عاشت حماس على مظلوميتها ومقاومتها كثيرا...ونجحت في استقطاب الكثيرين...لكنها اسقطت كثيرا جدا خلال أيام معدودة ما ربحته في سنوات عديدة...معقول طلع "حبل الكذب قصير"!

الزعيم الوطني وبنت العميل

الزعيم الوطني وبنت العميل
  • شـارك:
د. محمود خليل

شارك سعد زغلول فى ثورة عرابي (1882)، وكان عمره 22 عاماً (من مواليد 1860)، يحلم بمجتمع أكثر مثالية ينال فيه الفلاحون -أصل البلاد- حقوقهم، ويتخلصون من التمييز السلبى الذى يمارَس ضدهم لصالح الأكراد والجراكسة وكل أجنبي تطأ قدمه أرض المحروسة. ثورة عرابي كانت ثورة فلاحين بامتياز، لذا كان من الطبيعي أن ينخرط فيها «سعد» الفلاح المصري الذي يمور شبابه ويفور بالكثير من الأحلام والمثاليات. تكالب الجميع على ثورة عرابي: الإنجليز والأتراك والسراي، فهُزمت هزيمة ساحقة، ولدت في نفوس الكثير من المصريين المؤيدين لها إحساساً عميقاً باليأس والإحباط، ناهيك عما تسببت فيه من شق في الصف الوطني، إذ ظهر من بين المصريين حينذاك مَن رأى فى الثورة كارثة على مصر، ولم يتوقف هذا الرهط عن لعن عرابي والعرابيين، حتى بعد أن أصبحت الثورة مجرد ذكرى.

كان الشاب سعد زغلول من أشد المناصرين لعرابي، والأرجح أنه كان ضمن المجموع التي سقط في دائرة اليأس والإحباط بعد فشل الثورة واحتلال الإنجليز لمصر. في سياق هذه الحالة نستطيع أن نفهم الاعترافات الشجاعة التي سجلها سعد زغلول في مذكراته من أنه كان يعاقر الخمر ويلعب «القمار». وماذا يمكن أن ننتظر من شاب محبط؟. أكثر من هذا بدأ الشاب يفكر في مستقبله بصورة أكثر واقعية، وقد تعلم من الثورة التي شارك فيها أهم درسين في حياته: أولهما أن العاقل يجب ألا يفتح على نفسه أكثر من جبهة كما فعل عرابي حين وقف ضد الإنجليز والخديوي والسلطنة فتحالف ضده الجميع حتى قضوا على حركته، وثانيهما أن للواقع حساباته الأشد تعقيداً عند مقارنتها بحسابات الأحلام.

تحول «سعد» بعد ثورة عرابي إلى شاب واقعي يفكر في مستقبله العملي وطموحه الشخصي. واختار لنفسه حلم الوصول إلى مقعد الوزير. ولا نستطيع أن نقرر على وجه التحديد هل كان سعد يبحث عن هذا الحلم على سبيل الوجاهة أم رغبة في الإصلاح. بدأت رحلة تحقيق الطموحات بزواج «سعد» من «صفية هانم فهمي»، ابنة واحد من أكبر أصدقاء، وإن أردت الشطط قل عملاء الإنجليز، وهو مصطفى باشا فهمي. حين تقدم سعد لـ«صفية» كان «مصطفى» رئيساً لوزراء مصر، وكبيراً لعائلة إقطاعية معروفة ذات جذور تركية. رفض الأب فى البداية أن يزوج ابنته من هذا الفلاح القادم من قرية «إبيانة» رغم أن أسرة سعد كانت تحوز أطياناً وأراضي بمساحات كبيرة. تدخل قاسم أمين فتوسط بين سعد ومصطفى باشا حتى اقتنع الأخير لتتم الزيجة.

يتوقف الكثيرون أمام هذه المفارقة التي جعلت سعد يصاهر واحداً من كبار عملاء الإنجليز في مصر، ثم يقوم بعد ذلك بقيادة المصريين في أكبر ثوراتهم ضد الإنجليز. وفي ظني أن الأمر لا يعبر عن مفارقة قدر ما يعكس واقع التحول الذيطرأ على شخصية سعد زغلول بعد فشل ثورة عرابي. فقد آثر صداقة الإنجليز على عدائهم، وعلاقة زعيم الأمة باللورد كرومر معروفة، ولم يمتدح كرومر أحداً في خطبته الأخيرة قبل أن يغادر مصر إلا سعد زغلول. وفيما بعد كان سعد على رأس المستقبلين لأول مندوب سامٍ بريطاني يفد إلى مصر بعد فرض الحماية عليها عام 1914، في وقت كان الشعب يرفض وضع مصر تحت الحماية الإنجليزية رفضاً تاماً.

التحولات التي شهدتها شخصية سعد من ثائر ضد الإنجليز عام 1882 إلى صديق للإنجليز وصهر لأكبر عميل لهم تؤكد أنه أصبح مسوقاً بطموحاته فى الوصول إلى حلمه الشخصي الأكبر والمتمثل في الجلوس على مقعد الوزير، بل وربما حلم أكثر بالجلوس على مقعد رئيس وزراء مصر. ولا نستطيع أن نحدد بشكل دقيق الدرجة التي تدخلت بها خطوة زواجه من صفية هانم في تأكيد وتغذية أو إنشاء هذا الحلم.

عن الوطن المصرية

كلمات دالّة:

» اقرأ ايضاً

AMAD MEDIA   أمد للاعلام
  • فيس بوك
  • تويتر
  • ار ار اس
  • قوقل +
جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام 2019 © AMAD.PS