القضاء العشائري ومؤشرات غياب الدولة

تابعنا على:   22:45 2019-08-07

طارق الثوابته

ما الذى يعنيه وجود منظومة القضاء العشائري فى اى دولة اليوم سؤال يجب علينا الاجابة عليه بكل شفافية وصدق ما الذى يبقي على هذه المنظومة حية وفاعلة فى ظل وجود دولة يفترض فيها انها تمثل منظومة سياسية وتشريعية وقضائية تحكم وتدير من خلالها الدولة شؤون الشعب عبر دستور ينظم العلاقة بين السلطات الثلاث ومؤسسة تشريعية تقر التشريعات والقوانين ومؤسسة قضائية تحكم من خلال القانون لإقرار العدالة وضمن منظومة الدولة تلك التى يفترض ان تضمن الدولة لجميع مواطنيها تحقيق العدالة بمفهومها الواسع السياسي والاقتصادى والاجتماعي والقضائي كذلك ان وجود القضاء العشائرى عبر التاريخ كان ضرورة حيوية لغياب الدولة او بمعنى اصح لغياب تأثير سلطة الدولة فى تلك المناطق التى اعتمدت القضاء العشائرى كمنظومة عدالة وهي مناطق كانت فى العادة بعيدة عن مركز الدولة او بمعنى اصح مناطق ظل لا تأبه بها الدولة ولا تصلها اى خدمات منها وفى العادة كانت تلك المناطق المهملة الاكثر فقرا وتخلفا اقتصاديا واجتماعيا وبالتأكيد سياسيا ومن الطبيعي ان تكون اى منظومة تخرج من رحم تلك الثقافة ذات طابع مشابه لطبيعة الحياة فيها من هنا فان منظومة القضاء العشائرى والتى قد تبدوا مثالا للعدالة لأولئك الذين ارتضوا اللجوء اليها من اولئك الذين يعيشون فى تلك المناطق فهى تبدوا فى نظر الاخرين من غيرهم نموذجا لكل ما هو عكس للعدالة بكل مفاهيمها الانسانية والعقائدية القديمة والحديثة
ان مفهوم القضاء العشائري بالأساس يقوم على قاعدة تحميل ذوى المتهم تبعات ما قام به حتى لو لم يكن اولئك شركاء فى الفعل وهذا فى حد ذاته يتنافى مع المنطق والعقل وبالتأكيد مع بديهيات العدل فما معنى ان تتحمل عائلة بأكملها جريرة ذنب قام به احد افرادها و الاسوء من ذلك ان تصل المسؤولية عن هذا الذنب لكل من له علاقة قرابة دم بصاحب هذا الذنب ليس من الدرجة الاولى او حتى الثانية بل قد تمتد الى الدرجة الثالثة والرابعة والخامسة بحيث يتحمل ابناء الجد الخامس لصاحب الذنب المسؤولية عما اقترف بكل تبعاته من عقوبات ضمن القضاء العشائرى والتى يكون اولها ما يعرف بالجلوة وهى رحيل كل من له قرابة من صاحب الذنب من اماكن سكناهم المجاورة للمجنى عليه وكلما كانت عائلة المجنى عليه وعشيرته كبيرة ومنتشرة كلما كانت هذا الترحيل اشمل وبالتأكيد ابعد وهو ما يترتب عليه تشريد عشيرة بأكملها وهو فى الحقيقة جريمة ترانسفير واضحة المعالم لكنها تتم بالتراضى على مرئا ومسمع المجتمع والدولة
ان مفهوم القضاء العشائري انما يستند فى احكامه الى العرف الذى هو فى احيان كثيرة يعتمد على ما تعارفت عليه هذه المنظومة القضائية من حوادث تاريخية قديمة يستند اليها القاضي العشائري فى الاساس لتقدير العقوبات المترتبة على ذوي الجاني ومن هنا فانه يكون من البديهي ان يكون الحكم اجترار للماضي ان لم يكن استنساخ صادق و حقيقيا له بكل مفاهيمه الثقافية والاجتماعية القائمة فى حينه وهذا فى الحقيقة تجاهل قاتل للتطور الثقافي والاجتماعي للمجتمع وردة واضحة الى الخلف فى مفهوم العدالة القضائية فكيف يمكن لقاضى ان ينشئ حكمه على اسس تغيرت ان لم يكن انقرضت عمليا اضف الى ذلك ان مفهوم القضاء العشائري فى الاساس لا ينظر للشخص باعتباره شخصية مستقلة مسئولة عن افعالها بل ينظر الى الشخص باعتباره جزءا من كل عبر رابطة الدم وهذا الكل فى نظر القضاء العشائرى يختلف فى تقله فى ميزان عدالته بين عشيرة وأخرى فثقل العشيرة الديمغرافي عامل مهم فى ميكنزمات الحكم فى تقدير العقوبات المالية على والى العشيرة
ان بقاء القضاء العشائري الى يومنا هذا حيا وفاعلا هو اكبر دليل ليس على ضعف مؤسسات الدولة فحسب باعتبارها الحامي لحقوق مواطنيها وإقرار العدالة بينهم بل هو دليل واضح على ضعف و تهميش فكرة المواطنة فى المجتمع لصالح ترسيخ مفهوم العشيرة والقبيلة باعتبارها الحامى الفعلي والواقعي للفرد وهذا بالضرورة ينهي اى امل فى قيام الدولة المدنية بمفاهيمها الاجتماعية علاوة على باقى المفاهيم السياسية ان غض الدولة الطرف على بقاء منظومة القضاء العشائرى لا بل تدعيمها فى احيان كثيرة وصولا الى اضفاء شرعية قانونية عليها هو اعتراف صريح لا يقبل الشك في فشل الدولة على اقرار مفاهيم المواطنة والعدالة علاوة على انه اعتراف صريح بعدم قدرتها على احداث التنمية الاجتماعية والثقافية لمواطنيها وهو ما يطرح علامة استفهام كبيرة على ما يترسخ فى وجدان وعقول الشعب عن مفهوم الدولة ومدى انعكاس هذا على مفهوم الوطنية ومفهوم دوائر الولاء والانتماء فى المجتمع

 

كلمات دلالية