توصيف المشهد الفلسطيني وقراءة في الوضع القائم لإعلان صفقة القرن (2)

تابعنا على:   13:13 2019-05-21

د. محمد كامل شبير

نص المقال قمت بنشر الجزء الأول من توصيف المشهد الفلسطيني وقراءة في الوضع القائم لإعلان صفقة القرن (1) والأن ننتقل للجزء الثاني:
المشهد الفلسطيني الفلسطيني وتداعياته:
أولاً: مشهد السلطة الفلسطينية والتي تترأسه حركة فتح:
لا أريد أن أسهب في ما أبدعته الثورة الفلسطينية بقيادة منظمة التحرير، والتي تضمنت كل القوى الثورية الفلسطينية؛ بقيادة أبو عمار في الأردن وبيروت وغيرها من مواقع الثورة الفلسطينية؛ لمشاهد النضال والبسالة ضد المشروع الصهيوني خارجياً وداخلياً، وما هو كم الشهداء والجرحى والأسرى؟، وما شكلته من حالة ثورية؛ تمددت في جميع ميادين الشعب الفلسطيني عبر عشرات السنين، كانت محصلة القتل، التشريد، النضال، والقتال؟ مشروع أسلو؛ الذي أرسى بظلاله باختزال الثورة الفلسطينية في كيان السلطة الفلسطينية؛ التي أقرت بنبذ العنف ونزع السلاح، والاعتراف بالكيان الصهيوني، والاعتراف بكل الاتفاقيات والمعاهدات مع منظمة التحرير الفلسطينية.
فكانت المحصلة الإجمالية لاسترداد الحقوق عند حركة فتح في أمرين؛ المقاومة السلمية؛ والتفاوض، هذا المشهد شكل حالة التغطرس الصهيونية؛ وأنتج الابتلاع للأراضي الفلسطينية في حالة من التمدد الصهيوني السرطاني لأرض فلسطين، كما أن حالة الانفصال لدولتين، بات وراء ظهر الكيان؛ وشكل حالة من المحاكاة للقيادة الفلسطينية الدائمة؛ كيف السبيل والمخرج؟، فسعت جاهده تضرب في بطون الصخور وفي أعماق نتائج التجربة التفاوضية لتدويل القضية؛ والاعتماد على قرارات الأمم المتحدة، والتوجه نحو الإتحاد الأوروبي، واستخدام القانون الدولي؛ والمطالبة من خلاله لنيل حق الاستقلال، لعلها تخرج بدولة فلسطينية كأمر واقع؛ وهذا بعد التغول الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية، والتي لم يتبقى منها في الضفة الغربية حوالي 7.9% أراضي ممزقة ومفتته من مجمل فلسطين، ومازالت قيادة السلطة تعاني في استرداد الحق العام المتمثل بالتحرير، وهذا أضحى بعيد المنال، أما على أقل التقدير تسعى قيادة السلطة دولة من طرف واحد؛ دون الاعتراف من قبل الكيان بها، فملخص المشهد الدرامي والدامي؛ الدرامي بين السلطة والكيان الصهيوني، والدامي بين فتح وحماس، إلا أن القيادة بقيادة فتح حققت الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل للشعب الفلسطيني، دون الاعتراف من قبل الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني الشرعي في أرضه، وهذا من أخطاء القيادة الفلسطينية، عندما فرحت مقدماً بأن منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبقت المعاهدات والاتفاقيات تعطي حق شرعية الكيان الصهيوني؛ دون التزام العدو بالحقوق التي تعطي الشعب الفلسطيني في أرضه، وهذا جعل التلاعب من قبل العدو؛ وشكل حالة الذهاب لديه بنكس الاتفاقيات، والمماطلة في إعطاء الحقوق، فالقيادة الفلسطينية تدرك بالخطأ الاستراتيجي في توقيع اتفاقية أسلو، بدليل أنها لوحت في أكثر من مرة بإلغاء الاتفاق، وإلغاء المنتج الأصلي له (السلطة الفلسطينية)، الذي سببت النزاع الفلسطيني الفلسطيني، وحالة الانقسام والتشظي المر الذي حصل بين حركتي فتح وحماس لحتى اللحظة، وخاصة بعد حالة الملاكعة والملاوعة السياسية في المفاوضات المباشرة؛ بين الطرف الفلسطيني والكيان الصهيوني، والكل يعلم أن المفاوضات وصلت لسد منيع، حتى أصاب المفاوض الفلسطيني حالة من العزوف مختلطة بالصدمة لما آلت علية الأمور، بل أصبحت أداء من أدوات الكيان الصهيوني يستعملها في تحقيق التنسيق الأمني فقط، كما أن حالة العنجهية والتغطرس الذي يستخدمها العدو في مفاوضاته، وخاصة لا يوجد طرف ثالث؛ ولا يوجد عناصر القوة للضغط من طرف قيادة السلطة على نيل الحقوق، وهذا شكل عاملاً ناجحاً و مهماً للعدو؛ وهو اللعب على عامل إطالة الزمن في فرض التغول الاستيطاني السرطاني في الضفة الغربية، وعاملاً رئيساً في فشل القيادة في تحقيق نتائج أسلو؛ وأبرزها حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني بعد أربعة سنوات من توقيعه على دولة بنسبة 23%، وذلك في دولة فلسطينية مستقلة على حدود ال67، لكني أعتقد أن القيادة في رام الله لا تستطيع إنهاء عملية أسلو بمنتجها السلطوي؛ لأسباب عده منها:
1. أنها واقعة تحت الاحتلال، فهي باعتقادي غير جاهزة للألم والعنت والتشريد والسجن مرة أخرى، فالنضال السياسي هو الهدف بعد إلغاء النضال الكفاحي، فسقوط نظرية الكفاح المسلح لدى حركة كبيرة على الساحة الفلسطينية فتح؛ هو أهم نتائج الفوز لصالح الكيان الصهيوني.
2. كما أن المكاسب السياسية والنفعية وراء كرسي السلطة بات حاضراً في الذهنية للقيادة، فالنفسية العقلية لدى قيادة السلطة لن ترضى أن تتصور سوى مقاعد في السلطة أو في أي منصب آخر دون الالتزام الأخلاقي بتحقيق المطلوب منه التزاماً.
3. كما أن الإلغاء التدريجي لكينونة منظمة التحرير الفلسطيني وتبديله بدور السلطة الفلسطينية؛ لهو عامل مهم في تقييد وتقويض التجربة لدى فتح، بمعنى تجاهل أعضاء منظمة التحرير الفلسطيني طيلة الوقت الماضي؛ شيئاً يثير الاستغراب في مشاركتهم في إبداع حلول للمحافظة على المشروع الوطني التحرري بحد قولهم، كما انه يعني أن دور منظمة التحرير تم إلغائه بمجمل المحصلة، وبمجرد توصلت إليها المنظمة للاتفاق المشؤوم ووقعت عليه، وكأن الدور المناط بها تم بامتياز، وعليه يجب أن تبقى في حالة من الغيبوبة السريرية؛ حتى يرتسم له دور آخر في استجلاب المناهضين من الحركات والتنظيمات الأخرى، فتدخل كل الجهات لإنعاشها مرة أخرى وهذا ما نخشاه، ومن ثم الدخول في ممارسة السياسة تحت سقف السلطة الفلسطينية، والتي باتت فاشلة في تحقيق الدور ألإدعائي لها في التحرير.
4. كما أن حالة الإهتراء والتمزق في وسط الجهات العربية الرسمية واضح، بل ذاهب للتطبيع المباشر كما ذكرنا، لكنها باعتقادي حركة فتح أنها بحاجة لتقديم كشف حساب ومراجعة وتقييم للتجربة التفاوضية بكل جدية.
5. كما أنها ما زالت بحاجة لتكتيكات جديدة، وأدوات إبداعية في تحقيق حلم الدولة الفلسطينية، وهذا ليس سهلاً في حالة الارتباك للمشهد الفلسطيني، وحالة التشابك الإقليمي والدولي في ظل التبعية للنظام الدولي الجديد، وحالة الاستقرار لدى الكيان الصهيوني بعدما أنتج دولة المستوطنين، وخاصة بعد إضافة عامل رئيس؛ يزيد من عبء التفكير والتحديات لدى قيادة السلطة الفلسطينية؟؛ والذي يتجلى في الانقسام الدائم والمستمر والذي يحتاج إلى أحجيات وتحليل معادلات لغوراتمية لعلها تنتج الحل وهو الانقسام البغيض وما نتج عنه من حصاد مر، فإذا ما بقي الانقسام كيف السبيل لمواجهة صفقة القرن؟.
رغم أنني ككاتب لهذا المشهد أؤكد على أن الدولة الفلسطينية بكل أشكالها على ال67، أو دولة فلسطين نتاج سياسة الكيان الصهيوني السرطاني، وفرضه لأمر الواقع لدولة فلسطينية ممزقة في كنتونات أو سمها ما شئت؛ إمبراطورية فلسطين العظمى في وجود الاحتلال الصهيوني الكولونيالي السرطاني، مرفوض جملة وتفصيلا، وعلينا كطلائع فلسطينية مواجهة كل مشاريع التصفية؛ وعلى رأسهم صفقة القرن، بالأرواح والأجساد ونسعى جاهدين بتفعيل كل أدوات النضال، وممارسة كل وسائل المقاومة لوقف صفقة القرن؛ من ضمنها كمفاعيل قوية ومجربة تؤدي إلى عدم الاستقرار الأمني لدى العدو؛ هي إعلان القيادة الفلسطينية لانتفاضة شعبية ثانية؛ تجوب كل شوارع الضفة الغربية، وتجهيز قيادة واحدة لإدارة الصراع؛ دون الالتفات للبرغماتية لدى أطراف الاختلاف كفتح وحماس، فإن كان ولا بد للبرغماتية فلتجمع نحو الكل الجمعي النفعي، ولتكن الغاية المنشودة للكل الفلسطيني منها هو التحرير، ونيل الحقوق على كافة الأرض الفلسطينية، وتبقى فلسطين هي الدولة، وليست الدولة الفلسطينية بمقياس الكيان الصهيوني وحلفائه، والسعي إليه دون السعي لتحقيق مكاسب شخصية؟. 
ما قامت به فتح من الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني، وما تم من إنتاج السلطة الفلسطينية:
1. شكل حالة من إدارة الظهر من قبل الأنظمة العربية، وحقق شرعنة المشروع الصهيوني في المنطقة، إن إدارة الظهر من قبل الجهات الرسمية ليست وليدة اليوم؛ بل منذ أن تكونت منظمة التحرير، وبذلك صفقنا فرحين بأول انتصارات منظمة التحرير على أن القرار فلسطيني خالص، فمن هنا استراحت الأنظمة العربية، وأخذت نفسا عميقا بالنسبة للقضية الفلسطيني التي أصبحت في حلولها قراراً فلسطينياً خالصاً بعيد عن مجموع الأمة المكلفة بتحريرها وتوجيه طاقاتها الجمعية صوب تفتيت المشروع الصهيوني.
2. كما شكل حالة من انفصال القضية الفلسطينية؛ كقضية مركزية للأمة العربية والإسلامية؛ انفصالاً تاماً عن الشعوب العربية والإسلامية، فعليه انحسر العنصر الرئيس (الشعب الفلسطيني) في مواجهة التحديات أمام الكيان الصهيوني وهو أحد أبرز أهداف المشروع الصهيوني عالمياً، وانكفأ على نفسه أمام حالة الانطلاقة للمشروع الصهيوني في المنطقة، والذي مارس بكل قوته تدجين الأنظمة الرسمية والدخول في توظيفها لمشروعه، رغم ذلك تبقى الشعوب حرة لا تلين ولا تستكين أمام حالة الاستشراس للمشروع الصهيوني الذي بات مرئي لكل الشعوب العربية والإسلامية. 
3. كما أن السلطة الفلسطينية تركت تحل قضاياها بنفسها في إطار سياسي فاقد لمصادر القوة، فالقيادة الفلسطينية تنعمت بالسلطة قليلاً، مقابل تركها لأعظم ميراث مسلكي وهي مبادئ الثورة والكفاح، بل اعتمدت كل الاعتماد على الوسيط الأمريكي في استرداد الحقوق، بل وذهبت إلى أبعد من الاعتماد وهي مراهنتها على أن الوسيط الأمريكي سيحمي الحقوق المتفق عليها، هذا الاستسلام كان كالميت بين يدي مغسله، فكانت النتيجة صادمة في الاصطفاف الجائر مع العدو، بل قطع المعونة جزاءً وفاقاً لها.
4. كما أن السلطة حرصت كل الحرص على الوفاء بالاتفاقيات مع العدو؛ وعلى رأسه التنسيق الأمني، فكان في المقابل التسويف والمماطلة، وتحقيق اكبر قدر من التغول الاستيطاني وقضم الأراضي.
5. كما أن السلطة في بدايتها شكلت ظاهرة في الفساد الإداري والمالي، وهذا شكل حالة تمرد في داخل حركة فتح، وتشكلت على إثر ذلك لجان المقاومة الشعبية، وهي تابعة لفتح في حين نشأتها، وأفضت متحالفة مع حماس في نهاية المطاف، فتجربة لجان المقاومة الشعبية بأجنحتها العسكرية بقيادة أبو عطايا وأبو يوسف ثرية بمسلكيات ثورية، وفعل نضالي تراكمي، ومثلت الجزء المهم في الحفاظ على جذوة المقاومة، وتطلع لتفتيت المشروع الصهيوني الكولونيالي بكل أدوات الصراع والمقاومة. الجدير بالذكر أنها تجربة رائدة ولكن ينقصها التدوين والتقييم والتقويم.
ما قامت به فتح في إرساء قواعد لسلطة فاقدة لمعطيات التحرير، أليس حري بها وقيادتها تقديم كشف حساب؟، ومراجعة كاملة للمشروع وتراكمية التجربة الذي أفضى إلى تصفية القضية؟؛ وأمام مشاريع خطيرة داعية لأن يكون الحاكم في المنطقة هم اليهود؟؟؟...يتبع

اخر الأخبار