اللعب على وتر الوحدة الوطنية ووحدة التمثيل كارثة وجريمة ..!

تابعنا على:   07:46 2020-06-02

د. عبد الرحيم جاموس

أمد/ إن غياب الوحدة الوطنية الفلسطينية ووحدانية التمثيل السياسي وعدم بلورته قبل النكبة الكبرى سنة 1948م، مثل أحد أهم عناصر الضعف للشعب الفلسطيني حينها، سهل للعصابات الصهيونية والقوى الإستعمارية تنفيذ جريمة اغتصاب الجزء الأعظم من الأراضي الفلسطينية وإقامة الكيان الصهيوني عليها، وتهجير العدد الأكبر من الشعب الفلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين، لقد كان البحث عن صيغة قانونية تمثل الشعب الفلسطيني تعبر عن آماله وتطلعاته الوطنية ضرورة حتمية في ظل واقع التجزئة العربية التي فرضتها القوى الاستعمارية على العرب، إن تغييب الوحدة الوطنية الفلسطينية وشطب الهوية الفلسطينية هدفا استعماريا صهيونيا، مثل ركنا أساسيا في خطة واستراتيجية قيام الكيان الصهيوني (كوطن قومي لليهود) فقط في أرض فلسطين، وإنكار الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني في وطنه.
بعد النكبة عاش الشعب الفلسطيني حالة من الضياع والتوهان واستلاب وتمزق الهوية إلى منتصف ستينات القرن الماضي، حين انشئت منظمة التحرير الفلسطينية في مايو 1964 م حيث عقد المجلس الوطني الأول في مدينة القدس برعاية الملك حسين وأقرت فيه ميثاقها وتشكيل هيئاتها وانتخب قياداتها، حينها اسند إليها صفة تمثيل فلسطين في الجامعة العربية، ومع انطلاقة فصائل المقاومة والعمل الوطني وانتسابها إلى أطر ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية باتت بالفعل م.ت.ف ممثلة للشعب الفلسطيني ومعبرة عن آماله وتطلعاته الوطنية في العودة والحرية وبناء الدولة المستقلة وعاصمتها القدس، تأكدت هذه الصفة لـ م.ت.ف في القمة العربية في الرباط في اوكتوبر1974م وما تلاها من اعترافات من قبل الدول الصديقة وتم منح م.ت.ف صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة ودعيَ الرئيس ياسر عرفات لإلقاء كلمتها أمام الجمعية العامة في نوفمبر1974م، عندها شعر الكيان الصهيوني أنه بات وجها لوجه مع الهوية الوطنية الفلسطينية التي عمل على شطبها وتصفيتها قد عادت من جديد وتمثل الخطر والتحدي الأكبر لمشروعه الإحلالي العنصري، أخذ يضع الخطط والسناريوهات السياسية المختلفة لمواجهة هذا التحدي في وقت مبكر من سبعينات القرن الماضي، عمل على ضرب الوحدة الوطنية التي جسدتها م.ت.ف كإطار جبهوي جامع وموحد لكافة القوى والإتجاهات السياسية، كما عمل جاهدا على المس بوحدانية التمثيل السياسي الفلسطيني واغتيال العنوان السياسي الموحد للشعب الفلسطيني الذي جسدته أيضا م.ت.ف، لتحقيق تلك الغايات عمل الكيان الصهيوني على تشكيل روابط القرى في الأراضي المحتلة وعمل على ربط مصالح السكان بها بغرض إحداث بديل تمثيلي ينافس م.ت.ف ويعمل على اضعافها، واطلق العنان بشكل رسمي للتيارات السياسية المناوئة لـ م.ت.ف وبعض الشخصيات التقليدية لمنافسة م.ت.ف وإضعافها، وقد باءت جميعها بالفشل واسقطت وحوصرت شعبيا، ثم توجه للعب أوراق أخرى منها ورقة التيارات السياسية الدينية التي تعتقد أنها في تناقض عقائدي وسياسي مع الحركة الوطنية والقومية واليسارية والعلمانية الفلسطينية المؤطرة في إطار م.ت.ف .. وقدم لها الترخيص الرسمي بتشكيل مؤسساتها وجمعياتها والدعم المباشر لتنشط في الأوساط الشعبية الفلسطينية عبر الأعمال الإجتماعية الخيرية والدعوية، قد تبلور عن هذه التيارات في نهاية المطاف إنشاء حركتي الجهاد وحماس (كحركتي مقاومة) من خارج أطر ومؤسسات م.ت.ف اللتان ترفضان لغاية الآن الإندماج والمشاركة في أطر م.ت.ف، وتتصدر المشهد حركة حماس منافسة لِـ م.ت.ف على وحدانية التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني، مثل هذه المواقف من قبل الحركتين تمثل طعنة نجلاء للوحدة الوطنية الفلسطينية ولوحدانية تمثيل م.ت.ف للشعب الفلسطيني .. هذا ما خطط وسعى إليه العدو الصهيوني جاهدا وقد لقي فيه للأسف دعما مباشرا وتبنيا من قوى اقليمية بإسم المقاومة، جاءت الضربة الأقسى في انقلاب حركة حماس على السلطة والتفرد في حكم قطاع غزة منذ صيف 2007م ولم تجدي معها كافة الجهود والمتغيرات لإنهاء حكمها المنفرد لقطاع غزة، بل تسعى إلى تكريسه والذي بات يحظى علنا بالدعم والمحافظة عليه من قبل الكيان الصهيوني نفسه وحلفائه لما فيه من خدمة لأهدافه، ويحظى بدعم ورعاية من دول إقليمية ودولية للأسف.
إن استمرار الإنقلاب وما نتج عنه من إنقسام والسلوك السياسي الذي لازالت تسلكه حركة حماس في علاقاتها الداخلية والخارجية قد بات يمثل مساً خطيرا بوحدة الشعب الفلسطيني ووحدانية تمثيله السياسي في ظل جملة المتغيرات التي بات يشهدها العالم والإقليم معا، يتيح فرصة ذهبية للإحتلال وحلفاءه كي يكمل تنفيذ خططه التصفوية وتنفيذ صفقة القرن الأمريكية التي من شأنها الإجهاز على تطلعات الشعب الفلسطيني في العودة والحرية وقيام الدولة المستقلة وعاصمتها القدس.
كما لاحظنا في الآونة الأخيرة بدء نشاط محموم لعناصر فلسطينية منفلتة غايتها الأساسية التشكيك بـ.م.ت.ف وبسلطتها، وبمواقفها الواضحة والصلبة في رفض صفقة القرن الأمريكية التصفوية جملة وتفصيلا، والذي تبلور بقرار اللجنة التنفيذية مؤخرا بالتحلل من كافة الإتفاقات والتعهدات الموقعة مع حكومة الكيان الصهيوني وحكومة الولايات المتحدة.
وتسعى م.ت.ف إلى تشكيل جبهة دولية عريضة لمنع الكيان الصهيوني من تنفيذ مساعيه بضم الأراضي الفلسطينية والمستوطنات والقدس وإسقاط صفقة القرن الأمريكية، والعمل على الزام الكيان الصهيوني والولايات المتحدة بإحترام قواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة .. والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي متعدد وفاعل على أساسها لإنهاء الإحتلال والتوصل تسوية تضمن الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة وغير القابلة للتصرف، التي نصت عليها قرارات الأمم المتحدة.
هنا تتجلى أهمية إنهاء انقلاب حركة حماس وما نتج عنه من نتائج كارثية وخطورة استمرار اللعب على وتر الوحدة الوطنية ووحدة التمثيل السياسي، وضرورة استعادة الوحدة الوطنية بكل مستوياتها والحفاظ على وحدانية التمثيل السياسي ممثلا في م.ت.ف، واستبعاد واسقاط كافة الأجسام السياسية المشبوهة التي تسعى للعب أدوار مشبوهة متساوقة مع خطط العدو وخطة صفقة القرن الأمريكية.
هل تدرك حركة حماس خطورة اللحظة التاريخية التي تمر بها القضية .. وخطورة الدور الذي باتت تؤديه على القضية، كي تتوقف عن هذا السلوك السياسي المريب والخطير وتنهي فورا انقلابها على السلطة وكافة نتائجه التدميرية وتعلن أنها ليست بديلا ولا منافسا لـ م.ت.ف وتكون شريكا وداعما لقرار القيادة الفلسطينية في مواجهة سياسات التوسع والضم الإسرائيلية قبل فوات الأوان، وأن تتخلى عن مواقفها التشكيكية والتخذيلية، هي وبعض الأجسام أو الفصائل الأخرى التي تسيطر عليها منطلقاتها الرغبوية ومصالحها الحزبية والفئوية.
هذا ما نسعى له ونتمناه خدمة لفلسطين وقضيتها، تأكيد تجسيد الوحدة الوطنية الحقيقية والعمل على رَّصِ الصفوف في إطار م.ت.ف واستشعار درجة الخطر المحدقة بالشعب الفلسطيني وقضيته والتصدي والمواجهة المشتركة لسياسات العدو وحلفائه.

اخر الأخبار