د. فهمي يكشف: كواليس صفقة تبادل الأسرى المرتقبة بين حماس وإسرائيل

تابعنا على:   23:00 2020-05-16

أمد/ القاهرة: نشرت صحيفة "إندبندنت عربية" مقالا للخبير المصري و أستاذ العلوم السياسية د. طارق فهمي، بعنوان " كواليس صفقة تبادل الأسرى المرتقبة بين حماس وإسرائيل"، جاء فيه:

بداية ما جرى وراء الستار مجدداً في مساعي إتمام صفقة تبادل الأسرى بين حماس والحكومة الإسرائيلية بدأ بإعلان رئيس الحركة في غزة يحيى السنوار، أنّهم "جاهزون" لتقديم "تنازل جزئي" في قضية الأسرى الإسرائيليين مقابل إفراج الأخيرة عن نظرائهم من كبار السن والمرضى، وربط ذلك بعدم إمكانية البدء بمفاوضات صفقة جديدة، قبل إطلاق سراح أسرى صفقة شاليط الذين أُعيد اعتقالهم، واستمرّت محاولة وسطاء كثر للقيام بدور الوسيط الفاعل منذ سنوات، وبدأت بأطراف لا تزال منخرطة في إدارة التفاوض بين الجانبين، خصوصاً الوسيط المصري والألماني والسويسري والروسي، والأخير اقترب وابتعد عن حلبة الوساطة بعض الوقت، وعاد منذ عدة أشهر بعد استئناف الاتصالات بين قيادات الحركة ومسؤولين دبلوماسيين من الجانب الروسي.

وبعيداً عن لغة التصريحات الإعلامية المتصاعدة بين الجانبين، فإنّ الوسطاء الكبار، خصوصاً مصر وألمانيا، بدأوا في التحرّك، إضافة إلى الوسيط السويسري، وفي الذاكرة ما حققه المصريون من إنجاز في صفقة جلعاد شاليط، ما يدفع الجانبين إلى المُضي قدماً في تكرار السيناريو نفسه تحت شعار إنساني، وفي الخلفية أهدافٌ سياسية واستراتيجية من كل طرف تجاه الآخر، خصوصاً أنّ كلاً منهما يعمل على تأكيد أنه الرابح الأول والأخير حال إتمام الصفقة الجديدة، رغم أنّ الطرفين دخلا فعلياً في معادلة صفرية، لا رابح ولا خاسر.

إنها معضلة السجين التي لا يريد أي طرف التحرّك وفق حساباتها وتقديراتها السياسية والأمنية. فحماس تريد أن تحقق إنجازاً حقيقياً لتُعيد تقديم نفسها إلى الواجهة الوطنية مرة أخرى بعد أن اُتهمت بتغيير أفكارها ومبادئها وفقاً لما طرحته في وثيقتها السياسية المعدّلة، واعترفت بحدود يونيو (حزيران) 1967، وكذلك لاكتساب شرعية دولية من مدخل توسيع دائرة الوساطة لتشمل دولاً مثل ألمانيا، التي فرضت حظراً أخيراً على حزب الله، وسويسرا بوضعيتها الخاصة أوروبياً، ومصر التي تملك مصداقية كبيرة لدى كل الأطراف، خصوصاً الجانب الإسرائيلي الذي لم يتجاوب مع وساطات قطر أو الأمم المتحدة عبر مبعوثها الأممي نيكولاي ملادينوف.

وعلمتُ من مصادر خاصة، أن عدداً من وزراء نتنياهو في حكومة الائتلاف الجديد، التي ستعلن رسمياً الأربعاء المقبل، طلبوا التركيز على الوسيط المصري، لخبرته الطويلة والمتراكمة، وأن مصر، في رأيهم، وليست سويسرا أو ألمانيا هي الأجدر بإتمام الصفقة، التي ستحاكي ما حققه المصريون من إنجاز كبير في إتمام صفقة شاليط، التي كان بطلها الرئيس أحد رؤساء المخابرات العامة الأسبق، وهو اللواء رأفت شحاتة، ولا تزال إسرائيل تريد تكرار السيناريو مرة أخرى وإنجاحه عبر المدخل المصري الذي يحظى بمصداقية كبيرة ومتميزة، ولا ينافسه أي طرف آخر، حتى ولو الوسيط الألماني رغم خبرته السابقة والمقدّرة من الجانب الإسرائيلي.

توافقات مشتركة

تسعى حركة حماس، في مجمل تحرّكاتها، لتحقيق مكاسب جماهيرية، ردّاً على تدني شعبيتها في القطاع بصورة لافتة، وبحثها عن مصادر جديدة لتجديد الشرعية في ظل ما تواجهه من تحديات حقيقية في حكم القطاع ومخاوفها من اندلاع حالة حراك شعبي حيال ما يجري من استمرار حالة التأزم والفشل في إدارة أزمة كورونا، نظراً إلى ضعف الموارد والإمكانات المتاحة للحركة، وفي ظل اتهام قطاعات وشرائح كبيرة في قطاع غزة، خصوصاً من أسر وعائلات الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية بأن حركة حماس تناست هذا الملف الإنساني، وتعاملت معه بمنطق سياسي بحت، بل إنها سعت مراراً ومن قبل في توظيفه بصورة كبيرة، ما أدّى إلى وفاة عدد كبير من الأسرى، بل وتعرُّض عدد كبير لخطر الوفاة نتيجة تفشي الأمراض داخل السجون الإسرائيلية، إضافة إلى القفز على مرحلة التجاذب السياسي غير المباشر بين السلطة الفلسطينية والحركة حول أولويات طرح هذا الملف، خصوصاً أنّ إسرائيل تتعامل مع هذا الملف باعتباره ورقة ضغط حقيقية في مواجهة السلطة والحركة معاً، ورفضت في مراحل سابقة منح هذا الكارت بكل إيجابياته للحركة ما لم تفِ بشروط محددة، وأهمها تثبيت حالة الهدنة الراهنة، والسيطرة على توجهات الفصائل المنفلتة في القطاع، التي تُحسب على تيار السلفية الجهادية.

وعلمتُ من مصادر خاصة، أنّ حركة حماس أجرت سلسلة من الاتصالات مع عددٍ من الفصائل في قطاع غزة من الأسرى المحسوبين على كل فصيل، بهدف تضمينهم في القائمة النهائية، وأنها حتى الآن لم تدخل في اتصالات جادة مع حركة فتح لإدخال بعض الأسماء المحسوبة عليها، وأن المفاجأة الكبرى التي ستكون الأهم هي إدراج حماس اسم الأسير مروان البرغوثي المحكوم عليه خمسة مؤبدات، على قائمة الأسرى المطلوب إطلاق سراحهم.

كما ستُجرى المطالبة بإطلاق سراح أحمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية، وهو ما دفع الأجهزة الإدارية والخدمية للحركة في القطاع وبالأقاليم، وكذلك بعض أعضاء المكتب السياسي بالخارج، إلى الضغط على قيادات الحركة للشروع في مفاوضات غير مباشرة، لتعجيل إتمام الصفقة تخوّفاً من استثمار السلطة هذا الملف في رام الله، خصوصاً مع مخاوف احتمالات إقدام حماس على إعادة تشكيل اللجنة الإدارية التي حُلَّت قبل البدء في مسار المصالحة المُعطّل، وإن كان قبول الحكومة الإسرائيلية بتضمين أسماء رموز الأسرى الكبار لن يكون سهلاً أو ميسوراً، ولن تقبل به الحكومة الإسرائيلية الجديدة تمريره لسببين الأول: أن خروج مروان البرغوثي تحكمه ضوابط مختلفة عن السياق الراهن، وسيجرى وفق معادلة أشمل، نظراً إلى أنه أحد المرشحين لخلافة الرئيس محمود عباس، ولا تريد الحكومة الإسرائيلية الجديدة تصعيده في الوقت الراهن في صفقة ضيقة، والثاني: أن الإفراج عن قيادات حركية كبيرة في الفصائل المختلفة سيظهر حركة حماس بأنها الفصيل الأكبر الذي يجمع ولا يفرّق، وأنها لم تفرّق بين أسير وأسير، ما يُعلي من شعبيتها سياسياً وإعلامياً.

كما تسعى حركة حماس لتدعيم خطوات إجراءات بناء الثقة مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة، التي ستكون أمام اختبار حقيقي في إتمام الصفقة أم تأجيلها عدة أشهر، تخوفاً من ردود الفعل على المسارات المختلفة، وتخوفاً من تصادم الرؤى بين تكتل ليكود وتحالف أزرق أبيض الذي يقوده بعض الجنرالات (غانتس / أشكنازي) الذين اختبروا في المواجهات العسكرية في حروب غزة، وفي المقابل ستعمل الحركة على توظيف نتائج الصفقة داخلياً، مع انتقالها إلى مرحلة أخرى تركّز على المطالبة برفع حالة الحصار عن القطاع، خصوصاً أنّ حماس تضع في أولوياتها الاستمرار في خيار تثبيت حالة الهدنة الراهنة.

وعلمتُ من مصادر خاصة أنّ قيادات نافذة في حركة حماس رفضت عرضاً إسرائيلياً من قبل طرحه الإسرائيليون على هامش اتصالاتهم غير المباشرة بربط ملف تبادل الأسرى بالتفاوض على اتفاق هدنة وعدم اعتداء دائم، إذ لا يرغب بعض قيادات تيار الداخل في إتمام هذا الأمر في الوقت الراهن، وفي ظل مطالباتهم بمرحلة إجراءات بناء ثقة بعض الوقت مع حكومة إسرائيلية ستحكم مدة ثلاث سنوات، وتتضمّن مجموعة من الجنرالات الذين يرددون في خطابهم الإعلامي ضرورة الحل العسكري في القطاع، والواقع أن حركة حماس تريد تدخل الوسيط الروسي في مرحلة لاحقة، إذ يطمحون في توفير آلية إنذار استراتيجي بين الجانبين بدعم ومراقبة روسيا وأطراف أخرى على غرار الموجودة في سوريا بين إسرائيل وروسيا.

في هذا الإطار لا يستبعد وجود توجه داخل الحركة يقوده يحيى السنوار شخصياً في مواجهة التيار الميداني الحركة لإتمام صفقة تبادل الأسرى، لإحداث نوع مع التوازن بين تيارات الحركة الداخلية والخارجية، وفي ظل حالة من عدم الاستقرار في المواقف وحدوث نوع من التباين حول الأولويات والمهام التي يجب أن تعمل عليها الحركة في المرحلة المقبلة حال إتمام صفقة تبادل الأسرى بنجاح.

وفي المقابل يسعى (الجانب الإسرائيلي) لتحقيق مكاسب حقيقية ومباشرة من إتمام هذه الصفقة تحت ساتر إنساني، ومن دون التخوّف من ردود الفعل الداخلية بسبب إتمامها في الوقت الراهن أو بعد عدة أسابيع من بدء عمل الحكومة الجديدة، خصوصاً أن تحفظات بعض الوزراء في الحكومة من تكتل ليكود أو تحالف أزرق أبيض غير مؤثرة، وتبقى في إطار توافقات محددة سيقبل بها نتنياهو وشريكه في الائتلاف غانتس حتى لو جرى تأجيل تنفيذ الصفقة بعض الوقت، خصوصاً أنه توجد مكاسب سيُحصَل عليها في رفع شعبية رئيس الوزراء الراهن الذي اُتهم مراراً بأنه تعنت في إتمام الصفقة بمرحلة معينة، وسيُعلي من دور تكتل ليكود، وستعزز من مكانة التشكيل الحكومي الجديد، وليس بخافٍ الهدف الاستراتيجي للجانب الإسرائيلي، بإظهار الشكلَين الإنساني والأخلاقي للسياسة الإسرائيلية أمام الرأي العام الدولي في الإفراج عن الأسرى لاعتبارات صحية وإنسانية وكرد عملي ومباشر علي الذين يطالبون في الدوائر الأوروبية بفرض عقوبات على الجانب الإسرائيلي في حال ضم المستوطنات ومنطقة أغوار الأردن. إضافة إلى تأكيد التجاوب الإسرائيلي مع الطرح الدولي للقيام بإعادة تهيئة القطاع، وإعادة بنائه من خلال مشروعات خدمية تخدم القطاعات الاقتصادية في القطاع، التي تعاني حالة من الخلل والتردي جراء استمرار الحصار الإسرائيلي على القطاع منذ سنوات.

وأخيراً، تكريس سياسة الفصل بين قطاع غزة والضفة الغربية، باعتبارها هدفاً استراتيجياً للجانب الإسرائيلي، خصوصاً أنّ إتمام هذا الهدف سيحتاج إلى إجراءات عديدة لإبعاد القطاع وتهديداته السابقة عن السلطة الفلسطينية، التي لا تزال في حالة من التجاذب السياسي مع الحكومة الإسرائيلية، وترفض استئناف الاتصالات السياسية رغم أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة بدأت في توجيه رسائل إيجابية إلى السلطة الفلسطينية من خلال الورقة الاقتصادية.

والرسالة السياسية هنا أن إسرائيل تريد رسم علاقاتها المستقبلية مع قطاع غزة حال إقدامها على القيام بأي خطة انفرادية في الضفة الغربية والشروع مجدداً في رسم سياسات أمنية واستراتيجية محددة تتجاوز ما يحدث في الوقت الراهن.

خطوات إجرائية

شكّل رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مجموعة عمل، شملت منسق شؤون الأسرى والمفقودين يارون بلوم وطاقمه، وبتعاون مع هيئة الأمن القومي، والمؤسسة الأمنية، من أجل استعادة القتلى والمفقودين، والدعوة إلى بدء حوار من خلال الوسطاء والأطراف المعاونة، التي لعبت من قبل دوراً في محاولة إتمام الصفقة، التي شملت مصر وسويسرا وألمانيا والنرويج وروسيا، وستشمل الإجراءات التنفيذية للصفقة:

 تقديم حماس معلومات وبيانات واضحة عن وضع الجنديَين الإسرائيليَين هدار غولدن وأرون شاؤول، والإفصاح عن الحالة الطبية للأسير إفراهام منغستو، إلى جانب معلومات عن بقايا جثث جنود قُتِلوا في عدوان 2014، واحتفظت بهم حماس.

دراسة حماس إمكانية الإفراج عن إفراهام منغستو أو هشام السيد، إلى جانب تقديم فيديو قصير يُظهر أنّ أحد الجنود أحياء، وقد يكون فقط لهدار غولدن على غرار ما فعله المصريون قبل الإفراج عن شاليط.

احتمال لجوء حماس إلى خيارات أوسع أو أقل من ذلك، بحيث لا تسمح لإسرائيل بالمراوغة، خصوصاً أنّ الحركة معنية بإظهار معلومة مميزة حول حياة الجنود يمكن أن تضع الحكومة الإسرائيلية تحت الضغط الشعبي من أجل إتمام صفقة تبادل، خصوصاً في حال أثبتت أنّ الجنود لديها أحياء. والهدف الأثمن لدى حماس أن تفرج إسرائيل عن 250 أسيراً من المرضى والنساء والأطفال.

وعلمت من مصادر خاصة أنّ حماس ستشترط مع كل الإجراءات والخطوات "عدم استئناف سياسة الاغتيالات مجدداً"، ومثلما فعلت واغتالت رئيس أركان حركة حماس أحمد الجعبري، أو إعادة إلقاء القبض على بعض العناصر المفرج عنهم، وهو ما جرى بعد صفقة جلعاد شاليط، حيث يمكن للحكومة الإسرائيلية معاودة توجهاتها العدائية حال حدوث أي طارئ جديد.

الخلاصات الأخيرة

توجد مصالح مشتركة وفوائد متبادلة بين الجانبين: حركة حماس من جانب والحكومة الإسرائيلية الجديدة من جانب آخر، للقيام بتنفيذ صفقة تبادل الأسرى بصرف النظر عن الخطوات التنفيذية والمرحلية، لكن ستبقى الإشكاليات قائمة، وأهمها موقف كتائب عز الدين القسّام التي تتولّى إدارة الملف وتنسِّق مع الأطراف الوسيطة.

وعلمت من مصادر خاصة أنّ يحيى السنوار، وليس محمد ضيف أو مروان عيسى أو آخرين، هو من سيقرر الأمر بصرف النظر عن وجود خطاب إعلامي لحماس يؤكد واحدية القرار واتفاقه على الهدف، وفي ظل ابتعاد خالد مشعل وصالح العاروري وإسماعيل هنية عن تفاصيل ما يحدث، وإن كانت قيادات الحركة تريد أن تؤكد وجود توافق كامل في قرارها الأخير بشأن إتمام الصفقة، كما أنّ دخول أطراف على خط الوساطة ربما يُحدث نوعاً من التجاذب بين الأطراف المختلفة، خصوصاً أن مصر وألمانيا هما الأقرب إلى لعب دور الوسيط المباشر في هذا التوقيت بالمشاركة السويسرية، الأمر الذي قد يسهِّل كثيراً من الخطوات، خصوصاً أنّ الإفراج عن الأسرى سيكون له الأولوية عن مهام أخرى في الوقت الراهن، إذ تسعى أطراف أخرى مثل قطر للدخول على الخط، ومحاولة لعب دور أو العمل على التشويش لما يحدث، خصوصاً مع تلويحها المباشر والدائم باستخدام ورقة المساعدات الممنوحة للحركة داخل القطاع، التي كثيراً ما توظّف سياسياً عند الضرورة.

ومن المتوقع أن يجرى التبادل في المدى المنظور وفقاً لتوافر الإرادة السياسية لدى الجانبين وقوة الدفع التي يوفّرها الوسطاء في الصفقة، خصوصاً أنّ شروط الطرفين لدى الوسطاء معروفة ومعلومة جيداً، بالتالي فإنّ التفاصيل المتعلقة بتنفيذ الصفقة ستكون محل تفاوض عاجل، ولا تحمل تفاصيل كثيرة، رغم أنّ الجانب الإسرائيلي يروّج لوجود تعقيدات لإتمام الصفقة، ووجود إشكاليات متراكمة لإتمام وتصوير ما يحدث بأنه مجرد صفقة أولية تحمل عنوان صفقة معلومات ليس أكثر، بينما تحاول حركة حماس الحصول على رزمة كاملة من المكاسب دفعة واحدة، وهو ما قد يعطّل تنفيذ الصفقة التي يريدها الجانبان بالفعل لحسابات محددة معلومة من قبل كل طرف تجاه الآخر .