كيف نحارب الفساد؟

09:49 2019-05-20

د. حنا عيسى

قال صلى الله عليه وسلم «لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي المال» [رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح]، فالدنيا دارُ من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له، وفي هذا يقول الناظم:

أموالنا للميراث نجمعها .. ودورنا للخراب نبنيها

(يُعدُّ الفساد السّبب الأوّل في تَخلُّف الشّعوب ودمار الدّول والحضارات وزوالها ، فهو يؤدّي إلى فُقدان الدّولة لعناصر التّوازن ، مما يُؤدّي إلى سهولة السّيطرة عليها ، وبالتّالي انهيارها)

(فاسدون ضد الفساد ، وأغبياء ضد الجهل ، ومنحرفون ضد الرذيلة ، تلك معالم مشهد بات يتكرر بانتظام)

(عش جاداً ، لا تشاهد الأفلام الغبية حتى لو ترغب ، لا تقرأ عن الفساد في الصحف ، لا تستمع إلى الراديو والتلفزيون ، لا تضيع حياتك بالثرثرة)

يعتبر الفساد افة المجتمع ، فهو افة تتغلل في كافة مناحي الحياة اليومية، بداية من الأسرة التي تميز بين فرد واخر، وتحابي لنفر دون سواه، مرورا بالمدرسة التي يكون لها الدور الأكبر في زرع الفساد والخراب في نفوس الطلبة من خلال التمييز والمحاباة وتفضيل طالب على اخر دون سبب لمجرد قرابة أو مصلحته مع أستاذ ما، وإذا ما توسعت الدائرة نرى الفساد يكبر أكثر وأكثر، ففي الشارع أشكال وألوان من الفساد، فشرطي المرور يخالف شخص ويترك اخر فهو صديق له، والتاجر يغش بمكياله، والصانع يلعب بمعايير مواده، وإذا ما وصلت للشركات والدوائر الحكومية والخاصة ترى فنوناً رائدة في الفساد... فالفساد يدمر جهود التنمية ويزيد الفقراء فقراً والأثرياء ثراءاً وتنعدم العدالة الاجتماعية، فلا عدالة مع الفساد، بل ولا تنمية في ظل الفساد.

وكان الفساد لا سيما المالي منه أول المظاهر السلبية التي عالجها الإسلام منذ بداياته ، فشن حرباً لا هوادة فيها على الاستغلال والاستعباد وتطفيف الميزان والغش والاحتكار والسرقة والرشوة والربا والاغتصاب، ومن ثم التعدي على المال العام وغير ذلك، واستمر في محاربة الفساد بكل أشكاله وألوانه، وقد وضع التشريعات القانونية التي تمنع كل مظاهر الفساد المالي، فحرم السرقة، فقال تعالى:" السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا" سورة المائدة اية 38، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إن رجالاً يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة".

والمسيحية وقفت ضد الفساد وحاربته بكافة أشكاله، فجاء في الوصايا العشر حسب الدين المسيحي التي انزلها الله على النبي موسى "لا تسرق"، وفي كتُب العهد الجديد نجد موضوع الفساد حاضراً. فيوحنا المعمدان الذي كان يعلن، بحسب نبوءة أشعيا، اقتراب ملكوت السماوات وقدوم المسيح، كان يعظ بالتوبة كل من يأتي إليه لينال المعمودية.. وها هو يجيب جباة الضرائب الذين «قالوا له: يا معلِّم، ماذا نعمل؟ فقال لهم: لا تجمعوا من الضرائب أكثر ممَّا فرض لكم» (لو 3/13). وفي الاتجاه نفسه يقول للجنود: «لا تظلموا أحداً ولا تشوا بأحد، واقنعوا بأجوركم» (لو 3/14). وفي الحالتين يمكن إجمال تعليم يوحنا لهؤلاء الموظفين بأن يتجنبوا الفساد وأن يبقوا في حدود ما تتطلبه منهم واجبات وظائفهم: الواجب كل الواجب ولا شيء أكثر من الواجب. وتوبتهم بهذا المعنى تصير قائمة في تحقيق الأمانة لواجباتهم... كذلك تشهد رواية "سمعان الساحر" الذي حاول أن يعرض مالاً على الرسولين بطرس ويوحنا لكي يحظى بموهبة استدعاء الروح القدس بوضع الأيدي (رسل 8/8-24)، على النموذج الأول لإحدى أكثر ممارسات الفساد التي ستعاني منها الكنيسة عبر العصور (السيمونيَّة)، والتي لم تفتأ تهدِّد نقاوة حياة الجماعة المسيحيَّة ومصداقيَّة شهادتها للإنجيل. هنا أيضاً يُعلن بطرس بعنف بارز حكماً قاطعاً يتجاوز القاعدة الأخلاقيَّة، لأنَّ الأمر يمسُّ قيمة المواهب الإلهية ذاتها: «إلى جهنَّم أنتَّ ومالك، لأنَّك ظننتَ أنَّك بالمال تحصل على هبة الله!».

فالفساد: مصطلح يشير، بشكل عام، إلى حالات انتهاك مبدأ النزاهة وقيمها ومعاييرها، ويعرف الفساد السياسي، وهو أحد مظاهر الفساد أو أحد مجالات الفساد العديدة، بأنه استخدام لسلطات مشروعة من قبل مسؤولين حكوميين لغرض تحقيق مكاسب خاصة غير مشروعة، كذلك سوء استخدام سلطات الحكومة لتحقيق أغراض أخرى تصب في المصالح الشخصية، وليس هناك تعريف محدد للفساد بالمعنى الذي يستخدم فيه هذا المصطلح في الوقت الحالي، لكن هناك ثمة اتجاهات متعددة تتفق في كون الفساد «إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة للكسب الخاص»، ولكن هذا فقط أحد مظاهر أو مجالات الفساد . وإذا انتشر الفساد كما هو الحال الآن في بعض المجتمعات التي ابتعدت عن حظيرة الدين وعن مظلة الإيمان كان ذلك من صنع الناس ومن أيديهم كما في قوله عز وجل: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} (الروم: 41)، فالفساد يكون من صنع البشر ومن أعمال الناس.

والفساد تكثر صوره وتختلف أساليبه، فمنه الرشوة، الابتزاز، المحسوبية، المحاباة، الوساطة، الاختلاس، الأعمال الاجرامية، غسيل الأموال، تهريب الأموال، التهرب من الضرائب، الاتجار بالبشر، سرقة الاثار، تعاطي المخدرات، التزوير، والتزييف... وجميع ما ذكر يضر بالفرد أولاً، والأسرة ثانياً، والمجتع ثالثاً، يؤدي الى الحقد والضغينة، وتفاقم الكراهية، ويتنامى الظلم ما ينتج عنه مجتمع مفكك غير اّمن، فتتزايد حالات الإفقار وتراجع العدالة الاجتماعية وانعدام ظاهرة التكافؤ الاجتماعي والاقتصادي وتدني المستوى المعيشي لطبقات كثيرة في المجتمع نتيجة تركز الثروات والسلطات في أيدي فئة الأقلية التي تملك المال والسلطة على حساب فئة الأكثرية وهم عامة الشعب.

ومن هنا أتوجه بدعوة الأسر والمدارس والتي تعتبر اللبنات الأولى في التربية والتنشأة إلى تربية الأبناء والأطفال على قيم النزاهة والعدل والمساواة، وأثر الفساد على خراب وتأخر المجتمع، والعمل على تحصينهم من  اّفة الفساد، كما وأتوجه بدعوتي إلى كافة شرائح المجتمع من الطالب للمدرس أو المزارع او العامل وصولاً لكافة المسؤولين من مدراء ووزراء إلى توخي معايير النزاهة والوطنية المتمثلة بالنزاهة والشفافية والمساءلة والحاكمية الرشيدة. حيث إن مكافحة الفساد مهمة إنسانية أخلاقية دينية شرعية على الجميع المشاركة فيها،  وذلك من خلال :

1-    التربية الدينية الصحيحة في البيت والمدرسة والجامعة: عن طريق غرس أصول الدين منذ الصغر، فهذه هي القاعدة الأساسية لمحاربة كافة أنواع الفساد والإفساد، فغياب الوازع الديني هو الأصل في الوقوع بالمفاسد والمحرمات.

2-    التحلي بالقيم والأخلاق الحميدة التي تجعل الفرد بناءا في مجتمعه.

3-    العبادة الواعية وليست المغالية والسير على القيم الإيمانية السمحاء كمحصنات ضد الفساد المجتمعي.

4-    تحسين الظروف المعاشية لأفراد المجتمع.

5-    التوعية المجتمعية لهذه الظاهرة الخطيرة وتداعياتها وتأثيرها على المجتمع واخلاقياتهم.

6-    وضع نظام حماية  و مكافأة لمن يقوم بالتبليغ عن حالات الفساد.

7-    وضع الشخص المناسب في المكان المناسب بالاعتماد على الكفاءة والابداع العلمي.

كلمات دلالية