بيوت العبادة مدارس تربوية

تابعنا على:   17:35 2019-06-20

عمر حلمي الغول

أماكن العبادة لمختلف الأديان السماوية، هي أماكن تعبوية وتربوية، يقوم رجال الدين اليهود والمسيحيون والمسلمون في اللقاءات اليومية أو الإسبوعية بالقاء خطب دعاوية تهدف إلى نشر الوعي الديني في صفوف الأجيال الجديدة، وترسيخ المرسخ في وعي الأجيال المؤمنة من خلال إستحضار الماضي، وتكرار الدروس عن الأنبياء والرسل والأسباط، كل وفق تعاليم دينه، ومدرسته، أو فرقته، أو طائفته ومذهبه، وغالبا تنصب الخطب الدينية على التحريض على ألاخر، إن كان من داخل فرق ومذاهب وطوائف الدين الواحد، أو ضد اتباع الديانات الأخرى، ووفق أهواء الحاخامات والقساوسة والشيوخ والنساك.

ونادرا ما تجد شيخا أو مطرانا، أو حاخاما يدعو للتسامح، والمغفرة، والشراكة الإنسانية بين ابناء الوطن الواحد على السراء والضراء إلآ في حالات الشدة والحروب، وبعد ان يكون رجال الدين نواة تأجيجها، وصب الزيت على جمرها. وعندما تقع الواقعة، وتستعر نيران الحروب والفوضى والخراب، يأخذ المتورطون فيها بعِض اليد، هذا إن كان لديهم شعور بالإنتماء لشعوبهم، ولكن إن كانوا من تجار الدين والسياسة، فإنهم يلجأؤون لإستغلال العباد، ونهبهم، وحرف أنظارهم عن الأساليب الصحيحة والسليمة، ودفعهم دفعا لمتاهة السحر والشعوذة، والإبتعاد عن العلم والمعرفة والبناء والقيم الإنسانية الصائبة.

ما تقدم موجود وقائم في الدول المختلفة الغنية والفقيرة، على الرغم من فصل الدين عن الدولة في الأولى، إلآ انه راسخ الجذور في الثانية البلدان الفقيرة والمسحوقة، والتابعة. حيث تتجلى فيها سطوة رجال الدين بأجلى صورها، وتكون عادة لهم اليد العليا عند اولي الأمر، وفي خدمة الحاكم بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي.

وتتسم العلاقة بالروابط العميقة بينهم، وتربط بين رجال الدين والحاكم وبطانته لغة مشتركة، لإن مصالحهم واحدة، وغاياتهم واحدة، وهو ما يملي عليهم، كل من موقعه إلهاء المواطنين في قضايا السلف الصالح، ومدارسه الفقهية، وإصدار الفتاوي العبثية، والتجهيلية لإبعاد الجماهير عن همومها وقضايا الوطنية السياسية والإقتصادية والثقافية، ويجري فقء العيون، وإغلاق العقول، وتغييب البصيرة، وشحن الضغينة، والفتن، وتعميم الجهل والرذيلة. 

لكن ما تقدم ليس قدرا محتما على الشعوب والأمم، وبغض النظر عن الديانات المنتشرة في ربوع بلدانها، لإنه يمكن ان تكون بيوت العبادة عكس ما تقدم 100%، وتصبح عنوانا، ومنبرا للعلم والمعرفة، والتسامح، وجسرا للسلم الأهلي، وللسلام بين دول الجوار، ودول العالم اجمع. عندما يدرك رجال الدين من اتباع الديانات المختلفة مكانتهم الحقيقة، ويعرفون حدودهم جيدا، ويسعون لنشر العلم والقيم الإجتماعية والإنسانية الصحيحة، ويشجعوا ابناء المجتمع على إقتحام دروب الثقافة والمعرفة الواسعة، لينهلوا منها بما يفيد عملية البناء، وتطور المجتمع، ونهضته، والإرتقاء بوعي الإنسان الفرد والمجموع على حد سواء. 

على سبيل المثال لا الحصر، لو اخذنا خطب الجمعة في المساجد في الدول العربية والإسلامية، واينما كان هناك مسجدا، ماذا يمكن ان تسمع فيها، ستجد، انها بعيدة كل البعد عن قضايا الإنسان المعاصر، وروح العصر، وتتنافى مع مستقبله، حيث يسعى الإئمة إلى إعادة الإنسان والمجتمع لعصور خلت بما لها وعليها، وهو ما يعني إختطاف المجتمع من حاضره إلى ماضيه المشوش والمتعثر والمربك، والغارق في متاهة الظلمات. وإذا كان ولا بد من العودة للماضي، فإن الضرورة تملي إستحضار الدروس والعبر المضيئة في حياة السلف الصالح، لا السلف المظلم والبائد. وتسليط الضوء على ما حققه السلف من إنجازات علمية وإبداعية، وليس عن صراعه مع الفرق والمدارس والمذاهب، أو اتباع الديانات الأخرى، والتأكيد على الإيجابيات راهنا، وتعميم القيم الهادفة لحماية المجتمع من الفتن، والفتاوي الرخيصة، وترشيد الأجيال الجديدة في إكتساب المعارف، وتعزيز روح المواطنة في المجتمع، ونبذ الفرقة والتخلف، ووضع الدين في مكانه البعيد عن مؤسسة الدولة والنظام السياسي، وإبعاد تجار الدين عن المنبر السياسي. لإن اللجوء للدين كعنوان للسياسة، وتكريسه في التشريع والدستور فيها نكوص عن تطور المجتمع، وإغراق للشعب والنظام السياسي في صراعات لها أول، وليس لها آخر. 

وباختصار لا يجوز لعن بيوت العبادة، انما يفترض لعن القائمين عليها من اتباع هذة الديانة، أو تلك. والدعوة والمجاهرة بتخطئة وتجريم كل رجل دين، أو سياسة يلجأ للدين ويسعى لحرف بوصلة بيوت العبادة، والسعي لتعميم معارف وثقافة جديدة في اوساط رجال الدين بهدف الإنتصار للعلم والمعرفة والتسامح والبناء والنهوض بالمجتمع، لا العكس.

كلمات دلالية

اخر الأخبار