برد وشحبار

تابعنا على:   22:26 2020-02-13

حسن النويهي

أمد/ في ليالي الشتاء العتيقه قبل نصف قرن او اكثر كان الشتاءقاتما رماديا باردا ممطرا ليالي كامله لا تسمع غير صوت المطر النازل من المزاريب او المتسحسل من زوايا الشبابيك او المتسرب من الأسطح المهترئه او المتدفق عبر شلال ضل طريقه من الشارع الي داخل البيت ليغرق ما فيه من قليل المتاع...
شتاء الفقراء عذاب لا ملابس مثل العالم ولا احذيه ولا اغطيه ووسائل تدفئه بدائيه منها ما هو على الحطب او الفحم او على بابور الكاز او في أحسن الحالات صوبه على الديزل تسمى صوبه بواري لها فتحه في الحائط ليخرج ثاني أكسيد الكربون خارج البيت...

كانت الله لا يذكرها بالخير تحتل وسط الغرفه وتنتصب البواري الي الأعلي ومن ثم تاخذ عبر كوع بزاويه قائمه الي اتجاه الفتحه في الحائط الي الخارج لياخذها كوع اخر وبوري مرتفع بحوالي المتر ليغلق الفتحه على شكل حرف T..... ويتم تثبيت هذه المجموعه باسلاك معدنيه وربطها جيدا لمنع تطايرها...
ومن الضروري ان تكون الفتحه باتجاه الهواء...

اتذكر ان الشتاء في تلك السنه كان قارصا ممطرا باردا مثلجا وقد وصلنا إلى مرحله الصمم من صوت بابور الكاز المزعج واغلقت فتحات انوفنا من الشحبار الاسود الذي ينفثه من الكاز غير المحترق مع رائحه الكاز التي تبهج الروح...
كان بابور الكاز للتدفئه وللطبيخ وتسخين الماء وعمل الشاي وتنشيف الملابس وتسخين الخبز وعمل الخبز في القلايه والخبز على الصاج وتعمل صينيه هرايس...وشويه عرايس كذابي بدون لحمه بندوره وبصل وشويه بطاطا وفلفل ونعبي الخبره ونحطها على صاجه فوق البابور وتعال شوف كيف بتطلع اذا ما اكلت أصابعك وراها... المهم
اهم شي ان النكاشه تكون موجوده كل ما اغلقت فتحه الاشتعال تنكش راس البابور يرجع يولع تمام...

تباحثنا في الأمر صوبه البواري مع التركيب كامله ب ٥ ليرات تفاوضت مع البائع في طريقي إلى المدرسه كل يوم يا عم قديش بدك تبيعنا هل صوبه.. بخمسه... والله يا عم غاليه نزل شوي من السعر المهم بعد عده محاولات والزلمه شفق على قال ٤ ونص قلت تمام بنعطيك ليرتين والباقي كل شهر نص ليره ما انت بتعرف ابوي واحنا ناس اوادم كل هل قصه مشان اخذ تسهيلات بليرتين ونص المهم مشان يخلص مني وافق من هل لزقه كل يوم رايح جاي عليه مشان هل صوبه...
حكالي بكره جيب الليرتين وانت مروح جيب حدا معك مشان يحمل معك... توكلنا على الله..

ثاني يوم حكيت لعبد القزعه بدك تروح معي نوخذ الصوبه ونركبها كان عبد صديقي في المدرسه وصاحبي اللزم قال ولا يهمك... أخذنا الصوبه بفرحه عارمه جايبين الذيب من ذيله ورحنا عل بيت اول شي زبطنا طاوله مربعه قصيره مشان نركب الصوبه فوقها وبما لدينا من مفك وساكوش وسلم بعد جهد جهيد ركبناها ولا ندري صح ام خطأ المهم ركبناها...

خلال المفاوضات مع صاحب المحل كنت اتفاوض بالسر مع بياع المازوت الذي يبيع المازوت على حنتور كل يوم بحكيله بكره بدنا نجيب صوبه مشان تبيعنا ديزل بس ما معنا مصاري بندفعلك بعدين كانت تنكه الديزل ٢٠ لتر ب نص دينار قال ولا يهمك المهم جهز برميل صغير مشان اعبيلكوا اياه بيوخذ ٥ تنكات بتكفيكوا اسبوعين... توكلنا على الله وفعلا تم الاتفاق ومشان اثبتلوا الملاءه الماليه وحسن النيه دفعتلوا نص ليره عند التعبئه...
وهكذا صارت الصوبه والديزل جاهزه للتشغيل...
صدق من قال اللي مش متعود عل بخور بيحرق سرواله...

عبد القزعه روح يا عبد طول بالك خلينا نولع الصوبه ونشغلها قال خلص صارت الدنيا المغرب والله امي لتذبحني اصلا هي بتقول ما حدا مخربك غير مقصوف العمر رابطك وراه زي الكر وين ماراح بتجري وراه...
وبس اروح معاه يا حبيبي والله بحبك زي العبد وأكثر الله لا يفرقوا عن بعض... وانا بقول والله يا خالتي بس ربنا بيعرف معزتك عندي... المهم شغالين نكذب على بعض...
نولع هل شعله ونرميها في الحوض تطفي نولع وتطقي بعدين جبنا ورق ولعنا ورميناه في الحوض ولع شوي وطفا...
شوفوا ام جميل مهي عندها صوبه اسالوها... يا خالتي تعالي شوفي هل صوبه مش راضيه تولع... والله بدي ازعرت كمان جبتوا صوبه هاي زابطه معكوا والله اترقيتوا خلي هل بابور يرتاح عاف دينه من وراكو...

يعني بدك تفتحيلنا مدرسه شو شايفه حالك محنا عارفين البير وغطاه ما انتي عايشه على لجنه الزكاه تبعت الأرامل وبتلفي على20جنه مش مخليه حدا من شرك... بدك تيجي تشوفي هل زفته ولا لا... خلص جايه مطول لسانك الله يعين امك عليك...
ام جميل اجتها الفرصه تعمل معلم... ولك يا جحش هاي الحوض غرقان ديزل لازم تنزل شوي شوي وبعد ما يولع تبدي تنقط بيضل ماشي... جيب شقفه بشكير مشان نسحب الديزل من الحوض لنعرف نولعه والله بعد ما تظفناها وقرينا سبع فواتح وعلى رأي عبد الفتاح برهان استخرنا ودعونا الله تنحل ولعت...
وشرط الاحتراق الصحيح ان تخرج الشعله من الحوض زرقاء بيكون احتراق ممتاز...

ولعنا الصوبه وعملنا شاي لام جميل وشكرناها...
كل شوي اطلع عل سطح شوف فتحه الصوبه مربوطه ولا لا... شو هي فتحه الصوبه هلال العيد بدي اراقبه عمرها ما زبطت خلص عاد كل ما دفيت شوي قوم اطلع.. مش طالع...
الغرفه دافيه والأمور تمام.. يا عمي فرق بين بابور الكاز والصوبه تنكه مي سخنه على طول وابريق الشاي شغال وشويه فول للصبح وفي السهره بنحط عليها كستنا والقشه معدن على رأي ابو حبيبه...حسدنا حالنا
في ليله شديده البروده والهواء يعصف في كل اتجاهات قلنا خلو الصوبه شغاله عل خفيف يعني تنقيط بطئ... التنقيط البطئ ما بيعمل احتراق كامل بتصير تولع وتعمل شحبار اسود يتراكم فوق بعضه بعضا حتى يغلق فتحه الحوض.... نمنا وهناك من يسعل وهناك من حرارته مرتفعه والحاله خربانه... يمكن بعد العاشره ليلا وكنا نحسبها الفجر... كان النوم من السابعه او بعدها بقليل... واذا بصوت انفجار بم قوي جدا ارتج له المكان وكأنه صاروخ شو صار شو صار في حد انجرح حد تصاوب لا ما في لكن ما في حدا شايف شي الصوبه طفت بعد هذا الانفجار وعم المكان شحبار اسود الغرفه كلها وجوهنا الاغطيه كلنا صرنا في ادغال أفريقيا... تحاول أن تقتح عينيك بتفرك وجهك بيزيد السواد بعد شوي اشعلنا السراج وبدأنا نضحك على حالتنا ضحك هستيري فعلا شر البليه ما يضحك لكن منظرنا فعلا بيضحك..

شوفوا وين بابور الكاز شغلوه وكان لا بد من عده شغلات تنظيف الغرفه فرط الاغطيه جميعها الاستحمام والفرك جيدا لازاله الشحبار وتغطيه الصوبه لانه لا يمكن فكها في هذا الليل...

اشتغل البابور تم تسخين الماء وتحمَم الجميع وفي نفس الليله تم غسل كل هذا الدمار الملابس والاغطيه والملاحف لكن رائحه الشحبار ما زالت تعم المكان...
اتذكره جيدا... تتذكر وما تنعاد..
كنا صغارا كالبنيان المرصوص وتفرقنا ليحدث من بعدها الضياع...

 

كلمات دلالية