الحب الصاخب عشوائيات في الحب – العشوائية 25

تابعنا على:   09:12 2020-04-09

سمير محمد ايوب

أمد/ فجأة ظهر أمامي وبتلقائية . بسبب وباء الكورونا ، كان احد المحجور عليهم . وكنت مديرة الاستقبال المناوبة في واحد من اشهر فنادق البحر الميت ، حين وصل مباشرة من مطار عمان الدولي بحافلات الجيش ، برفقة العشرات مثله . خلال اجراءات الاستقبال ، شعرت بأني اعرفه . إنجذبت اليه بشدة . شعرت دون سبب مقنع ، بأن شخصا مهما دخل حياتي و سيغيرها ، بطريقة لم استطع ادراكها في حينها . ولكن حدسي أكد لي ، بأنها ستكون رائعة ، توقظ جوانب كثيرة في نفسي .
كان نصيبه في غرف الفندق ،جناحا ارضيا مطلا على البحر . بعد العشاء تمشينا معا لساعات على الشاطئ المضاء . شعورعميق بالالفة تدفق بداخلي ، وانا بصراحة واندفاع كنت أحاوره . بدأتُ بعدها بلا وعي ، ودون اعتبارات مجتمعية ، ألاحِقه . حتى تدفق تجاهي . كنتُ اشعر بسعادة طاغية ، كلما ازددنا دراية ببعض .سرعان ما أدركت أنه ليس نصفي الافضل . ولكني تيقنت بأنه النصف المُكمِّل الذي أنتظره .
مع مرور الايام ، توالت اللقاءات في الكثير من مرافق الفندق . أخذ قانون الجذب والاندماج وضعه بشدة ، ارتفعت كثيرا درجات التخاطر الذهني بيننا . صرتُ اكثر صخبا ، منفتحة أمامه بشكل صريح وأمين . أنضجَ ما كنتُ أتجنبُ التحدّثَ عنه مع غَيرِه . فقفزت الكثير من الحواجز رغم اشكالية السن وأنا في منتصف الستين من عمري ، لأنصهر دون حذر ولا روية ، في حُبٍّ غير مشروط سريع الحركة . كان قد تبلور بيننا ، رغم قصر الفترة الزمنية لتعارفنا .
ساعدني بالطريقة التي يفكر بها ، على رؤية الأشياء في ضوء مختلف عن ذي قبل . إكتشفتُ أشياء لم أكن أعرفها عن نفسي . بِتُّ أقف أمام نفسي وأقابلها فيه ، فأرى في عينيه ، إجابات على اسئلة تدور حولي . لم يحدث أن كنتُ مع شخص يؤمن بصحة الكثير من الاشياء التي لدي . ضمَّدَ المكسورَ ، عزَّزَني وعزَّزَ الكثير مما كنت اعتقد . أيقظ فيَّ الشعور بالأمان . أطلق العنان لأفكاري ومعتقداتي ، بِتُّ أتحدث دون خشية من تعقيد الكلمات وفهمها الخاطئ ، تفاعله معي وتقبله لبعض اختلافاتنا ، زودني بشعور أقل من الكمال ، ولكنه أكثر كثافة من الحب والتوجس في آن .
تابَعَتْ حديثها معي عن بعد ، عبر شاشة حاسوبي ، وانا مُنصتٌ صامت ، قائلة : لم أكن في أي وقت مضى امرأة تطارد الرجال يا شيخي ، قبل أن ألتقيه كنت متميزة بقدر كبير من العقلانيّة . أظنّ نفسي صعبة المِراس ، لا يستطيع أحد تحريك عاطفتي . لكن كلما التقيته ، أصير اكثر رقة ، تستيقظ لدي عواطفُ صاخبة . وتبدأ الارض بالدوران من تحت قدمي . ولا أعود قادرة على التنبؤ بمسلكي في حضرته .
قلتُ بحذر شديد : مردُّ ذلك يا سيدتي ، أنّك كنتِ تقمعين هذه المشاعر والطاقة القويّة التي تميّزها . وأخيرا أتى الشخص المناسب ليُساعدك على ادراكها ، والشفاء من الكبت و القمع . إنه يدفعك إلى اكتشاف مزايا كامنة فيك ، لم تكوني تعرفينها من قبل . ألا يمكن القول ، أنه كاشف لاخفاقك في التعرف على ما تمتلكه نفسك ، ولم تكوني ترينه قبل مجيئه ؟! إنه ملهم يا سيدتي ، ومحفز للتغيير .
قالت بصوت مكسو بشيء من الحزن : ما تقوله صحيح . ولكن المشكلة أنه جاء في الوقت الخطأ غير المناسب . اقتحم مشاعري وانا غير مستعدة . ما ازال أعيش غمارعاطفتي مع زوجي يرحمه الله . بعد خمس سنين من رحيله ، كنت منغلقة عن الحب ، غير راغبة فيه . كنت اظن نفسي ناضجة وعلى قدر عال من الاتزان . ولكن تبين لي أني كنت أهجس بشخص يشبهه . وحين جاء شعرت بانجذاب قوي . حرر مشاعري بشدة . صرت اكثر عاطفية . استيقظت حواسي . وصرت غريبة الاطوار . صحيح أنني منبهرة بجنوني ، الا ان هناك صوتا في مؤخرة رأسي يحذر من شيء غير صحيح يعترض الطريق . يستجوب مشاعري باستمرار ويسألها ، فيما اذا كان حبنا حقيقيا . فأشعر بارباك يفرض علي أسئلة عديدة : لماذا الآن ، لما لم يأت قبل أن تتعقد الامور بهذه الكيفية ؟ ما هي الحكمة في ذلك ؟ اخبرني بالله عليك يا شيخي ، كيف أتخلص من هذا الشعور و من هذه الدوامة ؟
قلت : أمرك الى هنا عاديّ يا سيدتي . فاذا ما كان التوقيت خاطئا كما يبدو لك ، عليك قبل استشعار ألم ، الاختيار سريعا بين الانصياع لعلاقتك الجديدة ، او الهرب منها ومواصلة الاستغراق في علاقتك الهادئة مع المرحوم . رغم مواجع ارتطام هذه المواصلة بالفطرة. ولكن ، لا ينبغي الخلط بين الألم هنا ، والحب هناك . فالحب في العادة ليس مؤلمًا. و لكن كل ما يقف في طريقه ، يمكن أن يكون كذلك.
قالت : ليس هذا هو أسوأ ما في علاقتنا ، ولا السنين العشر التي أكبره فيها ، فعلى الرغم من خيوط التشابة بينا ،غير المرئية للعامة ، فإن علاقتنا ليست وردية وليست دائما سلمية . تحمل في أرحامها شيئا من الاختلاف المؤلم . تمرُّ بأوقات شاقة من الكر والفر ، تنقطع وتعود . رغم عمق الشغف الذي يجمعنا ، والعديد من التجارب المشتركة ، فإني أشعر بالحيرة وأنا احاور نفسي فيما اذا كان هذا الشخص هو من أريد ان اتابع معه ما تبقى لي من حياة . لا انكرك أني ممتلئة به ، والثقة وعدم الثقة به متشاطئان . كلما فارقته أحاول نسيانه فلا اقدر مهما كانت الاسباب ، بل اجد نفسي مطالبة دائما ، بتسويات موجعة لارجع اليه ، ونلتئم من جديد .
قلت : تمر مثل هكذا علاقة بالكثير مما يرهقها . أشدها ، محاولات الانسحاب والخروج ، الدخول والاندماج المتكررة . ليس لغياب الحب ، وانما عظمة الترابط ، تضعكما في علاقة مترددة ، يحتاج التخلص منها لجلسات استشفاء مركزة .
وجدير بالذكر ،وبغض النظر عن مكان تواجدكما في الحياة ، فأنتما لستما مجرد عشاق ، تجمعهم علاقة رومانسية او حميمية ، بل مُعلِّمان مُستنيران ، لمساعدة النفس على النمو . ولكن من المحبط أن تجدان نفسيكما في بعض الاحيان متكاملين وأحيانا مختلفين اكثر مما ترغبان ، ومطالبين بتسويات مستمرة لالتئام العلاقة واستدامتها .
قلت متابعا وانا انفث دخان اول لفافة لي : أنتما مثال حي رائع وحقيقي لثنائية الوجود . فعلى الرغم من حقيقة حبكما لبعض ، وتفهمكم لظروف الحياة ومتطلباتها ، وتقبلكم المرن لما يطرأ على علاقتكما ، تضيقون ذرعا بالشريك ، لقدرته على كشف اسوأ مخاوفكم ورغباتكم الخاصة ، فهو يعرف عنكم اشياء لا تعرفونها ، كأنكم روح واحدة في جسدين . بينكم حبل طاقيٌّ قوي تشعرون به وتعرفونه . ينبؤكم بمشاعر بعضكما ويبقي التخاطر الذهني قويا جدا بينكما .
قالت وهي تتناول فنجال قهوتها : كنت أظن أننا بمجرد العثور على توأم الروح ، نشعر بالتفاهم معه ، وبالراحة والأمان والاستقرار ، لانه يطابقنا بشكل مثالي .
قلت مقاطعا وانا اداعب الشيب فوق جبهتي : يرتكب الناس خطأ كبيرا يا سيدتي ، حين يعتقدون بأن شريكهم الموازي الصاخب ، هو توأم روحهم . هذا خلط وسوء فهم . علامات كل منهما ووظيفته ، تختلف اختلافا كبيرا .
توأم الروح انعكاس مثالي لروح متوافق معها حد التطابق . تشتركان في الكثير من النظرات الى الحياة . تشعر بالتفاهم والراحة معهم . ليس شرطا ان تجمع بينهما علاقة عاطفية . ويمكن أن يكون لشخص واحد عدة توائم روح . على عكس التوأم الموازي الصاخب ، فهو واحد فقط في كل الحياة . يرتبطان بعلاقة عاطفية غير مشروطة ، اساسها الشغف والالم . ومبنية على الكر والفر . يتقبلان الاختلاف بينهما مهما كان غريبا ، ولكن هذا الشريك في المحصلة ، ملهم لنا في اكتشاف جوانب نجهلها عن أنفسنا . ولعلمك ، إنتهاء مثل هذه العلاقة شبه مستحيل .
اطرقت راسها مبحرة في فنجال قهوتها ، وسرعان ما رفعته وهي تقول : والساعة تقارب السادسة في منطقة البحر الميت ، وقبل ان يعلن بدء الحظر عندكم في عمان ، من فضلك ، قل لي ما العمل يا شيخنا ؟
قلت وبسمة تتسع فوق وجهي : الحياة والموت يا سيدتي قدر ، والسعادة قرار . علينا ان نثق أننا لسنا وحدنا . فينا ومن حولنا ما يستحق العيش من اجله ، يتسع لنا وللتوأم معا ، يكفينا لنتوافق على اتقان عيشه ، بالمشاركة الايجابية الناضجة . فليس بالصراع وحده يحيا الانسان ، وبالقطع ليس بالحيرة العدمية ولا بالندية الساذجة .

اخر الأخبار