"تحليل" المقاومة و"تحريمها" لمصلحة الدين أم لدين المصلحة!

تابعنا على:   09:16 2019-08-19

كتب حسن عصفور/ تحاول حركة حماس، وخلال مسيرتها منذ أن قرار جماعة الإخوان المسلمين بخروجها للعمل، في فبراير 1988، بعد انطلاقة الانتفاضة الوطنية الكبرى ديسمبر 1987، ان تغطي مواقفها السياسية، في كل مرحلة بغلاف ديني، وفقا لما تراه هي خدمة لها، قبل أن يكون خدمة لغيرها.

وعبر سنوات الانطلاقة، دون الوقوف أمام محطات تقييم خاصة لها ولكل مسيرتها، وعلاقتها بالكل الوطني، وخروجها الدائم عن المسار العام، فما يستوجب نقاشه كيفية تعاملها مع "الفتاوي الدينية" في ظل ما تراه "مصلحة عليا".

يوم الأربعاء 14 أغسطس 2019 (13 ذي الحجة 1440هــ) انتشرت في قطاع غزة، فتوى صادرة عما سمي بـ "اللجنة الشرعية في قطاع غزة" تناولت ظاهرة العمليات العسكرية الأخيرة، التي عرفت وصفا بأنها "عمليات فردية" وفقا لبيانات حماس الرسمية، تعريف الهدف منه رسالة الى حكومة الكيان، بانها لا توافق على تلك العمليات وليست منها، حتى لو كان البعض "قساميا" فهو سابق، خاصة وان الحركة قامت بخطوة طمأنة أمنية بنشر قواتها على طول السياج الفاصل مع دولة الكيان.

فتوى "اللجنة الشرعية"، لم تجد من قيادات حماس وناطقيها، الذين لا يكفون عن التعليق على أي خبر أو همسة كلام، أدنى نفي او توضيح لتلك "الفتوى الغريبة"، مضمونها تحريم لأي "عمل فردي مقاوم"، ووصفته إما انه خروج على الحاكم، او عمل مشبوه، بطريقتها اللغوية.

ورغم الاستفسار، فقد تجاهلت حماس، قيادة وكلمنجية، أي رد أو تعليق، ما يؤكد انها تقبل بنشر تلك "الفتوى" ما دامت لم تجد لها اعتراضا من فصائل العمل الوطني، او شخصيات مجتمعية، ولم تجد رد فعل يجبرها على النفي او التوضيح، وجوهر "الفتوى" يتوافق وموقف حماس بعدم الذهاب بعيدا الى فتح معركة عسكرية، او جر حرب مع إسرائيل في الوقت الراهن، دون ان تتوقف عن القول هي وبعض تحالفها العسكري، انها لن تقف صامتة لو ارتكبت إسرائيل أي حماقة بالعدوان.

نشر الفتوى، كشفت ان هدف حماس المركزي، في الوقت الراهن هو العمل على تثبيت "التفاهمات" بينها وحكومة نتنياهو، ولكونها تعلم أن سلوكها العام، لم يجد قبولا ورضى شعبيا في قطاع غزة، بل ان الوضع بذاته قد ينفجر في أي لحظة دون حسابات سياسية، وصل الى أن يفكر البعض بتوريطها عبر خروج جماعي بأعداد تصل الى عشرات آلاف لكسر السياج الفاصل، ما قد يؤدي الى تطورات غير محسوبة على الجميع، وأيضا لا يستبعد الانفجار العام في وجه حماس رغم قوتها الأمنية وحالة الردع الخاصة، فالخوف في لحظة ما قد لا يجد له عائقا.

ولأن حماس لا تملك جوابا لما وصل اليه الحال في قطاع غزة، من تدهور وانحدار غير مسبوق، لجأت الى "سلاحها السري" علها تجد فيه ما عجزت عنه السياسة والأمن، فذهبت الى تحريم الخروج عن الحاكم، الذي هو هنا حماس ومن معها.

فتوى تكشف قمة العجز، لا أكثر، ومسبقا لن تؤدي هذه الطريقة لمنع توسع حركة الغضب الشعبي واحتمالية الانفجار في أي وقت في قطاع غزة، ولعل عملية "بيت لاهيا" يوم 18 أغسطس 2019، واستشهاد ثلاثة شبان لهم ارتباطات تنظيمية مختلفة، دون ان تتبناهم فصائلهم رسميا، واكتفت بتصريحات منسوبة الى اشخاص لا تؤكد التبني ولكنها تفتخر بالعملية البطولية، فيما تجاهلت حماس كليا الحدث واكتفت ببيانات غير مفهومة، ورسائل تؤكد تمسكها بالتهدئة والتفاهمات.

من حيث المبدأ واجب حماس وتحالفها الأمني – السياسي، العمل على عدم الانجراف نحو حرب شاملة، دون توافق وطني، أو ضمن رؤية يدرك معها الشعب الفلسطيني، انها لخدمة الهدف الوطني العام، وليس لخدمة حزبية فصائلية، وهو ما يفرض تقديم رؤية سياسية شاملة، وليس اللجوء الى الأسلوب الظلامي لتبرير الخوف.

ولكن، هل تدرك حماس أنها مطالبة بتقديم مراجعة واعتذار للشعب وزعيمه الخالد الشهيد المؤسس ياسر عرفات، لما فعلته وهو يخوض معركة كبرى بين 2000 – الى 2004 وغزو شامل وحصار، عندما تقدمت أطراف لوقف إطلاق النار في فبراير 2002، وأعلن الخالد قبوله بذلك لـ "رفع الحصار الظالم المفروض على أبناء شعبنا الفلسطيني في كافة أنحاء الأراضي الفلسطينية"، فخرج أسامة حمدان عضو مكتب حماس السياسي ليقف من بيروت مزايدا على من يقود المعركة والمواجهة وهو محاصر بدبابات شارون وليس في قبو أو موقع مجهول، ويعتبر أن الدعوة لوقف إطلاق النار غير منطقية وغير مقبولة....!

فيما ذهب محمود الزهار القيادي البارز في حماس، الى اعتبار الدعوة مرفوضة، وانه "لا يوجد في ميثاق حماس ما يوقف المقاومة ولو مؤقتا ضد العدو، لأنها حركة مقاومة وليس حركة تهدئة".

ايهما أصدق قولا، فتوى مجهولة النسب، أم تصريحات الزهار ما قبل الحكم ويصبح حاكما...المسألة هنا ليس رفضا لتهدئة أو تفاهم، ولكن يجب أن تكون في سياق وطني عام، وليس رؤية حزبية خاصة...وآن أوان الكف عن زج الدين بالسياسة، كفى، فالدين بات مصلحة لا أكثر لتبرير كل ما ليس صوابا!

وسيبقى الاعتذار الى الشعب والشهيد الخالد ضرورة كي تصدق حماس القول القادم، فمن لا يعترف بخطاياه لن يصدق شعبه يوما قولا!

ملاحظة: كيف يتوافق قول "فريق عباس السياسي" أنهم يرفضون قبول أموال المقاصة ناقصة أموال الشهداء والأسرى، وتجاهلهم الكلي لسقوط شهداء في القدس والضفة وقطاع غزة، دون تحية أو نعي لهم، مين نصدق يا أنتم!

تنويه خاص: وزير ثقافة حماس السابق أبو السبح، فتح جبهة جدل مجتمعي في قطاع غزة، بعد حديثه عن "العونسة النسائية"... الفقر الفكري في ظل حصار القطاع يرتفع منسوبه سريعا بين دعاة أنهم "متوضؤون"!