هل توجد تقنيات جاهزة لكتابة القصة القصيرة؟

تابعنا على:   22:31 2019-10-21

نبيل عودة

أمد/  يذهب بعض النقاد والمتعاملين مع الفن القصصي الى طرح تقنيات تساعد على كتابة القصص القصيرة. خضت مع بعضهم نقاشات طويلة حول عبث ما ينظرون له. كتبت تعقيبات على مقالات ادعى كتابها انهم يقدمون للراغبين في كتابة قصة قصيرة الشرح الوافي والكامل لكتابة القصص. طبعا قدموا شرحا مفصلا حول كيفية كتابة قصة قصيرة، مبناها، ابطالها، بدايتها، وسطها ونهايتها. أي طرحوا شبلونات وبنود يمكن على اساسها كل من يعرف كتابة انشاء عربي ان يكتب قصة قصيرة. انا اعتقد انها كتابات فائضة عن الضرورة وسلبياتها أكبر من ايجابياتها. كتاب هذه الارشادات، حتى من حملة شهادات عليا، هم فقراء فكرا ومعدومي المعرفة للفن القصصي وصمتهم افضل من ثرثرتهم الفارغة من أي مضمون ثقافي.

هل حقا توجد تقنيات يمكن الالتزام بها لكتابة القصة القصيرة؟ اي شبلونة (مسطرة) يمكن ان نكتب قصصا حسب مقاساتها؟

اصحاب تلك المقالات تجاهلوا مسألة جوهرية تتعلق بمفهوم لغة القصة القصيرة، طبعا هي اللغة العربية في حالتنا، لكنها لغة نص مختلفة عن أي نص كتابي آخر. ما اعنيه انها ليست نفس التركيبة اللغوية للمقال السياسي مثلا، او للمقال النقدي، او للمقال البحثي. الشرح عن تركيبة القصة القصيرة يبدو لي انه يؤطر المضمون والحركة القصصية داخل صندوق مغلق ومفرغ من الهواء، أي كتابة "مخنوقة".

ان لغة القصة هي موضوع لا يمكن تناوله بمثل هذه البساطة والفوقية التي يتناول فيها البعض شرح تركيبة القصة القصيرة، كأنه يشرح مسالة في الرياضيات، انا على ثقة ان تلك المقالات لم ولن تنتج كاتبا قصصيا واحدا، بل قد تضلل كتابا موعودين.

المعضلة الكبيرة، او الهوة الكبيرة لمثل هذه المقالات هي استحالة شرح تراكيب قصصية بمقاييس جاهزة، وخاصة استحالة شرح مضمون اللغة القصصية. مثلا هل بإمكان أحد ان يشرح مفهوم اللغة الدرامية التي هي لغة الابداع القصصي الجوهرية؟ ان مفهوم الدراما (للتوضيح) ليس في الفكرة فقطـ انما في تركيبة اللغة نفسها؟ لغة لها مركبات مميزة عن السرد النثري لمواضيع غير قصصية، ولكن هذا لا يكفي. مثلا كاتب متمرس بإمكانه تطوير اساليب لغوية جديدة وأفكار قصصية غير تقليدية للنص القصصي. مثلا استعمال أسلوب الخبر الصحفي ولغة الصحافة الأقرب للمناخ الثقافي السائد واللغة الأكثر فهما واستعمالا في حياتنا اليومية، واسلوب بناء الحدث القصصي عن طريق مبنى الخبر الصحفي او الريبورتاج (وهنا صعوبة كبيرة لدرجة الاستحالة لكاتب غير متمرس)، او بأسلوب الكتابة التاريخية او التوثيقية، او حتى اخضاع الطرفة وتطويرها لجعلها مادة قصصية.

حتى السماء ليست حدودا لقدرات الانسان الابداعية!!

قد يقول ناقد ما مستهجنا ان هذا اسفاف لمضمون اللغة القصصية وانا اقول ان الموضوع أبعد من التفكير الفوقي والأحكام المتسرعة لمن يعجزون هم أنفسهم ان يصيغوا قصة قصيرة رغم اجادتهم الكبيرة في شرح مركباتها. طبعا شرحهم يعتمد المنهج الكلاسيكي – التقليدي وهو تقريبا تلاشى من السرد القصصي او تقلصت مساحته.

قرأت ابحاثا عديدة لكتاب اجانب أيضا. لا اظن انه يمكن انتاج عمل قصصي حسب شبلونة تطرح بنودا يمكن على اساسها صياغة قصة قصيرة. مسبقا اقول ان القصة عملية خلق ابداعية لا تلتزم بأي مقاييس مسبقة، وتبدع لغتها وتركيبتها بمسارها الذاتي وليس حسب بنود يضعها الكاتب امامه ليستعملها في بناء القصة.

البطل في العمل الأدبي ليس مجرد اسم وشكل، ثم نركب عليه حدث قصصي، او نفتعل له عقدة ما، ثم نجد له الحل سلبا او ايجابا. اين اختفت سيكولوجية البطل؟ كيف نستعمل مفاهيم علم النفس الاجتماعي في تركيبة الحدث او التضاد بين الأبطال والواقع الذي تطرحه القصة؟

لا أظن ان مؤلفي هذا النوع من النصوص يقصدون ما قد يفهم من العنوان، ربما قصدهم شرح فكرتهم حول مركبات النص السردي القصصي. لا يوجد تماثل بين قصتين لنفس الكاتب الا ما ندر، فكيف الحال مع مئات الاف الكتاب؟ لا يوجد خط عريض واضح في حركة الإبداع لنفس الأديب. الكاتب هو اديب مجرب والتجريب لا ينتهي من اول قصة يكتبها حتى آخر قصة يكتبها، اذا استمر بدون تغيير تولد اعماله ميتة ومكررة لدرجة الملل. الأمر يشبه هنا انتاج حيوات، الحياة شديدة التعقيد والتركيب وعدم التماثل بين عنصرين، تماما مثل بصمة الأصابع. ربما أفضل طريقة لمعرفة فنون الكتابة القصصية، هي قراءة الاف الأعمال الأدبية بانتباه كامل لأسلوب السرد ومركباته المتنوعة، شكل بناء الشخصيات وتطورها، خصوصية اللغة في العمل القصصي، (اللعبة القصصية او الروائية) وطريقة بنائها والتلاعب بالأحداث، روح الحوار وعلاقته بالشخص، مطابقة الحوار للشخصية القصصية (او الروائية) وغير ذلك الكثير من التجديدات التي لا تتوقف، صياغة وفكرا، وقراءة تجارب الكتاب انفسهم اذا وجدت. لا يمكن ان تصاغ مفاهيم ثابتة للقصة القصيرة او لأي عمل أدبي. يمكن حث الموهوبين للاطلاع عبر تمهيد يعرض عليهم مركبات اولية، لكنها مجرد خطوات اولى لا يمكن جعلها قانونا قصصيا.

الأمر الأساسي ان الكتابة، أي كتابة كانت، تحتاج الى موهبة خاصة. يمكن تطوير الموهبة، بدونها لا يمكن تحريك شيء، لا يمكن ان تتطور الموهبة بدون قراءة واعية وموسوعية، واطلاع واسع على العديد من كتب النقد القصصي، والانتباه ان بعضها يشوه الرؤية القصصية اذا لم يكن القارئ واعيا لفلسفة الأدب تحديدا والقصة القصيرة عموما.

نصيحتي لعشاق الابداع القصصي بسيطة جدا، اقرأوا بوعي وعبر دراسة النصوص وتحليلها الذاتي. اسلوب تركيب الحدث، مميزات النص، تركيبته اللغوية، الحوار ومطابقته للشخصيات، انتبهوا الى الدراما في لغة النص وليس الدراما في الفكرة القصصية فقط. نص بدون لغة درامية، هو نص فاشل. الفكرة الدرامية ليست مشكلة، احيانا الفكرة القصصية بلا دراما لكن اللغة القصصية تصنع الدراما. والأهم لا تتوهموا ان هناك شبلونة جاهزة لكتابة قصة قصيرة، ولا تلهيكم تلك الشروحات، لأنها نتاج عقول لا ترى ابعد من أنفها!!

كلمات دلالية

اخر الأخبار