتصرا.

ذبح طفولته في معركة الحياة ليعيش وعي المرحلة، ويسرد جهل وتخلف ومرارة ذلك الزّمن، يعيش وما الموت -كما ذكر- إلا نجاة من واقع أشد مرارة من الموت.

في ( أشواك البراري) أثبت الأديب جميل السلحوت لمن يعرفه، ومن لا يعرفه قدرته على تخطي الجراح ومدى قوّته، فكل منّ عاش حياة أليمة يعزف عن الكلام عنها، حيث أن الألم أحيانا  أصعب من أن يقال، وتذكّر ما تجاوزه المرء يعيد بعثه في النّفس من جديد، فهل شفي كاتبنا من جرحه، حين يتكلم عنه بروح طلقة تركض في البراري ، رغم الأشواك ؟

أم أن الكاتب ملك للنّاس، لم يكن كالماس ثمينا إلا بعد أن صهرته الحياة، وشكّلته جوهرة يتناولها القاريء فتبرق في عينيه.

أم من ناحية إنسانيّة ومهنيّة، يجب أن يوثّق ككاتب مرحلة مضت من حياة الشّعب الفلسطينيّ، سياسيّا، اجتماعيّا، اقتصاديّا وتراثيّا.

بأسلوب مشوّق تحفّه البساطة سرد الأحداث، وتنقّل من حدث لآخر بترابط وسلاسة، انتقى الكلمات البسيطة وأدرجها في عمق المعنى، فكان لكلمة " إمبو" ولأنين العمّ خضر وقع الصّاعقة على القاريء، ولك أن تتخيّل ويضيق صدرك  يضيق وأنت تتخيّل طفلين يجريان  في البراري بلا هدى، في رحلة البحث عن حضن الأمّ التي اعتادا على النّوم في دفئه كلّ خميس، وهي العطلة الأسبوعية للمدارس، طفل لم يكمل السّنة الثّانية من عمره يرافق شقيقه ابراهيم ابن الثلاث أعوام، لوحدهما بعد أن رحل والداهما الى منطقة الكرك في ترحالهما المعتاد بحثا عم الماء والكلأ، وحين كان في الصّفّ الأوّل وشقيقه إبراهيم في الصّفّ الثّاني، ينتهي الدّوام عصر يوم الخميس ويذهبان راكضين إلى البرّيّة ليناما ليلتهما في حضن الأمّ، وعندما يعلمان برحيلها، يواصلان سيرهما راكضين عبر "واد الدّكاكين" حيث الكهوف الكثيرة، الى أن وصلا " الزرانيق" وهي منطقة شديدة الوعورة تكثر فيها الضّباع والذّئاب، هبطا الجبال المرتفعة  حتى أشرفا على "البقيعة"، إلى أن وصلا ليلا إلى خيمة رجل أشفق عليهما وأخذهما على ظهر حماره إلى أهلهما، لقضاء يوم في حضن الأمّ، والعودة إلى المدرسة في اليوم التالي، تلك القصّة التي يجب أن تُدرّس في المدارس لما تحتويه من مضامين وقيم وأخلاق وحرص على الدّوام والتّعليم.

نعم تجاوز الشّيخ الكاتب تلك الحياة محاربا العادات والتقاليد رافضا لها، منطلقا بفكر نيّر يثري الحياة ، هناك جوانب كثيرة في " أشواك البراري" ويجب أن تُثار من خلال مضامينه الكثير من الدّراسات، ولكنها تبقى الطّفولة فقط من سيرة جميل السلحوت، فما بالكم بالشّباب حيث بداية انطلاقة الطّموح وتحقيق الأهداف؟

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2018 © AMAD.PS