سوريا وروسيا والوجود الأمريكي

تابعنا على:   15:08 2020-09-18

د. محمد السعيد إدريس

أمد/ كل الأطراف المنخرطة في الصراع على الأرض السورية ترى نفسها مدفوعة بحكم مصالحها لدعم خيار إخراج الأمريكيين من شرقي الفرات

تزامنت زيارة الوفد الروسي عالى المستوى إلى سوريا مع اتخاذ الإدارة الأمريكية قرارات مهمة بخصوص إجراء تخفيض كبير فى عدد القوات الأمريكية العاملة فى العراق. ومن ثم برز التساؤل الذي ستكون له اعتباراته في واشنطن، وهو ما إذا كانت الإدارة الأمريكية اضطرت إلى اتخاذ قرار تخفيض عدد قواتها تحسباً لمخاطر يمكن أن تتعرض لها من جانب ما بات يُعرف ب«المقاومة العراقية»، وهي تجمّع لفصائل وميليشيات تابعة لإيران، خصوصاً أن الأيام القليلة المتبقية على إجراء الانتخابات الرئاسية الأمريكية باتت محدودة (45 يوماً فقط من الآن)، وأن الرئيس دونالد ترامب، وحملته الانتخابية لا تتحمل سقوط ضحايا أمريكيين فى العراق، لأن حدوث ذلك ستكون له انعكاسات وخيمة على فرصه للفوز فى هذه الانتخابات، فهل يمكن أن تضطر الإدارة الأمريكية لاتخاذ قرار مشابه بتخفيض القوات الأمريكية فى سوريا، أو إنهاء الوجود العسكري الأمريكي كلية في سوريا إذا تعرض هذا الوجود إلى مخاطر مشابهة على نحو ما يحدث فى العراق؟

السؤال مهم لاعتبارات كثيرة، أولها تلك العجلة التي بدت واضحة عند الرئيس ترامب للانسحاب من العراق. فالحديث عن سحب القوات الأمريكية بدأه الجنرال كينيث ماكنزي قائد القيادة الأمريكية العسكرية في الشرق الأوسط بالإعلان عن تخفيض القوات الأمريكية من 5200 إلى 3000 فقط، مع وعد بتخفيضات أخرى قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية. وما هي إلا أيام قليلة حتى بادر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالإعلان عن أن الولايات المتحدة «ستخفض قواتها فى العراق إلى نحو ألفي جندي في وقت قصير».

وهناك اعتبار آخر، وهو أن الظروف لم تعد مواتية لبقاء القوات الأمريكية في سوريا في ظل التطورات الصعبة التي أخذت تتراكم وباتت تهدد هذه القوات في ظروف انتخابية رئاسية غير مواتية.

فالأطراف الأخرى المتصارعة مع الوجود العسكري الأمريكي على اتساع بقعة شرقي نهر الفرات في منطقة الجزيرة السورية التي هي سلّة سوريا الغذائية وهي أيضاً مركز ثروة سوريا النفطية والتي هي على تماس مع حدود كل من العراق وتركيا، فإن الدولة السورية حريصة على تأكيد وحدتها الوطنية والحيلولة دون انسلاخ أي جزء من أراضيها لتأسيس كيان كردي ينفصل مستقبلاً عن سوريا، وهي نية تدعمها الولايات المتحدة التي عقدت اتفاقاً لاستثمار النفط السوري في شرقي الفرات لمصلحة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الكردية.

وروسيا التي تدافع عن وجودها ومصالحها فى سوريا تعتبر أن الوجود العسكري الأمريكي شرقي الفرات مسعاه لتأسيس كيان كردي «عميل» فى هذه المنطقة يستهدف روسيا بالدرجة الأولى، وأن فرض أمريكا «قانون قيصر» على سوريا لمنع إعادة الإعمار هو إعلان مسبق بالفشل للجهود الروسية التى ستعجز حتماً عن القيام وحدها بهذه المهمة، ومن ثم توجد مصلحة روسية مؤكدة لإخراج الأمريكيين من سوريا. وإيران الحريصة على وجودها العسكري ونفوذها السياسي ترى أن تمركز الأمريكيين شرقي الفرات هدفه الاستراتيجي إغلاق بوابة الحدود السورية مع العراق لمنع أي تغلغل إيراني إلى سوريا ولبنان، (حيث حزب الله)، عبر الأراضي العراقية. كما أن تركيا هي الأخرى ترى في دعم واشنطن لتأسيس كيان كردي مستقل شمال سوريا يعتبر تهديداً خطيراً لأمنها القومي، وترى في انسحاب القوات الأمريكية من شمال شرقي سوريا خطوة مهمة لإجهاض الطموح الكردي.

هذا يعني أن كل الأطراف ترى نفسها مدفوعة بحكم مصالحها لدعم خيار إخراج الأمريكيين من شرقي الفرات، لكن إضافة إلى ذلك فإن الواقع المحلي هناك أضحى مقلقاً، إن لم يكن خطيراً، بالنسبة للقوات الأمريكية.

فمدن وقرى شرقي الفرات باتت مهيأة للانتفاض على قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، والقوات الأمريكية، بعد تورط «قسد» فى جرائم اغتيال زعماء القبائل والعشائر السورية.

والأحداث أخذت تتسارع شرقي الفرات منذ اغتيال شيخ عشيرة العكيدات، مطشر الهفل، ومع تفاقم اعتداءات الميليشيات الكردية ضد المكون العربي في المنطقة، مع تزايد سيطرة الكرد على الثروة النفطية، وتهميش دور ومصالح القبائل العربية وموقفها الرافض لانسلاخ شرقي الفرات عن الدولة السورية لمصلحة «كيان كردي انفصالى»، بدأت القبائل العربية شرق الفرات بالسعى لتشكيل تحالف عشائري يقود الانتفاضة، الأمر الذي يحمل معه إرهاصات نشوء مقاومة شعبية ضد القوات الأمريكية والكردية.

المؤتمر المهم الذي عقده أبناء القبائل في عموم سوريا في مدينة حلب بحضور أكثر من 50 ممثلاً للقبائل كان هدفه الأساسى هو «دعم ثورة أبناء قبائل منطقة الجزيرة السورية في وجه الاحتلال الأمريكي وحلفائه».

هل ستأخذ الإدارة الأمريكية كل هذه التطورات فى اعتبارها وتبادر باتخاذ قرار مشابه لقرار سحب الجزء الأكبر من القوات الأمريكية في العراق بالانسحاب من سوريا؟ وهل زيارة الوفد الروسي عالي المستوى الذي ترأسه يورى بوريسوف، نائب رئيس الوزراء وسيرجي لافروف وزير الخارجية، إلى جانب وفد عسكري روسي عالي المستوى أيضاً توجه فوراً إلى قاعدة «حميميم» الروسية قرب اللاذقية، يمكن أن تدعم اتجاه الضغط عسكرياً ضد الأمريكيين لإخراجهم من سوريا انطلاقاً من إدراك أن الظروف الانتخابية الرئاسية الحرجة للرئيس ترامب ستفرض عليه هذا الخيار؟

عن الخليج الإماراتية

اخر الأخبار