العرافة المقدسة.. والحقيقة المرة

تابعنا على:   17:49 2019-10-01

د. محمود خليل

أمد/ كان الإحساس بالكارثة القادمة يلح على الأداهم فيكتمونه فى قلوبهم وأكبادهم، لكن بعض الأدباء والشعراء أخذوا يلمحون بما يمتلكونه من أدوات ورمزيات إلى الكارثة التى تكاد تطرق الأبواب. فى قصيدة «البكاء بين يدى زرقاء اليمامة» حكى الشاعر المبدع أمل دنقل كيف أن خرائط الواقع كانت أكبر شاهد على الهزيمة القادمة، استدعى أسطورة «زرقاء اليمامة»، المرأة ثاقبة النظر، التى كانت ترى الأحداث عن بُعد، وكيف أن قومها سخروا منها واتهموا عينيها بالبوار عندما قالت لهم إن الغابة قادمة عليكم، وكان كل جندى من جنود العدو يحمل سعفة نخيل يختبئ خلفها، ولم يستفيقوا إلا على سيوف الأعداء تولغ فى دمائهم.

مشاعر «الأداهم» كانت مختلفة وهم يتابعون شاشات التليفزيون التى تنقل مشاهد تدفق القوات والآليات العسكرية إلى سيناء أواخر مايو 1967. البعض كان سعيداً والبعض كان مندهشاً من المشهد وكأنه أمام حرب تليفزيونية -قبل زمان الحروب التليفزيونية بزمان- لكن يبقى أن الجميع كان يريد تأديب إسرائيل، واستسلمت الغالبية لأحاديث الإعلام التى تصف ما نملكه من أدوات وقدرة على ذلك. فى بداية الحرب اكتشف قِلة من الأداهم الذين كانوا يتابعون المحطات الإذاعية الأجنبية أيام 5 و6 و7 يونيو الحقيقة المرة، لكن الجميع تواجه معها عندما ألقى عبد الناصر خطاب التنحى. حينها انطلق «الأداهم» إلى الشوارع يطالبون «ناصر» بالاستمرار، فأنَّى له أن يرحل بعد الكارثة التى حاقت بالبلاد؟. ولم يمضِ على الحدث الموجع سوى عام حتى خرج الأداهم يهتفون ضد عبدالناصر ونظامه بعد صدور أحكام الطيران (1968)!.

بدأ قطاع من «الأداهم» يعالج ما حدث من خلال جَلد الذات واتهامها بكل نقيصة، وقطاع من خلال النكتة والسخرية من كل شىء، وعالج قطاع من الأداهم المعارضين الأمر بالشماتة، وكأن مصر الوطن لا تعنيهم!. أما السفه الحقيقى فقد ظهر على ألسنة ذهبت كل مذهب فى تبرير ما حدث. خرج من يقول إن مصر لم تنهزم فى 67 بل انتصرت، فقد كان هدف الإمبريالية والصهيونية التخلص من جمال عبدالناصر.. وها هو الشعب يتمسك بالزعيم!. آخرون أخذوا ينظّرون تنظيرات شديدة العجب فى تبريد نار الهزيمة، تجد بعضها حاضراً فى الروايات التى حكت عن التبريرات التى سيقت لتقليل غضب الغاضبين. يروى «فتحى غانم» فى رواية «زينب والعرش» أن أحد المسئولين بالتنظيم اجتمع بالأعضاء بعد النكسة، وكان من بينهم يوسف منصور أحد أبطال الرواية، فبرر لهم الكارثة بقوله: ماذا حدث؟.. نعم احتلت سيناء.. لكن مصر لا تزال باقية.. تخيلوا لو دهس ترام أحد المواطنين فنتج عن ذلك أن فقد ذراعه.. أليس هذا خيراً له من أن يدهس جسده كله ويموت؟!. كان هذا النمط من التفكير هو الكارثة الحقيقية التى أسفرت عنها النكسة، والتى دفعت الروائى المبدع نجيب محفوظ إلى أن يصف المشهد العام على لسان أحد أبطال رواية «الباقى من الزمن ساعة» بقوله: «نحن نعيش فى مرحاض عمومى كبير».

عن الوطن المصرية

كلمات دلالية