الكورونا وهيكلة العالم

تابعنا على:   18:51 2020-03-25

عمر حلمي الغول

أمد/ شهدت الأسابيع والأيام القليلة الماضية قراءات لعدد من الخبراء والباحثين في علم الفكر السياسي حول تداعيات فايروس كورونا على مستقبل العالم. وطرح الغالبية منهم فكرة، ان هيكيلة العالم ستتغير في أعقاب غروب وباء فايروس "كوفيد 19". لإن تجربة الأقطاب والدول في مواجهة تحديات الجائحة القومية والأممية، دفعتها لإعادة قراءة خارطة علاقاتها ببعضها البعض. وحسب الإستنتاج فإن النظام العالمي مقبل على تحولات إستراتيجية في إنتقال مركز القيادة العالمي من الولايات المتحدة للصين، وتفكك منظومة الإتحاد الأوروبي، وتعظيم نموذج النظام الصيني، وتراجع مكانة الديمقراطية الغربية لفشلها في السيطرة على الوباء، وسيعاد النظر في سياسة الإنفتاح بين الدول، ووضع ضوابط مختلفة لها، وفي الوقت ذاته ستتسع منظومة التعاضد الإنساني، وإيلاء المعايير الصحية أولوية لحماية الإنسان من كوارث الأوبئة، بعد فشل مساقات وروافد العمل السابقة، حيث تبين ان التركيز على إنتاج الأسلحة، لا يكفي لمواجهة التحديات، لا بل ان العديد من الدول بما فيها الولايات المتحدة ودول اوروبا الغربية ومعها دولة الإستعمار الإسرائيلية أثبتت فشلها في تأمين ابسط المستلزمات الطبية لحماية الناس، وبالتالي لا بد من تغيير الأولويات. .. إلخ

وإعتبر هؤلاء الباحثون ان أزمة كورونا أخطر من ازمة الإقتصاد الأميركي والعالمي الكارثية في الربع الأخير من عام 2008، لا بل إعتبرها البعض أخطر أزمة تواجه البشرية في القرن الحالي. ولهذة الأزمة ما بعدها إسوة بكل الأزمات العالمية.

ومن موقع التقدير لإصحاب وجهات النظر المطروحة، ومع ان بعض إستنتاجاتهم صحيحة من حيث المبدأ، غير ان نقطة الإنطلاق في تشخيص الأزمة العالمية الراهنة (ازمة فايروس "كوفيد 19"، أو حتى فايروس "هانتا" الذي أعلن عن إكتشافه امس في الصين) لا يجوز الإفتراض انها بدأت نهاية عام 2019 مع إكتشاف الوباء في ووهان الصينية، بل هي محطة جديدة في مسار أزمة الكون، التي بدأت مع الأزمة الكارثية الأميركية نهاية 2008، التي وضعت حدا للعولمة الأميركية، وأسقطت تفردها بقيادة الكون، وسمحت للبشرية بالولوج التدريجي لمرحلة نوعية جديدة في هيكلة العالم، تمثلت في تبلور نظام متعدد الأقطاب على حساب تراجع المكانة الأميركية الأولى. وبالتالي العالم بعد اثني عشر عاما، ومع وصوله لإزمة الوباء العالمي "كوفيد 19" الحالية ضاعف من عملية الإنزياح الأميركي عن سدة عرش العالم، وزاد من الحضور الصيني في مقدمة الصفوف العالمية، كمنافس أول لراعي البقر الأميركي من خلال نجاحه الملفت للنظر في مواجهة الجائحة العالمية، التي إستهدفته اولا، ليس هذا فحسب، بل وبادر التنين الصيني وهو في مرحلة التعافي من مد يد العون للعديد من الدول دون تمييز، في الوقت الذي إنكفأت الدول والأقطاب الأخرى على ذاتها، مما وجه ضربة موجعة للولايات المتحدة ولدول الإتحاد الأوروبي، التي سقطت في إختبار مواجهة الوباء. وعليه فهذا العامل سيساهم في إعادة النظر في بقاء الإتحاد كمنظومة واحدة، لإنه فشل في الدفاع عن الكل الأوروبي مع إنطواء الدول على ذاتها.

رغم هذا التحول الهام والكيفي في هيكلة العالم، إلآ انه من المبكر الحديث عن بلوغ المنظومة العالمية من بناء صرحها النهائي. لإن النسر الأميركي لن يسلم بسهولة في رفع راية الإستسلام للتنين الصيني. وهو ما يعني، ان البشرية مقبلة على محطة عالمية جديدة اما ان تكون عبر المواجهة بحروب جديدة من خلال إنتاج نماذج إضافية من الفايروسات، أو الذهاب إلى حرب عسكرية نووية، او العودة إلى الحرب الإقتصادية، والتي اعتقد ان الأخيرة فشلت، وتمكنت الصين من هزيمتها.

إذا التسرع في الإستنتاجات، وإعتبار أن المحطة الفاصلة، ونقطة الذروة في الصراع بين أميركا والصين، هي وباء الكورونا، أو ما يسميه البعض غاز السارين يعاني من قصور علمي وفكري. لإن تجارب التاريخ السابقة تشير إلى ان الإمبراطوريات في الحقب التاريخية المختلفة لاتقبل الهزيمة من اول وثاني جولة، فإن لم تكسر شوكتها، ويمرغ انفها في التراب، من الصعب عليها رفع الراية البيضاء. وأميركا تعتقد انها مازالت تملك أوراق القوة الكافية لإعادة الإعتبار لذاتها، ومكانتها الدولية. وبالتالي العالم مطالب بالإنتظار والإستعداد في آن للجولة الثالثة، التي قد تكون المحطة الكونية النهائية لصراع الأقطاب الكبار. لكن من شبه المؤكد، ان الصين قادمة لقيادة العالم، وهناك بالضرورة تغيرات دراماتيكية في البناء الهيكلي للعالم الجديد في زمن غير بعيد، وقد يكون منظورا للإحياء جميعا.             

كلمات دلالية