تركيا.. هل يتجه "العدالة والتنمية" نحو التفكّك؟

تابعنا على:   11:13 2019-12-07

فؤاد محجوب

أمد/ أعلن كلٌّ من علي باباجان، نائب رئيس الوزراء التركي ووزير الاقتصاد السابق، وأحمد داود أوغلو، القيادي المعروف في حزب العدالة والتنمية التركي، والذي كان في وقت ما أقرب حليف للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عزم كلٍّ منهما تأسيس حزب جديد قبل نهاية العام الجاري.

وكان داود أوغلو الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2014 و2016، قدّم استقالته من الحزب الحاكم منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي، بعد إحالته إلى «لجنة تأديب» حزبية. وشرّعت استقالته، حسب قول محللين، «الأبواب على مصراعيها نحو تفكك العدالة والتنمية»، وخصوصاً بعد الخسارة المذلّة التي منيّ بها الحزب الحاكم خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير.

ووجّه أوغلو في حينه انتقادات حادة لأردوغان وقيادة الحزب، واتهمهما بـ«تقويض الحريات الأساسية وحرية الرأي»، سواء داخل الحزب نفسه أم على المستوى العام. وقال إن الحزب «لم يعد قادراً على حلّ مشاكل البلاد».

وقبله، كان نائب رئيس الوزراء السابق، علي باباجان، استقال من الحزب في تموز/ يوليو الماضي، احتجاجاً على ما وصفه بـ«تفرد أردوغان بالرأي وعدم استشارة قيادات مرموقة في الحزب الحاكم حول سياسات الدولة»، مشيراً إلى أن تركيا تعاني من مشكلة فيما يتعلق بقضايا العدالة والاقتصاد في ظل «التضييق على الحريات، وحصر جميع السلطات في قبضة أردوغان، والعمل على تصفية جميع خصومه السياسيين ومعارضيه تحت غطاء محاولة الانقلاب الفاشلة».

ذلك كلّه أدى، حسب باباجان، إلى الهزيمة المدوية في الانتخابات المحلية في عدة مدن تركية.  ولذلك أعلن نيته تشكيل حزب سياسي جديد، معرباً عن رغبته في «إعادة بعض السلطات إلى البرلمان والعدول عن التعديلات الدستورية التي مكّنت الرئيس التركي من إمساك البلاد بقبضة من حديد».

ويوصف باباجان، (وهو عضو مؤسّس في حزب العدالة والتنمية وشغل منصب وزير الاقتصاد ثم منصب وزير الخارجية، قبل أن يشغل منصب نائب رئيس الوزراء حتى عام 2015)، بأنه «مهندس الانطلاقة الاقتصادية» التي عاشتها تركيا في السنوات الأولى لحكم «العدالة والتنمية»، والتي نما فيها الاقتصاد التركي ثلاثة أضعاف عقب الأزمة المالية لعام 2001. فيما يُعدّ داود أوغلو «منظّر الحزب وصاحب الأفكار الرئيسية في سياسته الداخلية والخارجية»، وهو صاحب نظرية «تصفير المشكلات» مع دول الجوار، قبل أن يقلبها أردوغان إلى «تصفير التفاهمات».

وتحدثت تقارير صحافية منذ فترة طويلة بأن باباجان والرئيس السابق عبد الله غول، (وهو أيضاً من مؤسسي حزب العدالة والتنمية وكان حليفاً لأردوغان)، يعتزمان تشكيل حزب منافس. لكنّ باباجان علّق على ذلك بقوله إنّه «يُشاطر غول مخاوفه وإنّ نظرتيهما لمستقبل تركيا تتلاقيان، لكنّه شدّد على أنّ الأخير لن يكون جزءاً من الحزب الجديد».

آثار وتداعيات

وحسب محللين، فإنّ من شأن الإعلان عن حزبين جديدين أن يهزّ أركان الحزب الحاكم في تركيا، خاصة وأنّهما «سينطلقان من نفس أفكار «العدالة والتنمية» وينافسانه على نفس القاعدة الشعبية والانتخابية، وسيكونان قادرين على استقطاب الغاضبين من أداء الحزب ورئيسه، ومن تأثيرات الأزمة الاقتصادية».

لكن المحللين رجّحوا أن يكون التأثير الأكبر على أردوغان نفسه الذي «لن يقبل ببروز منافسين من الوزن الثقيل له في الانتخابات القادمة، وخصوصاً من أصدقائه القدامى الذين كان لهم الفضل في بناء المجد الشخصي له ولحزبه». وذهب البعض حدّ القول إنّ «بروز شخصية منشقة عن حزب العدالة والتنمية كخصم جديد لأردوغان قد يكون له أثر مدمّر عليه في الانتخابات المقبلة المقررة عام 2023»!.

وقد كشفت بعض الأرقام الرسمية المتداولة عن استقالة نحو مليون عضو من الحزب الحاكم منذ العام الماضي، في وقت زادت فيه سياسات أردوغان، وخاصة عل الصعيد الاقتصادي، من حدة نفور قيادات من الحزب وكثير من قواعده منه.

وتعكس هذه الاستقالات، في نظر المراقبين، «انفجار الغضب المتراكم داخل الحزب من سياسات الرئيس أردوغان الاستبدادية، ومن تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية حتى مع الحلفاء والشركاء»، إضافة إلى السياسات الاقتصادية التي توصف بالفاشلة، حيث بات الوضع الاقتصادي يشكّل همّاً يومياً يقضّ مضاجع غالبية الأتراك الذين يعانون الأمرين في سبيل تأمين قوت يومهم، فيما تروّج السلطات لـ«بروبغاندا» إعلامية عن وجود «مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا»!.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 %، وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية الأخيرة، إلى 30.6 %، حسب بعض استطلاعات الرأي.

وبحسب الاستطلاعات، فإن هناك حوالي 12 % ستعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 % لحزب داود أوغلو، ما يعني بالضرورة تراجع نسبة التأييد لـ«العدالة والتنمية»، بالنظر إلى اعتماد الأحزاب الثلاثة على القاعدة الشعبية والانتخابية ذاتها. وبالتالي، فإن حظوظ أردوغان وحزبه ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية. وهو ما يؤكد، في نظر مراقبين، توقعات داود أوغلو بأن «العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه».

ولا يستبعد المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان، وخصوصاً في حال تحالفهما مع "حزب الشعوب الديمقراطي" (الكردي)، الذي لعب دورا كبيراً في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفاً مع حزب "الحركة القومية" اليميني المتطرف، وبالكاد تمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر حزبه سبع بلديات كبرى.

في حزيران/ يونيو 2001، حلّت المحكمة الدستورية «حزب الفضيلة»، رابع تجارب الزعيم الإسلامي المخضرم في تركيا، نجم الدين أربكان، الذي يعتبر "عرّاب تجربة الإسلاميين الأتراك الثانية"، (الأولى كانت لعدنان مندريس، في خمسينات القرن الماضي).

حينها أعلن جناح في الحزب المُنحلّ، وصف بـ"المُجدّدين" استقلاله عن العرّاب أربكان، وتأسيس حزب جديد لـ"استعادة مجد الأسلاف عبر عثمانية/ طورانية جديدة". حزب "لا يتصادم مع الغرب، ويمكّن إسطنبول من قيادة شرق أوسط جديد يتكون من العالميْن الإسلامي والعربي، ويكون مدخل تركيا للاتحاد الأوروبي"، وفق رؤية المنظّر أحمد داود أوغلو، الذي شكل أحد أركان هذا الحزب إلى جانب عبدالله غول الذي تولّى إعلان تأسيس «العدالة والتنمية»، وكان أول رئيس للحزب، وأول رئيس إسلامي للجمهورية العلمانية، رافعاً شعار "المصالحة بين التراث الإسلامي والقيم العصرية".

أما علي باباجان، فكان "المعادل الاقتصادي" لأوغلو، وراسم سياسات تركيا الاقتصادية حتى 2015، وكان كبير المفاوضين مع الاتحاد الأوروبي، ثم وزيرا للخارجية، فنائباً لرئيس الوزراء من 2009 إلى 2015. هؤلاء الثلاثة شكلوا «رافعة حقيقية» فيما بعد لصعود رجب طيب أردوغان في وقت كان فيه الأخير ممنوعاً من العمل السياسي.

أما «رافعة» مشروع الحزب الجديد برمّته، فكان فتح الله غولن، (العرّاب البديل لأربكان)، مستنداً إلى «شبكة ضخمة من المدارس والمراكز البحثية والشركات ووسائل الإعلام يملكها في خمس قارّات، فضلاً عن جمعية خدمت» التي كانت، وما زالت، «أشبه بدولة موازية أو بأخطبوط محلي وعالمي، لتقديم الخدمات التي تقصّر فيها الدولة»!.

وفي موازاة طموحه لتحقيق الزعامة المطلقة في الحزب، فقد بدأ أردوغان حربه على أقرب المقربين إليه، بمن فيهم الأشخاص الذيم ساهموا بوصوله إلى ما هو عليه. وقد افتتح هذه الحرب بملاحقة منظمة غولن، وخاصة بعد محاولة الانقلاب الفاشلة، 15 تموز/ يوليو 2016، حيث وصل عدد المفصولين من أعمالهم على «ذمة الارتباط بمنظمة غولن، "خدمت"، وعدد المعتقلين بذات التهمة إلى عشرات الألوف».

وما إن مرّر أردوغان تعديلاته الدستورية، محوّلا نظام الحكم إلى رئاسي، حتى طلب من باقي رفاقه؛ غول وأوغلو وباباجان، إضافة إلى قياديين آخرين يشكّ بولائهم له، ولا يذعنون لتعليماته وإملاءاته، التنحي سياسيا وحزبياً، بحجة «تجديد دماء العدالة والتنمية». ولم يكتفِ أردوغان بذلك، بل هدّد رفاقه السابقين بسياسات عقابية واتّهامات تتوافق مع ميوله الانتقامية، وكانت البداية حين أعلن أنّ «مصير المنشقين عن حزبه هو الفشل، ووصفهم بالخونة، وتوعّد بمحاسبتهم»؟!.

كلمات دلالية