لا تصبحون إلا ما كُنتم..

تزويرُ الوقائع في كتب الاعترافات اللبنانية

تابعنا على:   15:38 2019-10-06

صقر أبو فخر

أمد/ بعد خمس عشرة سنة على نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، بدأت كتب الاعترافات تغمر المكتبات في لبنان. وكان جوزف سعادة افتتح هذا الطراز من التدوين بكتابه "أنا الضحية والجلاد أنا" (بيروت: دار الجديد، 2005)، وتبعتْهُ ريجينا صفير في كتابها "ألقيتُ السلاح" (بيروت: دار الفارابي، 2008)، ثم ترايسي داني شمعون وكتابها "ثمن السلم" (بيروت: دار نوفل، 2013)، فأسعد شفتري في كتابه المثير "الحقيقة ولو بصوت مرتجف" (بيروت: دار درغام، 2016). وإذا استثنينا كتاب "كوبرا" لروبير مارون حاتم (بيروت: المكتبة العربية للترجمة، د.ت.) المملوء بالأغاليط، والذي كان أصدره بمعونه أحد الصحافيين الفرنسيين في طبعة بدائية في سنة 1999، فإن كتاب "صليب الحرب" لمارون مشعلاني (بيروت: د.ن، 2018) طراز فاضح من الكتب التي لم يستخلص أصحابها أي حكمةٍ أو أمثولةٍ من تجربة الحرب القاسية غير خلاصهم الفردي. أما تلافيف أدمغتهم (إقرأ: نخاعاتهم) فما برحت لابثةً في معمعان القتل والنهب والخطف والاغتيال والتجسّس والتخريب والكراهية والعنصرية، وهي مهماتٌ وصفاتٌ برع فيها، أيما براعة، مارون مشعلاني ورجاله ورفاقه. ويلوح لي أن كثيرين من هؤلاء ما زالوا مستعدين لإعادة تجاربهم العسكرية الخاسرة والبائسة والمهينة. والاعتراف، حتى بالمعنى الديني، لا يُعتد به إلا إذا صدر عن الندم، بل الندم العميق. وشرط التوبة هو إعلان الحقائق كما هي، أي الصدق لا الكذب. وفي هذا الميدان، يريدنا مارون مشعلاني أن نصدّق أنه لا يجانب الحقيقة، عندما يقول: "أصف بكل صدق الأمور كما حدثت" (المقدمة، ص 7). لكن الإمعان في قراءة الكتاب يبرهن أن الكذب والإنكار هما السمة الأساس لاعترافات مارون مشعلاني، أحد جزاري مذبحة صبرا وشاتيلا. وفي هذا الكتاب تغييب تام لحرب 1982 ومقتل بشير الجميّل ومجزرة كفرمتى في جبل لبنان ومذبحة الصفرا التي ارتكبها بشير الجميّل بحق حزب الوطنيين الأحرار، ولا حديث عن صراع إيلي حبيقة وسمير جعجع واختراق الأول المنطقة الشرقية من بيروت، والمذابح التي أعقبتها، ولا عن التعاون مع الموساد (المخابرات الإسرائيلية)، ولا عن الهزائم المتكرّرة التي حاقت بـِ "القوات اللبنانية"، ولا عن مذبحة صبرا وشاتيلا. 

مارون مشعلاني ومعه جورج ملكو وميشال زوين وجو إدة وجوزف أسمر، علاوة على إميل عيد وإيلي حبيقة وديب أنستاز وجيسي سكر وكميل صلاح وستيف نقّور وعقل هاشم، هم الذين أمعنوا في الفلسطينيين قتلاً وذبحاً واغتصاباً في ليلة البلطات والسواطير والخناجر التي شهدها مخيم شاتيلا وحي صبرا اللبناني في 16 و17أيلول/ سبتمبر 1982 (أكثر من ألفي ضحية). وقد أوردت صحيفة الغارديان البريطانية أسماء بعض هؤلاء الضباع المقروحة في 25/9/1982، ثم تكشّفت أسماء الآخرين تباعاً (راجع: زئيف شيف وإيهود يعاري، "حرب الظلال"، بيروت: د.ن.، 1985). والمعروف لدى كل من عاش أتون الحرب الأهلية اللبنانية أن مجموعة جورج ملكو وميشال زوين ومارون مشعلاني كانت تسمّى "هنود الأباتشي" وكان أفرادها مدمني 

كوكايين، وارتكبوا جرائم فاقت ما ارتكبه فاشيون ذاع صيتهم في الحرب اللبنانية من طراز Toaster (الشوّاية) الذي يربط مَن يقبض عليه إلى عمود كهرباء عالية التوتر ويشويه، أو من عيار Fireball (كرة النار) الذي كان مهووساً بإحراق الأشخاص والبيوت بأصحابها. أما مصير هؤلاء فكان الموت بالنار، مثل ميشال زوين (احترق في سيارته في 26/9/1986 إبّان المعارك بين إيلي حبيقة وسمير جعجع)، وقُتل ستيف نقور (إسطفان) في عملية 12/3/1985 المسمّاة انقلاب سمير جعجع وإيلي حبيقة على فؤاد أبو ناضر. واغتيل إيلي حبيقة وعقل هاشم، وذهبا إلى لحديْهما مجلّليْن بعار لا يُنسى. ومات إيلي عقل في 27/9/1987 في أثناء عملية اختراق منطقة الأشرفية التي قادها حبيقة ضد جعجع. أما من أفلت من العقاب فكان الرعب والهلع هما عقابه اليومي.
كوابيس النوم
انثالت صورة العذراء مريم على مارون مشعلاني كما ينثال، مع فارق التشبيه، عطر الياسمين في ليالي الصيف القائظة! هل تذكّر ليالي 16 و17 و18 أيلول/ سبتمبر 1982 حين خضّب هو ورجاله بلطاتهم وخناجرهم بدماء المدنيين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا؟ بالطبع لا. لكن الإيمان دهمه فجأة، مثلما دهم غيره غداة وضعت الحربُ أوزارها في سنة 1990، وبعدما تناثر المسلحون والقتلة مثلما يتناثر الغبار هنا وهناك، وفي كل اتجاه. نعم، وضعت الحرب أوزارها، وأهالت على كاهل كل مَن فتك بالعباد والبلاد معاناةً ممضّة. وذلك الإيمان ما هو، في منبعه، إلا ملاذٌ ربما وقى مشعلاني وأمثاله الرعب وعذاب اليقظة وأرق الليالي المسهدة، لكنه لن يقيهم المساءلة كما نفعل الآن هنا. ولا شك في أن التحليل النفسي يستطيع أن يفسّر هذه الحالة بسهولة؛ حالة القتل براحة ضمير، ثم المعاناة الكابوسية التي تعقبها، ثم يظهر الإيمان المتجدّد الذي يقي صاحبه الجنون أو الانتحار. 

يقول مشعلاني متألماً: "أصبحتُ أشبه بالخروف الأسود لدرجة أن الأشخاص ذوي النوايا الحسنة أداروا لي ظهورهم، وتحاشوا التعامل معي" (ص272). و"إنني أسدّد اليوم فاتورة كل أخطائي الماضية (...). اكتأبت وتحولتْ لياليّ إلى كوابيس، وإذا بي أفقد القدرة على النوم (...)، وسيطرتْ عليّ نوبات الهلع (...) وأدركتُ أنني خسرتُ كل شيء (...). لم يكن القلق يفارقني قيد أنملة (...) بعد أن تخلى عني الجميع وأصبحتُ بلا عمل وبلا موارد، وصرتُ أحسد الزبالين الذين أراهم يمرّون أمام نافذتي" (ص 273). وهكذا أصيب مؤلف الكتاب بانهيار عصبي (ص 279)، وحاول الانتحار بمسدس كولت 45 (ص 275). لكن، في لحظةٍ غامضةٍ في إبريل/ نيسان 1996، واستيقظَ ليلاً مذعوراً، وكان هناك إلهام خفيّ بدّل مجرى حياته (ص 276)، ورأى في هلوساته الإيمانية أن يسوع ومريم العذراء والقدّيسين حملوه، كلهم معاً، ليجعلوه مولوداً من جديد (ص 285). ثم انضم إلى "أبناء الحب الإلهي" في أثناء تردّده على مدينة ميديوغوريه في البوسنة والهرسك التي توصف بـ"كرسي اعتراف العالم". وهناك في سنة 2015، التقى راهبةً تدعى روزاريا، أخبرته أن مريم العذراء كلفتها أن تقول له إنها اختارته لتعمل وتتصرّف من خلاله، وإن الرحمة الإلهية محت كل الآلام والعذابات والصعوبات التي مرّ بها (ص 283 و 284 و285).
يقول أسعد شفتري في اعترافاته التي أوردها في كتابه "الحقيقة ولو بصوت يرتجف": "أصبح الاعتراف نوعاً من التمرين الميكانيكي، والتكفير عبارة عن قراءة ’أبانا والسلام’ خمس مرّات من غير التعويض عن الضرر اللاحق بالآخرين" (ص 23). ويضيف فاضحاً الاعتراف والحلّة: "قام كاهن كنتُ اعترفتُ له بأن مسؤولياتي تحتّم عليّ قتلَ الآخرين بإعطائي مسبقاً الحلّة من الخطايا خمسمئة مرة، حتى أنه طلب مني أن أعود إليه حالما أحقق هذا الرقم" (المرجع السابق، ص 24). وبين هذا الكاهن الذي لم يتورّع عن منح رخصة إلهية بالقتل، والإيمان المباغت المنبثق من تبكيت الضمير والشعور بالاثم، أمضى مسلحون كثيرون حياتهم الصاخبة والمضطربة. والصورة النمطية لمقاتلي "القوات اللبنانية" هي هيئة المسلح المقنّع والصليب المعلّق في الرقبة، وصورة العذراء على الأخمص الخشبي للبندقية، وكرع زجاجات الشمبانيا والويسكي فوق جثث المخطوفين؛ "بصلبانهم المضرّجة بدماء أعدائهم فتحوا زجاجات الشمبانيا فوق أكوام الجثث. آخرون عزفوا على الآلات الموسيقية وأرجلهم تطأ رقاب الموتى" (أنظر: جوزف سعادة، أنا الضحية والجلاد أنا، مصدر سبق ذكره، ص 157). وجوزف سعادة هو مرتكب مجزرة السبت الأسود في 5/12/1975، وهي أولى المجازر الطائفية في الحرب الأهلية اللبنانية وأكثرها بشاعة وانحطاطاً وذئبية.
الخيال الروائي
يعج كتاب "صليب الحرب" بأجواء روائية متخيلة تخالف الواقع والوقائع معاً. لها نصيب كبير من محتويات هذا الكتاب الهذياني. وقد أفاض كبريال الجميّل الذي أعد الكتاب للنشر في نثر أقوالٍ مأثورة في عرض الكتاب وطوله كيفما اتفق، وأورد عناوين شتى لكتب مشهورة في الأدب الغربي، وبذرها في الصفحات على لسان مارون مشعلاني ليُظهره مثقفاً، أو ليضفي عليه بعض المكانة الأدبية. والكتاب استعراضٌ لبطولات زائفة في الأسوق التجارية لمدينة بيروت التي نهبها مسلحو حزبي الكتائب والوطنيين الأحرار، وكذلك في منطقة الفنادق التي هُزموا فيها شر هزيمة. والمعروف أن معركة الفنادق فجرّها اليمين اللبناني للسيطرة على المنطقة الممتدّة حتى شارع  الحمراء حيث يقع مصرف لبنان (أنظر: أسعد أبو خليل، أميركا أشعلت حرب لبنان، بيروت: دار الفرات، 2017، ص 113)، ولاستدراج تدخل خارجي، أميركي وإسرائيلي، يوازن التدخل السوري الذي أيّده كل من بيار الجميل وكميل شمعون، ثم راحوا يستعدّون لمحاربة. ويروي رئيس الأركان الأسبق في الجيش اللبناني، اللواء رياض تقي الدين، أن كمال جنبلاط أبرز في اجتماع لقيادة الحزب التقدمي الاشتراكي محضر اجتماع المكتب السياسي لحزب الكتائب الذي عُقد في 4/11/1976 برئاسة بيار الجميل. وفي هذا الاجتماع، جرى التداول في خطة لجر السوريين إلى صدام مع "الجبهة اللبنانية"، وتكليف عناصر من حزب حراس الأرز القيام بأعمال استفزازية ضد مراكز عسكرية سورية لتوريط سورية في مشكلاتٍ مع الموارنة، الأمر الذي يتيح لهم المطالبة بالتدويل، على أن تبقى المساندة الكتائبية لعناصر حراس الأرز سرّية (راجع شهادة رياض تقي الدين في: نبيل المقدم، وجوه وأسرار من الحرب اللبنانية، بيروت: درا نلسن، 2016، ص 295).
يبدو مارون مشعلاني في كتابه أهم من الجنرال الفيتنامي جياب، ودائماً في كل معركة يسقط من خصومه قتلى وجرحى كثيرون. وعندما يتفقد رجاله، بعد نهاية كل معركة، يكتشف أنه لم يخسر ولا حتى جريحاً واحداً، مثلما حدث في معركتي البرجين والدبية في الشوف (ص 225)، والتلة الفرنسية في عيون السيمان (ص 201). ولا ريب عندي، أن هذا الكلام مجرّد هلوسات مضحكة لا تثيرها إلا المخدرات التي كثيراً ما عبثت برؤوس المقاتلين. ومزاعمه تذكّرني بشخصية رامبو، وبكلينت إيستوود في أفلام رعاة البقر، أو بعبد الله عزام الذي ملأ كتابه "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" (دبي، مطبعة كاظم، 1985) بـِ "الكرامات" و "الممخرقات" نقلاً عن ممخرق إسمه عمر حنيف الذي حدّثه عن الدبابات التي تمر فوق أجساد المقاتلين فلا تقتلهم، وعن الرصاص الذي خرّق ملابس المقاتلين، ولم يستطع أن يخرق لحوم أجسادهم، وعن الطيور التي تسابق طائرات "الميغ" الروسية لتحمي المجاهدين، وعن الشهيد الذي أفاق من الموت ليعانق والده ويودّعه ثم عاد إلى رقاده الأبدي، وعن الأفاعي التي تبيت مع المجاهدين في فَرَشهم فلا تلدغهم، لأنها مكرّسة للدغ الشيوعيين وحدهم. وعلى هذا المنوال، ذكر مشعلاني أن في معركة البرجين قُتل من الحزب التقدمي الاشتراكي ثلاثون مقاتلاً ولم يصب أحد من رجاله ولو بخدش (ص 334). وكان العقيد أنطوان بركات قد سار على غراره، فذكر أن لواء اليرموك التابع لجيش التحرير الفلسطيني هاجم زغرتا في 21/1/1976، فسقط له 340 قتيلاً، وربما وصل العدد إلى 400، ولم يسقط من قوات أنطوان بركات غير قتيل واحد وسبعة جرحى (راجع: أنطوان، بركات، من الفياضية حتى واشنطن: على دروب الشهامة، بيروت: د.ن.، 2015، ص 169). وفي المناسبة، فإن العقيد بركات هذا يروي أن الهجوم على التلة الفرنسية أدى إلى تحييدها من دون احتلالها (المصدر السابق، ص 186)، ولم يمنح هذه "المعركة" التي يتباهى بها مارون مشعلاني غير سطر ونصف السطر، ولم يذكر اسم مشعلاني ألبتة. أما معركة زحلة التي يستفيض مشعلاني في رواية تفصيلاتها فكلها كذب بكذب؛ فأسعد شفتري لا يذكر اسم مشعلاني على الإطلاق في هذه المعركة (راجع: الحقيقة ولو بصوت يرتجف، مصدر سبق ذكره، ص 88). وكذلك لم يرد اسمه في كتاب جورج حايك "بشير الجميّل: تاريخ في رجل" (زوق مصبح، د.ن.، 2009، ص 186 – 188). ومعركة زحلة في سنة 1980 كانت هزيمة مدوية للقوات اللبنانية، على الرغم من المعونة الكبيرة التي قدّمها لها الطيران الحربي الإسرائيلي، وانتهت بتسليم المسلحين أسلحتهم إلى قوات الردع العربية في 30/6/1981، وصعدوا إلى الحافلات، بعدما قام العقيد السوري، محمد غانم، بتفتيشهم واحداً واحداً بحضور الوزير إلياس الهراوي الذي صار رئيساً للجمهورية لاحقاً. وقد احتفلت "القوات اللبنانية" بالعودة المظفرة، وهي أسوأ من هزيمة. ويروي الهراوي ساخراً: "كنتُ أبحث عبثاً عن الانتصار الذي يتحدّثون عنه" (أنظر: الياس الهرواي، عودة الجمهورية من الدويلات إلى الدول، إعداد كميل منسى، بيروت: دار النهار، 2002، ص 75-76). لا يخفى على أحد من الباحثين المنصفين أن مليشيا القوات اللبنانية قدمت، في جميع مراحل الحرب الأهلية اللبنانية، أداء عسكرياً هزيلاً وسقيماً، ومُنيت بالهزائم الشائنة، ولم تنتصر في معركة واحدة على الإطلاق: خاضت معركة النقطة الرابعة – هايكازيان في بيروت وهُزمت؛ وفجّرت معركة الفنادق فجَلَتْ عن تلك المنطقة كلها؛ وافتعلت معركةً طويلة الأمد في مدينة زحلة، فانتهت إلى الاستسلام مخلفة الخراب والدمار والقتلى؛ وتسببت بمعركةٍ في بلدة الدامور أدت إلى خرابها وتهجير سكانها وإيقاع مجزرةٍ بحق سكانها الوادعين الآمنين؛ وذهبت إلى الجبل اللبناني في سنة 1982 مستقويةً بالاحتلال الاسرائيلي، فعادت منه في سنة 1983 مهزومةً بعد حصار مهين، وبعد أن هُجّر المسيحيون منه. وخاضت معارك شرق صيدا في سنة 1985 فانتهى وجودها كله هناك. ثم تقاتل أمراء "القوات اللبنانية"، ولا سيما إيلي حبيقة وسمير جعجع، فتضعضع "المجتمع المسيحي" كله. وتقاتل الجميع ضد الجميع، بمن فيهم أمين الجميّل وميشال عون في حروب الإلغاء والتحرير في سنة 1989، فخسر اليمين المسيحي الحرب، وانتصرت مليشيات حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي، ومعها اليمين الإسلامي. أما الميدان الوحيد الذي برعت فيه "القوات اللبنانية" فهو المجازر الطائفية، مثل صليما وكفرمتى وحارة الغوارنة وسبنيه وعينطورة وبطشاي والمسلخ والكرنتينا وضبيه، ومثل المجازر الكبرى من طراز إهدن والصفرا وتل الزعتر وصبرا وشاتيلا. ولا يُنسى مشهد مسلحي "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع وقد تجمعوا مدحورين في بلدة دير القمر، بعد هزائمهم في الشوف والشحّار العربي. ولولا التسوية الخارجية آنذاك التي قادتها فرنسا، وكذلك الفاتيكان، لقُتل جميع المحاصَرين أو استسلموا. كذلك لا يُنسى مشهد انسحابهم بالشاحنات أذلاء، الأمر الذي يشبه تمامًا فلول مسلحي داعش وجبهة النصرة الذين كانوا يفرّون من مكان إلى آخر، ثم ينقلون بحافلاتٍ إلى وجهة متفق عليها.
حشيش وأفيون ودعارة
كانت المليشيات اليمينية اللبنانية مزيجاً من المسلحين الريفيين والعصابات المدينية والمجرمين؛ يديرون صالات القمار الممنوعة والألعاب المحظورة، وينظمون عمليات تهريب المخدرات، ويؤسسون حركات استخبارية مثل "جبهة تحرير لبنان من الغرباء". وقد كشف رونين بيرغمان في كتابه "إنهض واقتل أولاً: التاريخ السري لاغتيالات إسرائيل الموجهة" أن "الموساد" هو الذي أسس هذه "الجبهة" وعهد بها إلى الياس حنوش (الحنش) من حزب الوطنيين الأحرار (أنظر: صحيفة الأخبار اللبنانية، 21/6/2018). ومليشيا حزب الوطنيين الأحرار كانت تدعى "نمور الأحرار"، وكان ديدنها تهريب المخدّرات من مرفأ الصفرا غير الشرعي، واشتهروا بأنهم أكثر المقاتلين قسوة وفجوراً في المعسكر المسيحي (جوناثان راندل، حرب الألف سنة حتى آخر مسيحي، بيروت: د.ن.، ط 2، 1984، ص 113). وتقول ترايسي شمعون: "اعترف لي إيلي حبيقة بأنه، خلال دورة تدريبية لدى وكالة الاستخبارات الأميركية، صُنّف عنصراً عديم الرحمة، ووُصف بأنه قاتل بالفطرة" (ترايسي شمعون، ثمن السلم، بيروت: دار نوفل، 2013، ص68). أما أسعد شفتري فيعترف بالقول: "طلبوا مني [أي مليشيات حزب الكتائب] على سبيل برهنة أهليتي أن أقتل سجيناً بيديّ العاريتين (...)، فوافقت على ذلك شرط أن يكون السجين مستحقاً الموت فعلاً، فاقترحوا عليّ سجيناً. وبعد أن قرأت ملفه حملتُ خنجراً وقتلته من غير أن يرفّ لي جفن (...)، ثم قتلت شخصاً آخر بيدي" (أسعد شفتري، الحقيقة ولو بصوت مرتجف، مصدر سبق ذكره، ص 60). ويقول جورج حبيس، وهو أحد مجرمي الخطف في بيروت الشرقية: "الفلسطيني لا نحقق معه ولكن نقتله" (جوزف سعادة، أنا الضحية والجلاد أنا، مصدر سابق، ص 119). فيما يقول أحد رجال الكتائب لأمنون روبنشتاين: "موت الفلسطيني تلوث. أما موت جميع الفلسطينييون فهو الحل" (أنظر: أمنون كابليوك، تحقيق في مجزرة، باريس: المكتب العربي، 1983).
أراد بشير الجميّل فرض مجتمع إسبارطي على ذلك الجزء من لبنان الذي كانت المليشيات التابعة له، أي "القوات اللبنانية"، تسيطر عليه، وعمل على عسكرة المناطق المسيحية، وفرض نظام 

 فاشي فيها، وأنتج ذلك أسوأ أنواع العصابات. وجرّاء ذلك لم يتردّد الصحافي الكبير ورئيس تحرير صحيفة النهار اللبنانية، غسان تويني، في توجيه الكلام مباشرة إلى بشير الجميّل بقوله: إنك موسوليني صغير وفرانكو صغير وهتلر صغير (أنظر: جوناثان راندل، حرب الألف سنة حتى آخر مسيحي، مصدر سابق، ص 116). ومع ذلك يحلو لكثيرين أن يعتقدوا أن "القوات اللبنانية" كانت "تمثل روح الشعب ومجموعة قيم أخلاقية وطنية كان الباش (أي بشير الجميّل) حامل شعلتها" (أنظر: مارون مشعلاني، صليب الحرب، مصدر سابق، ص 241). لكن هذا التصوّر الخرافي والكاذب لم يدم طويلاً "فابتعد كثيراً ذلك الزمن الذي كانت فيه القوات تجسّد أسطورة المقاومة وحماية الوجود المسيحي. لقد تحوّلت المؤسسة إلى آلةٍ فعليةٍ لكسب المال، وذات مردود لا يتوقف عن التعاظم، الأمر الذي فتح شهية القادة الذين لم يعودوا يحلمون سوى بالسلطة وبالمال" (مشعلاني، المصدر السابق، ص 244). ويصف مشعلاني "القوات اللبنانية" بأنها صارت "صورةً عن التهافت الجامح ودون رحمة على السلطة والتعطش إلى المال (...) وأُفرغت المؤسسة من جوهرها ومن روحها. وهذا الهيكل الذي طُرد منه التجار أصبح هرماً مكرساً لعبادة إله التجارة ميركور" (المصدر السابق، ص 252). ويضيف: "لم نعد نحظى بإجماع الشارع الذي لم يعد يفرّق بيننا وبين المرتزقة وعديمي الفائدة" (ص 268)، و "تحوّلنا ذئاباً حقيقيين أقرب في بعض الأحيان للأسف من عالم الحيوان (ص 258)، وهذه الصورة هي عين الحقيقة.
مارون مشعلاني الذي اتخذ محلة الكرنتينا مقرّاً له، ومعه جورج ملكو في حي السريان، وكذلك ميشال زوين، هم من رعاع الحرب وأوباشها، وهؤلاء، مع غيرهم تحدّروا من فئاتٍ اجتماعية فقيرة، وعاشوا على هامش المدينة وفي أزقتها، وسلكوا فيها مسلكاً فاشياً. وقد تولى إيلي حبيقة استخدامهم، وكانوا في معظم الحالات وراء السرقات وأعمال النهب في الأسواق التجارية (راجع: ألان مينارغ، أسرار حرب لبنان، بيروت: المكتبة الدولية، 2006، ص 419). ويوضح أسعد شفتري الأمر على النحو التالي: "قام إيلي حبيقة، بعد اغتيال بشير الجميّل، باستقدام القوى النظامية في [حزب] الكتائب والفرق غير الرسمية (...) وأعطاهم قائمةً بأسماء الفلسطينيين ينبغي طردهم. ولم تندمج عناصر هذه الفرق بالميليشيات النظامية، وكانوا مستقلين، وبالكاد يمكن السيطرة عليهم، واستقروا ضمن مجموعات في مبانٍ بعيدة عن ثكنات "القوات اللبنانية" والكتائب، وكانوا يحصلون على التمويل والأسلحة من خلال الابتزاز بشكل خاص، وكان ولاؤهم لمن يدفع أكثر" (أسعد شفتري، مصدر سابق، ص 94). ويعترف مارون مشعلاني نفسُه بهذا المسلك بقوله: "الحل الأسهل كان الابتزاز والخوّات التي كانوا يفرضونها على المدنيين (...). وهذه الممارسات المافيوية كانت تتفشى كالوباء" (مشعلاني، مصدر سابق، ص 267).
أين كانت تُصرف تلك الأموال المجباة قسراً؟ كانت تُصرف على القمار والمخدّرات والنساء (راجع: جوناثان راندل، حرب الألف سنة حتى آخر مسيحي، مصدر سابق، ص 90). ولذلك نُعت مؤيدو سمير جعجع بنعوتٍ شتى، مثل "زارعو الحشيشة ومدمنو المخدرات وملوك الاتجار [بالمخدرات] والأفيون" (راجع: أسعد شفتري، مصدر سابق، ص 202). وكان بول عريس (الخال) يؤمّن حماية تجار المخدرات مع إيلي وازن (عباس) بحسب مارون حاتم في كتابه "كوبرا" (بيروت: المكتبة العربية للترجمة، د.ت.، ص 82). ويؤيد أسعد شفتري هذه الصورة فيقول: "في يوم من الأيام تدخلت شخصياً مع الصيدليات المحلية [في زحلة] لمنع شراء الأدوية المهلوسة، فما كان من بعض شباننا، وبتحريضٍ من قائدهم، إلا أن استغلوا حلول الليل، وتوجهوا إلى غرفتي [في فندق القادري] للانتقام (...)، وسُمع دوي إطلاق نار كثيف في كل أرجاء الفندق" (شفتري، مصدر سابق، ص 184). ويؤكد شمعون شيفر هذا بقوله: "كان مئات من الكتائبيين قد تدرّبوا في إسرائيل (...)، وبعضهم كان مدمناً على المخدرات، وفي أغلب الأحيان كانوا يتشاجرون باستمرار (شمعون شيفر، عملية كرة الثلج، بيروت: شركة المطبوعات الشرقية – دار المروج، 1985، ص 32). وينطبق عليهم الوصف التالي: "تراهم ذئاب عليهم ثياب، كلامهم سباب، وفرحهم ضراب". ولمزيد ٍمن السفالة، فإن أبو الغضب، وهو أحد القادة المحليين في "القوات اللبنانية"، حوّل "الكرنتينا عند مهبط كل ليل إلى كرخانة كبيرة. مساء كل يوم كانت حفلات المجون الليلية تغطي على دماء المسلمين، وكانت موسيقى فاحشة وأصوات رجال ونساء منكرة، وروائح كحول وحشيش تتصاعد من الكرنتينا" (جوزف سعادة، أنا الضحية والجلاد أنا، مصدر سابق، ص 182).
نهّابون وقَتَلة
أتباع مارون مشعلاني موصوفون بالإدمان الدائم على الهيرويين والكوكايين، وقتلوا أطباء وممرضات في مستشفى غزة، وارتكبوا الفظائع في صبرا وشاتيلا (مارون حاتم، كوبرا، مصدر سابق، ص 60 و61). أما قائدهم مارون مشعلاني فشارك في مجزرة الصفرا ضد مسلحي "نمور الأحرار" الذين لا يقلّون عن رجاله إجراماً، وهو قاتل الضابط قزحيا شمعون (نقولا ناصيف، المكتب الثاني: حاكم في الظل، بيروت: دار مختارات، 2005، ص 605). والحادثة وقعت عندما أرسل بشير الجميّل مقاتليه إلى محلة الأشرفية، لنصب كمين لوزير الخارجية والدفاع فؤاد بطرس الذي كان يستعد لمرافقة رئيس الجمهورية إلياس سركيس إلى بغداد للمشاركة في القمة العربية في 2/11/1978. وهناك، في الأشرفية، أطلقوا النار على موكب الوزير فؤاد بطرس، وجرى اختطاف الملازم المرافق له قزحيا شمعون، "وقد أعدمته القوات اللبنانية بأوامر من إيلي حبيقة، ودُفن بالقرب من مقرّها في الكرنتينا. وثمّة معلوماتٌ تقول إن جسدهُ ذُوّب بالأسيد" (المصدر السابق، ص 604). وكان هذا السلوك الإجرامي سائداً في المناطق التي استولت عليها "القوات اللبنانية" وحكمتها بالقوة، وتحكّمت بمصائر سكانها. وكانت "الفرق المافيوزية المتمثلة بأجهزة مخابرات سمير جعجع وإيلي حبيقة تفرض قوانينها مشرّعة الأبواب أمام تصرّفات اللصوص، وأصبح المواطنون يعيشون على وقع تصفية الحسابات والاغتيالات وجرائم القتل وابتزاز المال والخطف والخطق المضاد" (مشعلاني، مصدر سابق، ص 244).
الأرزقية، أو السرسرية بلغة الأتراك، هم الحثالات التي تأتي بعد المعارك لتنهب الأملاك  

والبضائع وكل ما له قيمة مالية وثمن. وهذا ما حصل في معارك منطقة الفنادق الفاخرة في بيروت، وفي بلدة الدامور على سبيل المثال، وفي مناطق وأماكن كثيرة. فمع "احتدام القتال [في الوسط التجاري لمدينة بيروت] رأيتُ رجال المليشيات [اليمينية] يحمّلون في الشاحنات منتجات وأثاثاً وأواني، وينهبون ممتلكات المسلمين والمسيحيين على السواء [...]. لم يكن بعض الشهداء في الأسواق ومرفأ بيروت سوى لصوص سقطوا في صراعات على تقاسم الغنائم" (أسعد شفتري، مصدر سابق، ص 41). وعلى غراره رأى مارون مشعلاني "حوالى ثلاثين شاباً [من المليشيات اليمينية] متقلدين بنادقهم ومرتدين بزّات عسكرية، كانوا يفتشون بين ركام المحلات لعلهم يجدون أشياء لا زالت ممكنة سرقتها [...]. لقد جاءوا كالكواسر آكلة الجِيَف، معظمهم من سكان الضواحي [...] لسرقة كل ما كان يقع تحت أيديهم" (مشعلاني، صليب الحرب، مصدر سابق، ص 38). ويؤكد جوناثان راندل، وكان حينذاك مراسلاً لصحيفة واشنطن بوست الأميركية، أن فندق هوليداي إن"المشهور والفاخر جداً " لم يسقط إلا لأن رجال [المليشيات اليمينية] فضّلوا الذهاب إلى المرفأ للمشاركة في الغنائم. وكانوا أكثر اهتماماً بالسلب من شن المعارك" (جوناثان راندل، حرب الألف سنة حتى آخر مسيحي، مصدر سابق، ص 88 و 89).
لم ينهب أولئك الأرزقية مرفأ بيروت وحدهم، بل نهبه قادة المليشيات، ثم تركوا البقايا للحثالات. وبلغت قيمة البضائع التي كانت مُعدّة لشحنها إلى أصحابها في الدول العربية 715 مليون دولار، وكان "يكفي أن تدفع إلى كتائبي ستة آلاف دولار، وتصبح حرّاً في أن تملأ شاحنتك بما تشاء [من منهوبات المرفأ]. وبعد فترةٍ ضاق الكتائبيون ذرعاً [بتلك الفوضى]، فبدأوا بجمع الأصناف ذات القيمة، كالسجاد والتحف والسيارات والكحول والتلفزيونات الملونة.. إلخ، ونظموا بيعاً بالمزاد العلني في مدرسة الأخوة المسيحيين في [حي] الجميزة" (راندل، المصدر السابق، ص 90). وهكذا تحوّلت "مدرسة الفرير في الجميزة إلى مستودع وصالة بيع. وليل نهار صار شغل الشباب [مسلحو فرقة البي جين] نقل البضائع من المرفأ إلى المدرسة التي امتلأت بالسجاجيد وصناديق المشروبات الكحولية" (جوزف سعادة، أنا الضحية والجلاد أنا، مصد سابق، ص 181). كانوا يسرقون أي شيء بما في ذلك أملاك الدولة. وفي إحدى المرات انقضوا على مصفحة بانهارد للجيش اللبناني في أثناء مرورها في شارع أديب اسحق في الأشرفية، وأخرجوا الجنود منها وأهانوهم في الشارع. وعُرف أن مَن سرق تلك المصفحة هما جوزف سعادة وإيلي بانو. وفي مرة ثانية سطوا على مستودع للجمارك اللبنانية كانت السيارات المعدة للتصدير تُخزّن فيه، وأخذوا ما شاءوا من السيارات (أنظر: جوزف سعادة، المصدر السابق نفسه، ص 116 و 117).
فنون القتل لدى المافيات
لا تختلف المليشيات اليمينية في سلوكها الحربي عن عصابات المافيا قط. وكثيراً ما تقنّع قادة تلك المليشيات باللطف والبشاشة والظُرف، لكن كل واحد منهم كان يُخفي معدنه؛ فهو حاقد كالجمل وسامٌّ كالصّل. ويكشف مارون مشعلاني، في كتابه، حقيقة هؤلاء فيقول: نظمنا عشاء في بيتنا في الرابية في أيار/ مايو 1978. على لائحة المدعوين كان بشير الجميّل وطوني فرنجية، وتُرك الاثنان على الشرفة، ليحظيا ببعض الخصوصية في أثناء مناقشة الوضع في جو منشرح (ص 159). لكن، في 13 حزيران/ يونيو 1978، أي بعد أقل من شهر، أرسل بشير الجميّل قوةً إلى بلدة إهدن ذبحت طوني فرنجية وزوجته فيرا وابنته جيهان، ومعهم نحو ثلاثين شخصاً آخر. آنذاك "أجبر الكتائبيون طوني فرنجية وزوجته فيرا على مشاهدة إعدام طفلتها جيهان البالغة ثلاث سنوات، فأفرغوا في جسدها 24 طلقة، ثم قتلوا فيرا ثم طوني" (راجع: كاي بيرد، الجاسوس النبيل: حياة روبرت إيمز وموته، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2015، ص 212). وعلى المنوال نفسه، قتلت "القوات اللبنانية" داني شمعون وزوجته إنغريد عبد النور وولديه طارق وجوليان، لأنه وقف إلى جانب العماد ميشال عون في ذروة صراعه مع سمير جعجع، ولأنه أسّس "الجبهة اللبنانية الجديدة" المؤيدة لعون، وجعل جبران تويني أميناً عاماً لها. وجرّاء ذلك احتل مسلحو "القوات اللبنانية" مقر صحيفة النهار في حي العكاوي. وعُرف لاحقاً، خصوصاً في أثناء محاكمة جعجع التي بدأت في 19/11/1994، أن المسؤولين المباشرين عن اغتيال داني شمعون هم: غسان توما وطوني عبيد وجورج فغالي وكميل كرم وإيلي عقيقي وجان سميا ونجا القدوم والياس عواد ورفيق سعادة، وأن الذين أطلقوا النار هم: نجا القدوم وإيلي عواد وعاطف الهبر. ومعظم هؤلاء جرى ترحليهم إلى خارج لبنان بعد تنفيذ عملية الاغتيال. ويروي بوب عزام، رئيس جهاز الأمن السابق في مليشيا نمور الأحرار، أن قاضي التحقيق منير حنين الذي أصدر القرار الاتهامي في حق جعجع في 16/6/1994 أبلغ إلى الرئيس إلياس الهراوي أن جعجع انهار في إحدى جلسات التحقيق، واعترف بأنه القاتل، وأن الجريمة هي خطأ حياته (أنظر: صحيفة الأخبار اللبنانية، 31/10/2007). ومن مساخر الوقائع اللبنانية أن كميل شمعون حين زار بلدة زغرتا بعد مجزرة إهدن، صرّح: "هذا العمل غريب عن قيمنا الأخلاقية وعاداتنا التي تأسس عليها لبنان" (راجع: جوناثان راندل، مصدر سابق، ص 104). غريب؟ يا للسخرية. إن مسلحي "نمور الأحرار" الذين يأتمرون بأوامر كميل شمعون وابنه داني لم يتورّعوا عن قتل النساء والأطفال عندما اقتحموا مخيم تل الزعتر في سنة 1976. وبرهاناً على السلوك المافيوزي لتلك المليشيات، يعترف أسعد شفتري بأن بشير الجميل "سأَلَنا في إحدى 

الليالي، أنا و [إيلي] حبيقة، متى نخلّصه من جعجع. إلا أننا أجبنا إنه رفيق في الحزب" (أسعد شفتري، مصدر سابق، ص117). وفي 27/12/1985، وفي اجتماعٍ دعت إليه البطريركية المارونية في بكركي "أقسم جعجع وحبيقة على الإنجيل بألا يلجآ إلى العنف" (شفتري، المصدر السابق، ص 144). ومع ذلك، جرى نصب كمين عند نهر الموت لموكبٍ كان يُظن أنه يقل إيلي حبيقة، وأطلق مسلحو "القوات اللبنانية" قذائف RPG على سيارات الموكب، فقتل نحو 20 مدنياً، بينهم والدة ستريدا جعجع التي صارت، في ما بعد، زوجة جعجع. والمعروف أن الاسم الأصلي لستريدا جعجع هو ست رضا (في شأن محاولة الاغتيال هذه يُنظر: أسعد شفتري، المصدر السابق، ص 144، وشهادته المنشورة في: نبيل المقدّم، وجوه وأسرار من الحرب اللبنانية، مصدر سابق، ص 227). ويكشف مارون مشعلاني، في هذا الميدان، أن سمير جعجع، وفي اجتماع سرّي في المجلس الحربي للقوات اللبنانية في 14/1/1986، أمر باقتحام مبنى الأمن في الكرنتينا وتصفية إيلي حبيقة، لكن أمر القتل لم يحظَ بإجماع المجتمعين، فاكتُفي بإخراجه من المنطقة (مشعلاني، صليب الحرب، مصدر سابق، ص 247).

في معمعان التقاتل الكلبي على الأموال والثروات، سقط آلاف الضحايا بلا أي ثمن، وكانت "بعض عناصر الميليشيات ترمي في البحر مئات المساجين أحياء بعد تثبيت أثقال في القدم" (شفتري، مصدر سابق، ص 300). ولم تتورع تلك المليشيات الذئبية عن ارتكاب أفظع الجرائم، مثل إغراق الأسرى في البحر والإجهاز على الجرحى واصطياد الآخرين بالرصاص. ففي ليل 26-27/9/1986، عندما اخترقت قوات حبيقة منطقة الأشرفية، وبعد أن فشلت العملية "أُدخل بعض الجرحى إلى المستشفيات في الأشرفية، فطوّقت عناصر تابعة لجعجع المستشفيات، وسحبت المصابين من أسرّتهم بالقوة، وأخذتهم إلى وجهة مجهولة، ولم يرهم أحد بعد ذلك. وتسرّبت شائعات تطال جثثاً أُلقيت في البحر" (شفتري، المصدر السابق نفسه، ص 201 و 202). وبعد فشل عملية الاختراق، قام رجال ميليشيا القوات اللبنانية بالقبض على أنصار إيلي حبيقة، وكانوا يعدمونهم على الفور، ثم يعمدون إلى شد وثاق بعضهم إلى سيارة تنطلق في شوارع الأشرفية وهي تجرّ وراءها أشلاء الضحايا. وقد جرى ربط أرجل البعض بأثقال ورميهم في البحر" (ريجينا صفير، أَلقيتُ السلاح، مصدر سابق، ص 212). ويعتقد مارون مشعلاني أن محصلة معركة جعجع – حبيقة كلفت، خلال أربع وعشرين ساعة، أكثر من 800 قتيل (صليب الحرب، ص 248)، فيما ترى ترايسي شمعون أن العملية تلك أزهقت أرواح 600 مقاتل من أنصار إيلي حبيقة (ثمن السلم، ص 73). وفي أثناء الولوغ في دماء الناس إبّان مجزرة الصفرا (7/7/1980) التي قادها بشير الجميل، كان القواتيون يرمون الناس من الشرفات، فيما الآخرون يصطادونهم برشّاشاتهم كالعصافير في أثناء السقوط. آنذاك قُتل نحو 150 شخصاً بينهم 45 خادماً باكستانياً وثلاثة من المارّة. واعتقلتْ مجموعة من "القوات اللبنانية" ترايسي شمعون ووالدتها، واقتادتهما إلى مكانٍ ما. ورأت ترايسي، في أثناء اقتيادها ووالدتها، رجلاً ملقى على قارعة الطريق وأعضاؤه التناسلية مبتورة، وممثّل بها، ومرمية بالقرب منه (ترايسي شمعون، ثمن السلم، المصدر السابق نفسه، ص 58). وقد ذهبت ريجينا صفير إلى البطريرك مار أنطونيوس بطرس صفير لتخبره بما يحصل من قتل، لعله يتدخل لوقف المذبحة التي ينفذها سمير جعجع بحق أنصار إيلي حبيقة، وراحت تسرد له ما حلّ بالمخطوفين، "لكن وجه البطريرك ظل خالياً من أي تعبير. ومع ذلك، واصلتُ سردي للوقائع والفظائع [...]. واستتبع كلامي صمت طويل [...]. ولم ألبث أن أدركت ضرورة أن أستأذن غبطته بالإنصراف [...]. كم كنتُ أود لو يقول شيئاً. كنتُ أنتظر منه إدانة، أو على الأقل انزعاجاً، ولكنه لم يقل لي شيئاً [...]. إنهم لا يسمعون؛ لقد نال الصمم منهم جميعاً" (ريجينا صفير، أَلقيتُ السلاح، مصدر سابق، ص 214 و215). وزارت ترايسي شمعون البطريرك صفير في أثناء محاكمة جعجع بجريرة اغتيال داني شمعون وعائلته، فحاول البطريرك إقناعها بالعدول عن دعواها القضائية التي تدين جعجع، وأراد منها أن تتراجع عن الدعوى، لأن "من غير المستحب مقاضاة مسيحي". فردّت عليه: حتى لو كان هذا المسيحي قد قتل أخاه المسيحي؟ وكان الحديث بينهما غير ودّي (ترايسي شمعون، ثمن السلم، مصدر سابق، ص 122 و123). ولعل هذه الوقائع المروّعة تفتح باباً لمن لا يزال يفتش عن المفقودين في الحرب.
خرافة الشجاعة
يتباهى مارون مشعلاني بأن "مجموعتنا لا تعرف الخوف ولا تأبه بالموت" (ص 95)، لكنه لا يلبث أن يعترف بالتالي: "أُصيب المقاومون الأربعة الذين كانوا مع تيتو ومعي بنوبة هلع رهيبة، فانهاروا. وبسبب الخوف الذي اعتراهم تجمدوا في مكانهم ولم يعودوا قادرين على القيام بأي حركة" (ص 113). ولمزيدٍ من التأكيد يقول: "إن المجموعة التي خضنا الهجوم بمعيتها هذا الصباح تركت المكان، ما إن بدأ إطلاق النار، لأن هؤلاء الرجال ارتعبوا من فكرة أن يلقوا مصير رفاقهم" (ص117). وأمثال هؤلاء كُثُر جداً بحسب مشعلاني "كانوا يهربون إلى غير رجعة من خطوط المواجهة، ويروحون يتشدّقون بأخبار مآثرهم الوهمية الدونكيشوتية" (ص41). ويضيف: "كان المقاتلون الأصغر سناً يفقدون عزيمتهم وينسحبون" (ص 42). وليس الهلع والجبن مقصورين على هؤلاء المقاتلين وحدهم، فعلى غرارهم كان قادتهم. كميل شمعون نفسه فرّ من قصر السعديات سراً قبل عدة أيام من سقوط البلدة، من دون أن يُخبر مسلحيه. وكان يمكنه أن يعقد اتفاقاً مشرفاً له ولرجاله، يحمي به سكان بلدة الدامور المساكين. لكنه آثر الفرار ليلاً بالبحر، وترك البلدة وجوارها فريسةً للمتقاتلين. وفي أثناء سير الموكب الذي أقلّ بشير الجميّل والجنرال أمير دروري قائد المنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي، والجنرال أبراهام تامير مستشار وزير الدفاع الإسرائيلي، والجنرال عاموس يارون قائد القوات الإسرائيلية في لبنان إبان اجتياح عام 1982، وفي أحد شوارع مدينة جونيه الساحلية، حدث إطلاق نار مفاجئ، فما كان من بشير الجميّل إلا أن ترجّل من سيارته مذعوراً، واختبأ وراء جدار من الإسمنت، وتوقف الموكب في مكانه. وسرعان ما ترجّل حرّاس بشير الجميّل من سياراتهم، وراحوا يطلقون النار عشوائياً باتجاهاتٍ مختلفة. وبعد وقت قصير، عاد الجميّل إلى السيارة باهت اللون، واعتذر من ضيوفه الإسرائيليين الذين ظلوا في السيارات خلافاً له (أنظر: شمعون شيفر، عملية كرة الثلج، مصدر سابق، ص 108 و109).
متعاونون غير نبلاء: المهانة وذل المال
كشف الصحافي الأميركي بوب ودورد الذي أذاع على الملأ تفصيلات فضيحة ووترغيت أن بشير الجميّل كان عميلاً مدفوع الأجر لوكالة سي آي إيه (المخابرات المركزية الأميركية) (أنظر: الجاسوس النبيل، مصدر سابق، ص 193). ويؤكد فيكتور أوستروفسكي، وهو أحد رجال "الموساد"، أن بشير الجميّل كان يعمل لمصلحة الاستخبارات المركزية الأميركية (راجع: أوستروفسكي، عن طريق الخداع، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1990، ص 264). وكانت "سي آي إيه" قد اتصلت ببشير الجميّل، حين كان يتدرب لدى أحد مكاتب المحاماة في واشنطن، ووافق على أن يكون مخبراً لديها بأجر، ودفع الأميركيون آلاف الدولارات له" (أنظر: يوسي ميلمان ودان رفيف، أمراء الموساد، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات  

والنشر، 1991، ص 230). وفي ما بعد، أدّت اجتماعات متكرّرة عقدها بشير الجميّل مع مسؤولين إسرائيليين بين 1976 و1980 إلى تعاون مزودج للاستخبارات الاسرائيلية مع بعض المنظمات اليمينية، كحزب الوطنين الأحرار (كميل شمعون)، وحزب حرّاس الأرز (إتيان صقر)، وحزب التنظيم (فؤاد الشمالي وجورج عدوان) يقضي بتزويد تلك المنظمات بالسلاح والمال، وتسهيل التجارة المحظورة لها، لقاء معلوماتٍ عن المقاومة الفلسطينية والجيش السوري (راجع: نقولا ناصيف، المكتب الثاني، مصدر سابق، ص 629 و630). وكشف ألان مينارغ أن جورج عدوان من حزب التنظيم كان قد توجّه، في أيلول/ سبتمبر 1975، إلى سفارة إسرائيل في شارع رابلييه في باريس، وطلب مقابلة شخص مسؤول، فوجد نفسه أمام دافيد كيمحي، فقال له عدوان على الفور: "نحن نقاتل العدو نفسه، أي الفلسطينيين، ونريد أن تزودوننا بالسلاح". وبعد عدة أيام، توجه كيمحي وبنيامين بن أليعزر (فؤاد) إلى لبنان، للاتصال بالأحزاب اللبنانية اليمينية، وأقلهما زورق حربي من طراز "دبور" رسا قبالة ميناء جونيه، ثم انتقلا إلى الشاطئ، حيث كان في استقبالهم بشير الجميّل وداني شمعون (راجع: ألان مينارغ، أسرار حرب لبنان، مصدر سابق، ص 68 و69).وأكد هذه الحادثة أيضاً شمعون شيفر في كتابه "عملية كرة الثلج" (مصدر سابق).

ألّح "الموساد" على بشير الجميّل أن يقدّم معلومات وافية وتفصيلية ومتواترة زمنياً عن الفلسطينيين، وعن أماكن إقامة قادتهم، خصوصاً أبو جهاد وياسر عرفات. ووقف الجميّل على خاطر "الموساد" فكلّف ميشال يارد تأليف فريقٍ لهذا الغرض، ووفر جان ناضر لهذا الفريق مكتباً وهاتفاً ينتهي بالرقم 8. ولاحقاً تحوّل ذلك الفريق إلى جهاز الاستخبارات في "القوات اللبنانية" (أنظر: ألان مينارغ، أسرار حرب لبنان، مصدر سابق، ص 42). ونتيجة هذا التعاون، أنشأ الاسرائيليون محطة رادار بحرية في جونية سنة 1979. وكانوا يدفعون لبشير الجميّل ما بين 20 و 30 ألف دولار شهرياً، لقاء جهده في تأمين تلك القاعدة وحراستها. ثم أنشأوا محطة لجهاز الموساد في مكان ما عند الحد الفاصل بين بيروت الشرقية وبيروت الغربية، تديرها الوحدة 504 في الاستخبارات الخارجية (راجع: فيكتور أوستروفسكي، عن طريق الخداع، مصدر سابق، ص 266). ويقول أسعد شفتري: "كانت القوات اللبنانية قبل معركة المئة يوم [1/7/1978] قد راحت تجمع المعلومات عن المراكز العسكرية السورية في منطقة الأشرفية، والتنصّت على هواتف تلك المراكز" (أنظر شهادة شفتري في: نبيل المقدّم، وجوه  

وأسرار من الحرب اللبنانية، مصدر سابق، ص 212). ويضيف: "خلال الاجتياح الاسرائيلي في العام 1982 كانت أجهزة المخابرات التابعة لنا ترصد تحرّكات القادة الفلسطينيين، خصوصاً ياسر عرفات، وتُعلم الاسرائيليين بها" (شفتري، الحقيقة ولو بصوت يرتجف، ص 55). وكان رئيس محطة "الموساد" في لبنان آنذاك، آفنر أزولاي، والأسماء الحركية لبعض مسؤولي حزب الكتائب والقوات اللبنانية الذين كان ميناحيم نافوت (مندي) يشرف عليهم على النحو التالي: أنطوان نجم (نبتون)، زاهي البستاني (مارلون)، سليم الجاهل (ميشال سان أندريه، وميشال وأندريه هما إبنا الجاهل)، وليد فارس (وودي)، أسعد شفتري (غي). وكان "الموساد" يدفع الأموال للمتعاونين معه،" وذات يوم، أعطانا الاسرائيليون مبلغاً من المال مقابل بعض المعلومات التي قدمناها" (راجع: أسعد شفتري، المصدر السابق، ص51). أما المبلغ بالتحديد، فيكشف عنه جورج حايك فيقول إن المبلغ الذي أرسله الموساد إلى أحد قادة "القوات اللبنانية" هو 41 ألف ليرة لبنانية فقط (أنظر: جورج حايك، بشير الجميّل تاريخ في رجل، د.م.، د.ن.، 2009، ص 176). وليست هذه المهانة غريبة ألبتة، فقبل ذلك راح إلياس ربابي، خطيب حزب الكتائب، يتبجّح في اجتماع مع غدعون رفائيل في 12/12/1950 قائلاً إن عدد أعضاء حزب الكتائب بلغ آنذاك 60 ألفاً، وإن الحزب سيخوض معركة الانتخابات النيابية، وسيحصل على أربعة مقاعد، وإنه يريد مساعدة مالية "حرزانة"، فأوصى غدعون رفائيل بدفع ما بين 5 و10 آلاف دولار له. لكن الإسرائيليين اكتفوا بدفع ألفي دولار فقط، دفعها له يهوشواع فلامون. وفي الانتخابات، لم يُفز أحد من الكتائبيين (أنظر: رؤوفين إرليخ، المتاهة اللبنانية، تعريب محمد بدير، بيروت: د.ن.، 2017).
ما إن انتُخب بشير الجميل بدعم إسرائيلي مكشوف رئيساً للجمهورية في صيف عام 1982 حتى "احتفل الموساد بانتصار بشير بوليمة. ربما كانت المرة الأولى في تاريخ أجهزة المخابرات الاسرائيلية يصل فيها أحد ثمارها إلى مثل هذه القمة السياسية في بلاده (أنظر: شمعون شيفر، عملية كرة الثلج، مصدر سابق، ص 131). ومع ذلك، لم يتردّد الاسرائيليون في إهانته، ففي اجتماع نهاريا في 1/9/1982، أي بعد انتخابه رئيساً للجمهورية، وحضره بشير الجميل وجوزف سعادة وجورج فريحة، جرت الأمور على النحو التالي: طوّافة إسرائيلية تنقل الثلاثة من جونيه إلى أحد المهابط العسكرية. لم يكن أحد في استقبال بشير الجميل غير دافيد كيمحي. وُضع الثلاثة في باصٍ أقلهم إلى معمل في مدينة نهاريا كان قد تحول ثكنة عسكرية. كان حاضراً في الاجتماع يتسحاق شامير وأريئيل شارون ودافيد كيمحي ويتسحاق حوفي من الموساد وميناحيم نافوت (مندي) والجنرال أوري ساغي. وجلس الجميع ينتظرون ميناحيم بيغين الذي كان من المفترض أن يستقبل الجميّل عند وصوله بالطوافة. واللافت عدم وجود أي وحدة عسكرية لأداء التحية له، ولم يودّعه رسمياً أحد، لدى انتهاء ذلك الاجتماع المهين والمذل، بعدما تلقى تقريعاً موجعاً في شأن الإسراع في عقد معاهدة سلام مع إسرائيل (راجع: جورج حايك، بشير الجميّل: تاريخ في رجل، مصدر سابق، ص 292 - 294).
قصارى القول: بئس الحرية والسيادة والاستقلال إذا كانت الجماعات الفاشية في لبنان، والأحزاب اليمينية، الإسلامية والمسيحية معاً، هي مَن ترفع لواءها بلغةٍ هذيانيةٍ لا تثير إلا السخرية والضحك. وعلى الرغم من كتب الاعترافات الكثيرة، الراقية منها والمنحطّة، فإن تلك المجموعات العنصرية التي تحاول التملّص من تاريخها الأسود بالكذب اليومي الذي يُطلع النجوم في عز الظهيرة، ينطبق عليها، حفراً وتنزيلاً، القول التالي: إنكم لا تصبحون إلا ما كنتم عليه.