فوضى الأرقام

تابعنا على:   13:56 2020-03-18

د. محمود خليل

أمد/ لا نبالغ إذا قلنا إن أسلوب توظيف الأرقام داخل وسائل الإعلام يمثل آفة ظاهرة من آفات المهنة. وليس عليك لأن تتأكد من ذلك سوى أن تراجع التغطية الإعلامية للأرقام المتعلقة بفيروس كورونا. جرب أن تتجول بين مجموعة من القنوات والمواقع الإخبارية وحدد موضوعاً واحداً وليكن الأرقام المتعلقة بالفيروس فى إحدى الدول الأوروبية، سوف تجد أن أرقام الوفيات ومعدلات الإصابة والإجماليات الخاصة بكل بند من بنود الفيروس تختلف من نافذة إعلامية إلى أخرى. وفى خضم التضارب ما بين الأرقام تتوه الحقيقة. قد يكون السبب فى ذلك جنوح بعض الإعلاميين إلى الإثارة، فكلما كان الرقم كبيراً أدى ذلك إلى تعرض أكبر للقصة الخبرية، وقد يكون السبب الإهمال وعدم اهتمام الإعلامى بالعودة إلى المصادر التى تمتلك معلومات دقيقة، وقد يكون السبب عدم امتلاك المصادر نفسها لرقم دقيق يمكن أن يعتمد عليه الإعلام. تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة، وتتمثل فى تضليل الجمهور لأهداف وأغراض مختلفة.

المسألة لا تتعلق بالإعلاميين وحدهم، بل قد تجد لها أصلاً فى أداء الساسة والمسئولين. راجع على سبيل المثال تصريحات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التى ذكرت أن ما بين 60 و70% من سكان ألمانيا سوف يصابون بكورونا، وقد ذكر «ماكرون» أن نسبة قريبة سوف تصاب بالفيروس فى فرنسا، وفى إنجلترا خرج بوريس جونسون، رئيس الوزراء، يدعو البريطانيين إلى تبادل أنخاب الوداع قبل أن يفرق كورونا بينهم وبين أحبائهم، ثم انطلق عدد من المسئولين البريطانيين يتحدثون عن نظرية «مناعة القطيع» وقالوا إنه إذا أصيب نحو 60% من سكان بريطانيا بالفيروس فسوف يؤدى ذلك إلى خلق مناعة «قطيعية» ضد المرض. الأساس الذى تم الاستناد إليه فى تحديد التقديرات الرقمية التى جاءت على ألسنة المسئولين الغربيين غير واضح، وقد تثبت الأيام القادمة أن هذه الأرقام خبط عشواء ليس أكثر، وأن السياسيين أحياناً ما يسقطون فى فخ الإثارة مثلهم مثل الإعلاميين.

فى دول أخرى يتسبب التكتم -وليس الترخص فى ضرب الأرقام كما يحدث فى الغرب- فى إحداث نوع من الفوضى على مستوى الأرقام. فى دولة مثل إيران أدى التكتم على أرقام الإصابة بـ«كورونا» فى بداية ظهوره إلى نوع من الفوضى فى تقدير عدد الوفيات والمصابين وعدد المدن التى ضربها الفيروس. وترتيباً على ذلك دخلت الأرقام الخاصة بأوضاع الفيروس فى إيران سوق المزايدة الإعلامية والسياسية، والأمر نفسه ينطبق على دول أخرى عديدة.

السياسيون ووسائل الإعلام التى تلعب لعبة «التوقع الرقمى» تلجأ إلى توظيف برامج إحصائية تقوم بتوقع أرقام الظواهر بناء على معايير قد تكون مضللة، وقد تخرج منها بأرقام أشد تضليلاً. وما بُنى على ضلال فهو ضلال. وليس فى مقدور أحد أن يثق فى هذه الأرقام إلا بعد تحليل دقيق للمعايير التى بُنيت عليها، وإلا أصبح حاله من حال بطل النكتة الشهيرة الذى سأل أحد أصدقائه عن سبب احمرار عينيه، فرد عليه: سهرت بالأمس أعد النجوم، فسأله: وطلع عددهم كام؟، فأجاب: «17 ألف». فتعجب السامع قائلاً: معقولة!. فرد عليه ذو العينين الحمراوين: لو مش مصدقنى عد!.

عن الوطن المصرية