القُدْسُ مَطلعُ عِيدِنَا

تابعنا على:   22:53 2020-05-27

المتوكل طه

أمد/ القدسُ أرضُ اللّهِ،

بيتُ الشمسِ،

ترتيلُ النجومِ،

وما تهامى من كلامِ الأنبياء.

والقدسُ خانُ الزيتِ،

قوسُ العطرِ

قنطرةُ الحريرِ،

وسُكّرُ الأسواقِ،

بابُ الضوءِ،

شُبّاكُ الدوالي،

رعشةُ الألماسِ،

صوتُ العينِ،

والصبرُ المُعتَّقُ

والرجاء.

***

والقدسُ طفلتُنا التي قصّوا جدائلها

بأسئلة الضغائنِ والمكائدِ والحروبْ،

هُمْ غيَّروا ذَهبَ الشروقِ على مآذنِها،

فأدركها الغروبْ،

هُمْ هجّروا أطيارَها، من بَعْد أن هدّوا منابرَها

فَتاهت في الدروبْ،

هُمْ أبعدوها عن ملامحِ أهلِها

هم غرَّبوها عن مطالعِ قلبِها النبويِّ باسمِ السَّلْم

ساقوها إلى حضنِ الذي اغتصبَ الطفولةَ

والزنابقَ والهواء.

فالقدسُ لم تعدِ العروسَ

وزهرةَ المدُنِ الشريفةْ..

هيَ ذي تكابرُ تستريبُ وتستفيقُ على

أقانيمِ العماءْ.

***

القُدس إنْ سقطت

ستسقطُ كلُ مِئْذَنةٍ وقَصْرٍ،

والممالكُ، في السواحلِ، وحَدَها

مَنْ يملكُ الطرقاتِ والآبارَ والأمرَ السواءَ،

وغيرُها أَمَةٌ وعبدٌ،

والقبائلُ ترفعُ الإذعانَ خوفاً...

إنهم سبعون ألفاً

مَنْ يَسُوقهم الصليبيون للموتِ المحتّمِ،

والمماليكُ، الذين أميرُهم قتَلَ الأميرَ،

سيسمعونَ،

وسوف يَدعونَ القتيلَ إلى الحوار،

ونبذِ أسبابِ العِداءْ!

فَهُنا تساوى الواقعيونَ القضاةُ

العالمِون بكلِّ أحوالِ الشعوبِ

القادةُ الأفذاذُ أصحابُ الكياسةِ والسياسةِ،

من أمينٍ أو وزيرٍ أو لواءْ،

وهنا تساوى هؤلاء، وفوقَهم مَنْ باعَ

أو مَنْ ضاعَ

مع مَنْ صار مسؤولاً بلا إذنٍ،

وأصبح ببّغاءْ..

فلتهتفوا للعدلِ،

عاش العدلُ في زمن النِّخاسة والرياء!

***

القدسُ أوّل ما أقام اللهُ

في الدنيا،

وآخرُ ما سيبقى في سماواتِ البهاءْ.

يا أورَ سالمَ

يا قبابَ الوَجْدِ

في قلبي الجريحْ!

ها أنتِ وحْدَكِ

فوقَ جُثَّتِكِ الُممَزَّعةِ الرضيّةِ

بين جدرانِ الغُراب،

ودونَ أُمَّتِكِ الذليلةِ في العراءْ.

فالشكرُ كلُّ الشكرِ للحفّارِ

والحانوتِ والتابوتِ والقُطنِ المنُقّى والغطاءْ،

والشكرُ كلُّ الشكرِ للأُممِ التي حملتْ

جنازتَها،

ولم تبخلْ علينا بالرثاءْ،

شُكراً لأُمّتِنا على هذا الغيابِ

وألفُ شكرٍ للسلامِ وللتفاوضِ

 والذّهابِ إلى الهَباءْ.

***

ويقول مجنونٌ يبيعُ الريحَ: 

لم ألقَ المدينةَ في المدينةِ،

سافَرَتْ في الناي،

أو في لُعبةِ التاريخِ، كُنّا

إنْ عشقنا لم نَنَم،

وإذا دخلنا النارَ نِمْنا،

والهزيعُ بنفسجُ القُطْنِ الوثيرِ،

وإنْ صَحَوْنا لم يعد في الدَّنَّ روحٌ،

كلُّ ما في الأمرِ؛

أن العمرَ بيتٌ من صغارٍ يلعبون،

ونسوةٌ تغلي حليبَ الليلِ

في العيدِ الكبير،

وعندما جاؤوا انكسرنا

مثلَ مئذنةٍ، وما عُدنا نرى

في قطعةِ الحلوى المرارةَ والرضا،

كُنّا ننامُ كما تنامُ الدارُ،

أو نبكي كما يبكي الجدارُ،

وتضحك الطرقاتُ فينا أو علينا،

إنّما كُنّا هنا،

مثلَ الجبالِ، على ذراعيها الدروبُ،

وعند غُرَّتها الغروبُ،

وفوقَها تاجُ الصنوبرِ والطيورِ،

وفي حواشيها البراكينُ الدماءُ،

 ولم يكن في التينِ شوكٌ

أو حريقٌ،

كانت الدنيا مناديلاً

تصفّق للحجارةِ والبلادِ،

وما بلغْنا حكمةَ العشّاق حتى

 مات في البلد المُولَّهُ

فاض شِعراً وارتوى بالرمل.. هذا

 أجملُ المرضى الذين

تناسخوا بجدائل النهر الغريقِ، وليته

 ما كان إلاّ بعضَ مجنونٍ، ليبقى

 في حديثِ الشامتينَ مساحةً للعَذْل..

هذا ما بدا، وله نعودُ غداً، لنبدأ

من جديدٍ في السؤال: متى

 تُحرّرُنا البيوتُ

من الشهادةِ والجنازةِ والرثاء؟

ومَنْ سيفضحُ سرَّنا الغاوي

على حجر المساء،

وكيف نسرق حَبّةَ النهدين

من ثوبِ النداء،

وأين نزرعُ شمعةَ الدوريِّ

إنْ ضاق الفضاء،

وما الذي يبقى هنا

إنْ غاب مجنونُ الرياحِ

عن الشبابيكِ الهواء؟

***

والقدسُ آخرُ ما تلفّظَت الأعالي،

فوقَ رايةِ أرضنا؛

هي سندسُ الزيتونِ

أجنحةُ الحَمامِ

ولمْعَةُ الشريانِ

أو كُحْلُ الصَّبيةِ

لم تُصِبْ من عمرها إلا البُكاءْ.

***

والقدسُ عينُ اللّهِ في الأرضِ الصغيرةِ،

أوّلُ الصلواتِ والآياتِ،

محرابُ البتولِ،

ونخلةُ الميلادِ،

معراجُ الأمينِ،

ومربطُ الفَرَسِ المُجَنَّحِ،

خُبزُنا البلديُّ،

زيتُ سراجِنا الكونيُّ،

أو رَقْصُ البلادِ،

وزفّةُ الأعراسِ في وَهَجِ الغناء.

***

جاؤوا إليها فاتحينَ مُسبّحينَ

وخلّفوا فيها الرواقَ

أو المُصلّى

أو خطوطَ النصرِ

أو تاجَ المُقَرْنَصَةِ المعقّدَ والقبابَ

أو السبيلَ أو المشافي والمدارسَ

والحصونَ

أو الأصابعَ فوقَ مرمرِها الشجيَّ

أو القصورَ أو السجونَ

أو القلاعَ أو القبورَ

أو القصائدَ والملامحَ والعيونَ

وما يُسجّلُهُ الحجيجُ

من العجائبِ والطقوسِ

وما رأَوْا في الخانِ والقَصَباتِ

من أثرِ الجنودِ،

وما يقولُ الناسُ أو ما يفعلونَ،

وما يبيعُ القادمونَ من النفائسِ والقلائدِ والنقودِ،

وكان أنْ حُرِقَتْ

وَزُلزِلت المدينةُ غيرَ مَحْرقَةٍ،

فماذا يصنعونْ؟

ولقد أعادوا مرّةً أخرى المدينةَ

مثلما كانت على كتفِ الثريّا،

أو كما تبدو الأميرةُ إيلياءْ.

***

والذئبُ جاء القدسَ

من غَبَشٍ سحيقِ

من عيونِ الريحِ،

قال: أنا أجوعُ

لهذهِ الأرضِ المقدّسةِ المليئةِ

بالقفيرِ وبالحليبِ،

وسوف أبني هيكلي فيها..

ووحدي مَنْ يكونُ هُنا.. هُنا

فَأنا الذي أعطى الإلهُ أباه هذي الأرضَ

وحدي مَنْ سيبقى

والبدائيون مَنْ مَرّوا عليها

يرحلونَ

وإنْ أبَوْا، سيموتُ ما فيها لهم؛

من بقلةٍ أو نملةٍ

أو نبعِ ماءْ.

فَلـْيرحلوا عنّا،

فإنّا لا نطيقُ لهم بيوتاً

أو مروراً أو بقاء.

وَلـْيقطعوا حَبْلَ المشيمةِ في الصحارى،

نحن مَنْ يرثُ الخُطى

وقلائدَ التينِ المجفَّفِ

والخوابي والجِرارَ

وما يميسُ على السهوبِ من الشعيرِ

ومن قرونِ البامياءْ.

وأنا الذي ينفي الضحيةَ والمذابحَ،

وَحْدَنا مَنْ يملكُ الهولوكستَ والمنفى..

أنا الملكُ الوريثُ،

أُنقّحُ التوراةَ من حُبَّ الخلائقِ

ملّتي، لا شيءَ للأغيارِ

إلاّ ما يُمكّنني الكمينُ من الرعاعِ،

أنا هنا المختارُ،

أَخْلُق ما أريدُ

بِرَنَّةِ التَّبْرِ المُرابيَ/

والمؤامرةِ/ البغايا/ والخطايا والثراءْ.

وحدي لديّ دمي المميّزُ،

لي عناقيدُ المراعي، والأفاعي

بعضُ أُحجيتي

ولي حَسْمُ النهاياتِ السعيدةِ

والشعوبُ لها كوابيسُ العناء.

***

القدسُ واحدةٌ لنا،

ولها نشيدُ الجُرْحِ، والكوفيةُ السمراءُ،

والعيدُ البعيدُ، وصورةُ المقلاعِ

واللونُ الذي رفعَ الحنينَ

إلى المجازْ!

فهناك في المنفى هي العنوانُ

في الثوبِ المطرّزِ بالحكايا

والزغاريدِ النبيهةِ والخرائطِ والدفاعِ

عن المعاني، والمعلّقةِ التي فهقتْ

على الحيطانِ أو صدرِ الصَّبيّةِ،

في الهواتفِ والملاحفِ والمصاطبِ والحِساءْ.

وهنا، هي الرحمُ الخصيبُ، وما

تبقّى من حكايتنا، وما عقدوا عليه

من النوايا في الصلاةِ أو الممات،

أو الدفاعِ عنِ السلامِ أو الحِمامِ،

أو الذهابِ إلى النجَاءْ.

وهي الشرارةُ والترابُ أو الغمامةُ

والهواء، هي الهيولا، والقيامةُ،

والصَّحاحُ من النّزول على النبيِّ

بعُزْلةِ الجبَلِ المُقدَّس

أو حِراء.

وهي التي ربطوا بها قلبي

وحفّوا نهدَها بالهِندِباءْ.

هي زوجتي، أُختي، وأمّي وابنتي

أبتي وعمّي، خالتي، أهلي

وجيراني وأفراحي وسلطانُ الإباءْ

هي آيتي، عِرضي، حياتي

أصدقائي الأوفياءُ، مدينتي

بيتي، غدي، سندي، عمادي، زهرتي، لغتي

دموعي، قصّتي، أمسي، وأحلامي

كتابي، دُرّتي، زمني، عيوني، شمعتي

وجعي، شفائي، نظرتي، صوتي

غطائي، نوْمتي، صحوي

وخطوي والدواءُ وصرختي،

أملي، جدودي، شهقتي الأولى

وروحي، نجمتي، شُهُبي، عُروشي

نخلتي، تفاحتي، قمحي، وقافلةُ الرّواءْ..

القدسُ أزمانٌ على زمنٍ طويلٍ،

ثم يأتي آخَرٌ.. حتى

تكونَ ذُرى ابنِ آدمَ في المدينةِ،

بعضُها يعلو على بعضٍ،

وأجْمَلُ ما يتوِّجُها السلامُ إذا

تخلّى الميّتونَ عنِ ادّعاءِ الادّعاءْ.

فهنا البهارُ وقهوةُ العربيِّ والآياتُ

والتاجُ المُرصّعُ بالسّناءْ.

وهُنا.. هُنا حريّةُ الإنسان

طُهْرُ الطهرِ، ترنيمُ التجليّ والخفاءْ.

فبأيِّ شمسٍ نستنيرُ

بأيِّ ماءٍ نستجيرُ

ومَنْ يُصدّقُ أنَّ قُدْسَ اللهِ

يَحْكُمها عبيدُ المومياء؟!

***

القدسُ أوّلُ قِبْلَةٍ أو قُبْلَةٍ،

والنهرُ يجري تحتها،

وينامُ في ذَهَبِ المصاحفِ

مثلَ طفلِ السَّرْوِ،

ثَمةَ ما يضفضفُ فوقَ خَطَّ السورِ؛

هذا سيفُ يوسفَ أو صلاحِ الدين،

مَنْ شدَّ الرحالَ إلى الحرائرِ والكنائسِ والتكايا

كي يحررّها من  الغرباء، هذي

رؤيةُ الصوفيِّ في ليلِ الثناء،

وهذه حلقاتُ أبناءِ المغاربةِ

الأفارقةِ

اليمانيةِ

الشراكسةِ

الهنودِ

الأولياءِ

وهذه بعضُ المقاماتِ التي

صعدوا بها،

والنقشبنديُّ الذي كشف المسافةَ

حلّ في نبعِ الصَّفَاء!

فلإيليا تأتي  البحارُ على دفوفِ الرَّحلِ،

والمضيافُ عاهِلُها؛

يزيِّنُها عُروشاً للخليلِ وللسبيلِ وللفراءْ.

فهنا، إذا حفروا بأرضِ القدسِ

لن يجدوا سوى حاءٍ وباءٍ.

هيَ ليلةُ القَدْرِ الأثيرةُ،

ياسمينُ البرقِ،

أو صوتُ الإمامِ

إذا ترنَّم بالقيامِ والانحناءِ،

وطافَ بالجَمْعِ المَهيبِ على الأرائكِ

والملائكِ

في القيامةِ نبعُ أطيارٍ ترفُّ

على صدى الناقوسِ..

هذا كرنفالُ القدسِ،

مَوْقِدُ نَحْلِها،

ورِهَامُ فضَّتِها على طِيبِ البقاء.

***

والقُدْسُ إرْطاسُ الفَراشِ،

وشامةُ البلدان،

والزغبُ الحرامُ،

وتلَّةُ النُسّاكِ والعُبّادِ

في صُوفِ الخِباء.

القُدْسُ ليمونُ الزوايا،

طفلةُ النارنجِ،

ليلةُ عيدِنا

وقد استباحوا يومَها القمرَ الوحيدَ،

وخلّفوها دونَ نورٍ أو كِساءْ.

يا آورَ سالمَ،

إيليا،

يا زهرةَ المدنِ الحبيبةِ

يا يبوسُ!

برغمِ أحزاني الجليلةِ والمواجعِ،

يا فضاءَ الله في هذا البلاءِ،

ويا بعيدةُ، رَغْمَ رُؤيتِها،

على حَدَّ الوداعِ..

لنا اللقاءُ

لنا اللقاءُ

لنا اللقاءْ.