إن تركتم إسرائيل فلن تترككم

تابعنا على:   17:19 2020-01-15

صالح عوض

أمد/ سورية مثالا

الحياة لا تعرف السكون وأي محاولة لتسكينها إنما هي محاولة لقتل عناصر الحياة فيها وهي لن تنجح بل ستفتح الباب أمام حركة في غير الاتجاه السليم، إذن لابد من البحث عن المركزي من القضايا وبأولويات لإشغال الطاقة من خلال الحكمة والوعي والهدف الايجابي..

هذه خلاصة لما عليه حالنا في الوطن العربي تظهر بجلاء في القضية السورية.. وبدءا لابد أن نحسم موقفنا من وحدة سورية أرضا وشعبا ودولة ونعلن بوضوح موقفنا الثابت ضد أي محاولة تستهدف أمن سورية واستقرارها وكرامة شعبها.

على أرضية هذا الموقف نحاول طرح جدليات المواقف وإثارة التساؤلات ومناقشة المسلمات علنا نهتدي الى أول الخيط في الحفاظ على الدولة الوطنية المستهدفة الان بالتقسيم والتشتت.

ننطلق من بديهية سياسية تلك التي تؤكد أن القضية المركزية للعرب والمسلمين جميعا بمعنى أن المشروع الصهيوني يستهدف المنطقة العربية والعالم الإسلامي استراتيجيا ومن المعلوم ان هذا المشروع يتحرك في كل مكان يجد فيه خميرة لأزمة في بلادنا تجده يفصل جنوب السودان ويدعم الانفصاليين الأكراد في العراق ويتواصل مع الانفصاليين البربر فرحات مهني ويتواصل مع مجموعات مسلحة في سورية و سواها كما انه يستهدف القنبلة النووية الباكستانية والمفاعل النووية الإيرانية وقام باغتيال مئات العلماء العراقيين ويحوط شمال إفريقيا العربي باختراقات أمنية في الدول الإفريقية..

لكن سورية ومصر والأردن ولبنان أي دول الطوق فالقضية الفلسطينية ليست قضية مركزية فقط بل وقضية أمن وطني وقومي أولى يجب الانتباه لها على اعتبار أنها محور كل نشاط للدولة العربية المجاورة لها.. وهنا يجب الانتباه إلى أن بقاء إسرائيل كيانا عنصريا في المنطقة يستوجب تخلفا دائما في الإقليم وارتباكا امنيا وصراعات داخلية وضعف عسكري ومجتمعي مستمر.. فإسرائيل لم تعد فقط كيانا عنصريا سياسيا تحد نشاطاته بجغرافية معينة بل أصبح يمتد في عصب المنطقة ليشلها من خلال علاقاته الدولية والإقليمية.

وهنا نبدأ بطرح تساؤلاتنا ومقارباتنا حول سورية البلد العربي الذي له علاقة خاصة بفلسطين تجمعه بها وحدة جغرافيا ووحدة إقليم تاريخي بعادات خاصة وصلات قربى حميمية تحت عنوان بلاد الشام وهنا تصبح فلسطين ليست فقط قضية مركزية وليست فقط قضية اولى بل قضية حياة وموت.. ففلسطين تتبوأ مكانة في الوجدان السوري والوجود السوري ليس لسواها من بلاد العرب.

فهمت القيادة السورية بعض الوقت ان عدم الانخراط في العملية السلمية يكفي ليعبر عن رفض التنازل عن بعض الحق العربي.. وفهمت ان البقاء في دائرة اللاحرب واللاسلم أسلم من الانخراط في العملية السياسية واتجهت القيادة السورية الى امتلاك أوراق قوة تعزز صمودها وقوة ردعها فكان عليها ان تمتلك الورقة الفلسطينية واللبنانية والعلاقات مع إيران ثم العلاقة في الوضع العراقي.. ودفعها ذلك الى مشكلات دامية مع الفلسطينيين واللبنانيين الذين رفضوا ان يكونوا ورقة قوة بيد النظام السوري الذي واجههم بقسوة فاخرج المقاومة الفلسطينية من لبنان وصفى التنظيمات اللبنانية الوطنية الموالية للفلسطينيين.. ورعى وجود قوى جديدة حققت له ما يريد في الساحة اللبنانية والغى احتمال وجود قوى اخرى.. كما انه ظن ان مشاركته مع قوات التحالف الدولي ضد التدخل العراقي في الكويت سيعطيه فرصة إضافية في الوجود الآمن الا ان احتلال العراق كشف الغطاء عن سورية التي أصبحت البلد العربي المؤهل للسقوط مباشرة بعد سقوط بغداد وهنا حاول النظام السوري جاهدا تقوية المقاومة العراقية إلى ان حققت انتصارا على الغزو الأمريكي فكان لذلك أثر مباشر على تأجيل مشروع إسقاط الدولة السورية.

منذ 1974 توقفت الحرب رسميا بين سورية وإسرائيل بدون أي أفق سياسي وتصدت سورية لجهود الرئيس المصري انور السادات في عملية التسوية ولكنها اضطرت لمفاوضات بشروط اقل بعد 1991 في مدريد إلا أن الإسرائيليين الذين كانوا على استعداد ان "يتنازلوا" لسورية في ظل عملية تسوية مع السادات أكثر مما عرضوه على سورية في المفاوضات الأخيرة أصبحوا اكثر راحة في المناورات وقال قائلهم- بيرس-:" لقد أغلقنا السوبر ماركت والآن نفتح دكان محدود السلع".. هنا بالتأكيد نحن لا نقول أن جهود السادات في عملية التسوية كانت الحل الأفضل ولكن نقول ان النتيجة التي وصل لها السوريون كما إخوانهم الفلسطينيون- حسب توصيف سعيد كمال- كانت أسوأ مما كان يقترحه عليهم السادات في ظل موقف مشترك.

لم يكن الهروب من التسوية يعني اللاحرب واللاسلم لان ذلك ما تريده إسرائيل وهو المناخ الطبيعي التي تتقن إسرائيل الاستفادة منه كما ان البحث عن أوراق قوى إقليمية ليس بديلا عن المعركة المباشرة مع العدو.. وهنا ليس مطلوبا حرب واسعة شاملة ولكن كان لابد من حرب استنزاف مستمرة تبقي حالة الحرب وما تكلفه للعدو نفسيا واستراتيجيا بحسابات هدفها إرهاق الدولة العبرية وإرغامها على تنازلات حقيقية على طريقة استعادة الحق العربي في فلسطين.

كان استقرار النظام وسلامته أولية مبالغ فيها لدى صاحب القرار السوري وهو أمر لا غضاضة فيه فهو سبب من أسباب الاستقرار في البلد لكن الذي لا يمكن فهمه كيف تسرب الى الذهن السياسي ان ترك إسرائيل تعيش الأمن على الحدود الشمالية عشرات السنين بلا حرب يمكن أن يحقق الأمن والاستقرار في سورية؟ وكيف تسرب إلى الذهن السياسي ان عدم العدوان الأمريكي والإسرائيلي المباشر على سورية يمكن ان يستمر طويلا او يمكن ان لا يتم ترجمته في أشكال أخرى من العدوان وبطبعات مختلفة حسب الظروف المواتية؟ كيف تسرب الى الذهن ان البديل عن الحرب المستمرة الاستنزافية مع العدوان علاقات إستراتيجية مع إيران ستمنح سورية ورقة قوة في مواجهة إسرائيل والمشروع الأمريكي ولم تلتفت الدولة السورية الى عنف حالة النزق في الإقليم العربي التي تحتفظ باستعداد قوي لكي تنخرط بسرعة فائقة في أي تحالف ضد أي تمدد إيراني وهكذا تكون سورية الدولة فتحت جبهة أخرى بحسابات غير دقيقة طبعا هنا ليس المطلوب أي خصومة او عداء مع إيران إنما كان لابد من ان لا تكون سورية في محور من المحاور الإقليمية، وتكون كما هو موقعها وقدرها بلد يتوسط العرب والمسلمين.

سؤال مهم جدا هنا ماذا لو كانت سورية في حرب استنزاف منذ 45 سنة مع الدولة العبرية كان ذلك يعني:

1- عدم اصطدامها بمنظمة التحرير الفلسطينية بل والتقرب إليها وبناء إستراتيجية مقاومة مشتركة بينهما يتم تفعيل الشعب الفلسطيني في الداخل والمحيط في المعركة كما يتم تفعيل الساحة اللبنانية بعيدا عن التقسيم الطائفي لتصبح لبنان ساحة مقاومة بجانب سورية تماما.

2- ان تتجنب سورية الدمار والخراب الرهيب الذي لحق بها خلال عشر سنوات الأخيرة التي انطلقت قوى الإجرام والتخلف والهمجية مدعومة من قبل النظام العربي والدوائر الاستعمارية الغربية.

3- ان تظل سورية سياسيا قلب العروبة النابض المقاوم الذي يجمع العرب والمسلمين ويوحد مشاعرهم ويحقق نهوضا ثقافيا وسياسيا عربيا ويتجنب حسابات قطرية ضيقة أفقدته لأسف دورا أساسيا ينبغي له في الإقليم.

4- تعرية القوى المخادعة والإيديولوجيات الفاسدة وإسقاط دعاواها التي استخدمت على نطاق واسع بان سورية لا تحارب من اجل الجولان إنما تحارب ادلب ضد السوريين.. فكانت الحرب مع العدو الصهيوني بالإضافة إلى بعدها السياسي المهم الأساس فهي كذلك عنصر توحيد للمجتمع وبعث نباهة وارتقاء بالهمة والبناء الى مستويات ضرورية.

5- كانت المواجهة من خلال حرب استنزاف مع الدولة العبرية هي الرد المنطقي على سياسة التسوية التي تكرست في المنطقة بعد اتفاقيات كامبديفد، وعدم المواجهة المباشرة مع العدو هو السبب القوي في إفشاء روح الهزيمة والتسوية في المنطقة.

سؤال استنتاجي: ترى لو دخلت سورية في حرب مباشرة مع إسرائيل هل كانت ستخسر بمقدار الخسارة التي منيت بها في السنوات الأخيرة؟؟ الا يدعو هذا الكلام الى مناقشة السياسات واستخلاص العبر؟؟ والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون

كلمات دلالية

اخر الأخبار