اكذوبة الحضارة

تابعنا على:   14:23 2020-04-06

نضال خضرة

أمد/ تتلخص فكرة الحضارة بالإيمان بالحرية والإحترام المجرد للإنسانية بعيداً عن العرق والدين واللون والشكل والثقافة، والرقي الأخلاقي والإرتقاء العِلْمي والمعرفي والفني والأدبي والعمراني والإجتماعي..


كما أن الأديان التي تعزز العدالة والديمقراطية في نظام الحكم وتعطي الأولوية لحقوق الإنسان تعتبر جزء مهم في بناء الحضارة بل وتشكل الأساس المتين لها.

•حركة التاريخ الأنساني تؤكد بأن مجمل الحضارات السابقة كانت حاضرات منقوصة وغير مكتملة..ونضرب مثال على الحضارة الإغريقية والفرعونية واليونانية والبابلية كأقدم الحضارات الإنسانية، لأنها وبإختصار لم تكن هذه الحضارات قائمة على قواعد الأخلاق والحرية بالمفهوم الشمولي..بل كانت قائمة علي حكم الإنسان المتمثل بالإله لذلك أخذت هذه الحضارات مراحل زمنية من التاريخ الإنساني وغادرت وتركت أثارها في بعض العلوم والمعارف والعمران..

•من هنا بدأ سقراط مسيرة الإصلاح السياسي ودفع حياته ثمن بسبب الإستبداد السياسي
وأكمل تلميذه أفلاطون وأنتج فلسفته المثالية التي حلم بها.

•بالمقابل في الشرق الإسلامي بعد القرن الخامس الهجري حاول أبوحامد الغزالي والفارابي وإبن خلدون وإبن ارشد تصويب مسار الدولة الإسلامية وإصلاح نظامها السياسي ولكنهم فشلوا ودفعوا الثمن وأخذوا نصيبهم من الظلم التاريخي لسيرتهم..

وفي بدايات القرن العشرين بعد إنهيار الخلافة العثمانية حاول جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وعلى عبد الرازق إستكمال مسيرة الإصلاح السياسي
وتصويب المسار لكن أفكارهم لاقت نفس المصير..

•وبقيت الحضارة الحقيقية المتمثل في الدولة الفاضلة حلم لم يتحقق في الغرب المسيحي..

•وبقيت الحضارة الحقيقية المتمثلة في الإصلاح السياسي حلم لم يتحقق في الشرق الإسلامي..

في ظل صراع الحضارات بدأت أوروبا في القرن السابع عشر إعادة صياغة المنظومة الفكرية
وبدأت في إصلاح النظم السياسية وإستمرت في مواكبة الزمن وتطوير المنظومة الفكرية ولكن هذا التطوير لم يكن قائم علي أساس الإيمان بيقين في منظومة القيم الأخلاقية والإحترام الشمولي للإنسانية بدون تميز باطن إستناداً للأصول في العقائد الدينية..

وأرست منظومة فكرية علمية صناعية تكنولوجية متطورة ولكنها قائمة علي أساس الدين الموازي الباطني القائم على التميز العرقي والعنصرية الدينية والطائفية والإستعباد. كما أنها إختصرت التطور الفكري والمعرفي على العرق القوقازي المسيحي والعرق اليهودي الصهيوني ومن يدين بهذه المعتقدات الدينية والقومية، هذه هي الحقيقة التاريخية.

•وهنا تتجلي أكذوبة الحضارة والشواهد والدلالات جلية

•عندما. تقوم هذه الدول المتحضرة..بإستغلال العلم من خلال العبث في الجينات الوراثية للبذور الإستراتجية كالقمح والذرة وتحتكر هذه العلوم لتحويل الناس عبيد للقمة العيش بهدف رأس المال

أين هي الحضارة؟!

•عندما تحتكر هذا الدول المتحضرة للتكنلوجيا بهدف إستبدال الذكاء الإنساني بالذكاء الإصطناعي لإحداث بطالة هائلة في المجتمعات الفقيرة ودول العالم الثالث لإبقائها تحت نير الإستعمار الحضاري الزائف أين هي الحضارة؟!

•عندما. تقوم هذه الدول المتحضرة بتوظيف هوليود والكتاب المقدس للتحريض
على الأديان والعرقيات أين هي الحضارة ؟!

•عندما تقوم هذه الدول المتحضرة بالحكم بالسجن علي مثقف سياسي ينكر الهلكوست
ولا تقوم بمعاقبة من يحقر الأديان والأنبياء ومن يمارس جرائم الإبادة الجماعية..
أين هي الحضارة ؟!

•عندما تقوم هذه الدول المتحضرة بهدم وتدمير حضارات سابقة لإحياء حضارات زائفة تستعبد الإنسان بهدف رأس المال
أين هي الحضارة ؟!

•عندما تقوم هذه الدول المتحضرة بتعزيز الأنظمة الإستبدادية لحساب رأس المال..
أين هي الحضارة ؟!

•عندما تقوم هذه الدول المتحضرة بدعم وتمويل الحروب الأهلية بهدف قتل الملايين من البشر بهدف الإتجار بالسلاح والسيطرة على الثروات

أين هي الحضارة ؟!

•عندما تقوم هذه الدول المتحضرة بتتبني نظرية الربط بين الفوضي والابداع.
أين هي الحضارة ؟!

•ونستشهد بأراء العديد من الفلاسفة والمفكرين الذين إنتقدوا سلوك هذه الدول التي تدعي الحضارة وتنبأوا بسقوطها..

•ومنهم الفيلسوف والأديب الأمريكي توماس ستيرنز إليوت الذي تنبأ في ملحمته الشعرية
بعنوان الأرض الخراب الذي حصل علي جائزة نوبل للأدب عام 1948 وقال في هذه الملحمة
ما ستؤل له البشرية من خراب ودمار الناتج عن حالة الهلع في عبودية المادة ..وعدم الإهتمام بالجانب الروحاني والإبماني عند الإنسان..

•أما الشاعر الأمريكي عيزرا باوند كان قد أعلن تنكره لمادية المجتمع الأمريكي وجشعه
في بداية القرن العشرين وعبر عن ذلك في قصيدته الأسطورية بعنوان في محطة قطار الانفاق..

وإستطاع باوند أن يرسم في هذه هذه القصيدة المختزلة لغوياً ما سيؤل اليه البشر مستقبلاً
من تحول الي كائنات نصف حية ونصف ميتة وهو ما يعرف بالزومبي كل ذلك بسبب سيطرة العقلية المادية وغياب الجانب الروحاني والإيماني لحساب رأس المال..

•أما المفكر الإيراني علي شريعتي يقول في أطروحته النباهة والإستحمار في إختيار المقرر
أن مجتمعات دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتنية المتأخرة صناعياً والتي لم تصل بعد الي مستوي الأوروبيين والأمريكيين في شتي المناحي الفنية والفلسفية، إن هذه المجتمعات الفقيرة المتخلفة تمتلك قدرات هائلة وتقف مكافحة ضد الغرب،وتجبره
علي الخضوع والإستسلام، في وقت بلغ الغرب فيه الذروة من حيث التقدم العلمي والتقني والفلسفي وبالرغم من إقدامه علي شراء النابغين والمتفوقين من العالم الثالث، حيث أنه مركز المال، وهذه الكفاءات صارت كالسلع المعدة للبيع والشراء تتبع المال أينما كان، إن إمتلاك الغرب للميراث العلمي،وإحتفاظه بجميع الذخائر في الفروع العلميةكافة سواء منها تلك التي إبتدعها هو أو تلك التي أخذها من غيره فبلغ بها ذروة التكامل العلمي والفلسفي والتكنولوجي ،لايمنعه من الخضوع أمام مجتمعات لا تملك أي نوع من أنواع الأسلحة وقد يكون أفرادها حفاة ولا يملكون حتي آله للدفاع عن حياتهم وحياة أسرهم .

•أما الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشال أونفري يقول في حوار سابق له مع مجلة لبوان الفرنسية والذي يعد امتدادا لفلاسفة ما بعد الحداثة في فرنسا، يتحدث أونفري عن إنحدار أوروبا وعما إذا كانت جائحة فيروس كورونا المستجد ستشكل مرحلة جديدة في "انهيار الحضارة اليهودية المسيحية" بحسب التحليل الذي قدمه في كتابه "الانحطاط"،أفاد أونفري بأن
هذا الفيروس يندرج ضمن حركة الانهيار.

ويتابع أونفري القول إن أيديولوجية أوروبا آخذة في الإنهيار، وذلك نتيجة للسياسة الليبرالية الاإنسانية التي تبرر وضع كبار السن في ممرات المستشفيات وتركهم يلفظون أنفاسهم الأخيرة، 

وشرح أونفري رأيه مبينا أن الاقتصاد الليبرالي جعل من الربح غاية جميع السياسات ومنتهاها،
قال أونفري أن هذه الأزمة ستكون سبب في إنفجار مدني وأخلاقي في المجتمعات الأوربية،

إن الحضارة الغربية حضارة ناقصة غير مكتملة لأنها مادية قائمة علي فكرة رأس المال
خالية من القيم الروحية والأخلاقية والإنسانية وهي على خطى الحضارات السابقة الناقصة
التي مرت عبر التاريخ الإنساني.

كلمات دلالية

اخر الأخبار