هل من توقف ومراجعة لمسيرة التطبيع مع المستعمرة الإسرائيلية ..؟! 

تابعنا على:   13:36 2020-11-05

د. عبد الرحيم جاموس

أمد/ التطبيع مصطلح كريه ادخل إلى اللغة العربية للتعبير عن إقامة علاقات من دول عربية سيدة مع كيان المستعمرة الإسرائيلية المقامة على أرض اقليم فلسطين منذ العام1948م، علما أن هذا المصطلح المصطنع لم يكن مصطلحا من مصطلحات علم السياسة في اللغة والثقافة العربية وإنما هو مصطلح قد دخل اللغة العربية اصلا من خلال علوم الحيوان فهو يختص بتدريب الإنسان لبعض الحيوانات التي يربيها الإنسان لإستخداماته .. فهناك تربية وترويض ومن ثم تطبيع لبعض اصناف من هذه الحيوانات كي يسهل تعويدها على الإستخدامات المختلفة لها من قبل الإنسان ..! 

لكن (مصطلح التطبيع) أو التتبيع قد تم اقحامه قصرا في قاموس مصطلحات الصراع العربي الإسرائيلي كنقيض لبعض المصطلحات السياسية التي كانت مسيطرة لردح طويل من الزمن والتي كانت تعبر عن مواقف العرب ودولهم المختلفة من الصراع مع كيان الإستعمار الإسرائيلي ومن أبرزها اللاءات العربية الثلاث التي صدرت عن القمة العربية المنعقدة في العاصمة السودانية بُعيدَ نكسة حزيران1967م (لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات) دون إزالة آثار العدوان ويقصد بذلك عدوان حزيران 1967... لكن هذه المصطلحات لم تصمد طويلا امام الضغوط التي مورست على مواقف الدول العربية سواء من خلال هيئة الأمم المتحدة وغيرها من التنظيمات الدولية وكذلك من خلال ضغوط الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي من أجل العمل على استبعاد الحلول العسكرية لهذا الصراع العربي الإسرائيلي وفرض آلية سلمية لحله بواسطة المفاوضات المباشرة من قبل الدول العربية مع كيان المستعمرة الإسرائيلية، فقد قبل العرب فكرة الحل السلمي بداية عبر المفاوضات غير المباشرة مع الكيان الصهيوني سواء بإشراف الأممم المتحدة أو بواسطة الدول الوسيطة وتتقدمها الولايات المتحدة، ولكن عقب حرب أكتوبر تشرين الثاني رضخت بعض الدول العربية إلى مبدأ المفاوضات المباشرة على جبهتي الصراع المصرية والسورية فيما عرف بداية بمفاوضات فك الإشتباك ومفاوضات الكيلو101، ومن ثم جرى التطويع للموقف العربي لفكرة عقد مؤتمر دولي للسلام برعاية الأمم المتحدة والدول الكبرى .. إلا ان تعنت المستعمرة الإسرائيلية والدعم الكامل لموقفها الرافض لمبدأ المفاوضات غير المباشرة  من قبل الولايات المتحدة قد أفشل فكرة المؤتمر الدولي في سبعينات القرن الماضي (مؤتمر جنيف للسلام) والذي كان مخططا له الإنعقاد في العام 1975م ... وتم الرضوخ لمبدأ المفاوضات المباشرة الذي تبنته الديبلوماسية الإسرائيلية الأمريكية لاحقا، حيث جاء ترتيب زيارة الرئيس المصري أنور السادات للقدس في عام 1977م وإلقاء خطابه الشهير أمام البرلمان الإسرائيلي (الكينيست) عارضا عليه مواقفه لإنهاء الصراع وإقامة علاقات ديبلوماسية كاملة معه ليفتح الباب أمام المفاوضات المباشرة وبالفعل فقد تمخضت هذه الزيارة عن اطلاق مفاوضات مصرية إسرائيلية مباشرة بالرعاية الأمريكية .. نتج عنها توقيع إتفاق كامب ديفيد المصري الإسرائيلي للسلام والذي قوبل بالرفض العربي وقطع العديد من الدول العربية لعلاقاتها مع مصر ونقل مقر الجامعة العربية من مصر إلى تونس .. واعتباره حلا انفراديا لما يمثله من انكسار لموقف الديبلوماسية العربية الجماعي من الصراع وتهميش لجوهر الصراع وهو حل القضية الفلسطينية ... ومثلَ هذا الإتفاق الحلقة الأولى من حلقات إنهيار الموقف العربي من الصراع وبدء العلاقات والإعتراف المتبادل بين كيان المستعمرة الإسرائيلية والدول العربية .. دون حل القضية الفلسطينية التي تمثل جوهر الصراع ... 

وبعد حرب الخليج الثانية وفي تشرين أول أكتوبر من عام 1991م تمكنت الديبلوماسية الأمريكية من تنظيم وعقد مؤتمر مدريد الدولي للسلام على أساس مبدأ الأرض مقابل السلام والسعي إلى تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967 م وبمشاركة دولية وعربية واسعة وهيمنة أمريكية شبه كاملة عليه من فرض مفاوضات مباشرة ثنائية وجماعية على طرفي أو أطراف الصراع لإنهائه ... 

نتج عنه توقيع إتفاق إطار أولي مرحلي بين منظمة التحرير الفلسطينية وكيان المستعمرة إسرائيلية (عرف بإتفاق اوسلو) في واشنطن في 13/9/1993م بهدف إقامة حكم ذاتي فلسطيني محدود زمانيا لمدة خمس سنوات ومحدود جغرافيا على قطاع غزة وأجزاء من الضفة الفلسطينية، على أن تبدأ اعتبارا من السنة الثانية من تطبيقه مفاوضات الوضع النهائي حول المواضيع الأساسية والجوهرية منها القدس والحدود واللاجئين والسيادة والمستوطنات والمياه .. قضايا الوضع النهائي .....الخ بهدف التوصل لإتفاق سلام فلسطيني إسرائيلي نهائي، لكن اليمين الصهيوني الرافض لهذا الإتفاق مبدئيا والذي تمكن من السيطرة على الحكم بعد اغتيال رابين في عام 1995م قد إنقلب على هذا الإتفاق وسعى لإفراغه من كافة مضامينه السياسية والقانونية وتحويل المؤقت فيه والمرحلي إلى دائم وعدم الإلتزام بما يتوجب عليه فيه وبموجبه ... 

وأمام فشل مفاوضات كامب ديفيد الفلسطينية الإسرائيلية في صيف عام 2000م فقد انطلقت الإنتفاضة الفلسطينية مباشرة بعد الإستفزاز الذي قام به آرائيل شارون في 28/09/2000م بزيارة الاقصى الشريف، تعبيرا عن رفض الشعب الفلسطيني للرضوخ لإرادة المحتل وقد فرض اثناءها على الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الحصار العسكري وحتى السياسي إلى أن تم اغتياله سياسيا وجسديا في 11/11/2004م، وكان مؤتمر القمة العربي المنعقد في بيروت في مارس آذار من عام 2002م قد أقر مبادرة السلام العربية دعما للموقف الفلسطيني والعربي والتي اقترحها ولي العهد السعودي آن ذاك الأمير عبدالله بن عبدالعزيز والتي تتضمن وتشترط الإنسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران من عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية وحل مشكلة اللاجئين وفق القرار 194 لسنة 1948م، في مقابل ذلك أن تقوم الدول العربية بإقامة علاقات طبيعية مع (إسرائيل).. 

ورغم ما حظيت به المبادرة العربية من قبول فلسطيني وعربي ودولي إلا أنها قوبلت بالرفض من الجانب الإسرئيلي .. وسعت الديبلوماسية الإسرائيلية إلى قلب المباردة العربية للسلام رأسا على عقب وبمساندة الإدارة الأمريكية برئاسة  الرئيس دونالد ترامب ... تمكنت من فرض التطبيع على عدد من الدول العربية لعلاقاتها مع إسرائيل دون التزام الأخيرة بمتطلبات مبادرة السلام العربية ... ذلك ما يمثل انهيارا غير مسبوق في مواقف بعض الدول العربية من الصراع العربي الإسرائيلي عامة ومن القضية الفلسطينية خاصة ... 

ذلك ما أدى إلى تمادي سلطات الإحتلال في سياساتها التوسعية والإستطانية والعدوانية من قتل للفلسطينيين على الحواجز والطرقات واعتقالات تعسفية وضم ومصادرة المساحات الواسعة من الأراضي المحتلة واستمرار سياسة هدم المنازل وفرض الحصار وسياسات التجويع واحتجاز للأموال الفلسطينية بغرض كسر الإرادة الوطنية الفلسطينية واجبارها على التسليم بالإملاءات الصهيوأمريكية التي تضمنتها مبادرة ترامب (صفقة القرن) .. التي قوبلت بالرفض الفلسطيني المطلق ... 

أمام هذا الإستعصاء السياسي للتوصل إلى حل عادل وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية التي تتجاهلها حكومة المستعمرة الإسرائيلية ومعها الولايات المتحدة التي تخوض معركتها مباشرة وبنفسها لكسر الإرادة العربية والفلسطينية معا وتسويق رؤاها الصهيوأمريكية المنافية لقواعد القانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية بهدف تصفية القضية الفلسطينية واختزال عناصرها الجوهرية في الحرية والعودة والاستقلال ودمج الكيان الصهيوني في المحيط العربي ..  

أمام هذا الواقع الصعب وتطوراته  السلبية على م.ت.ف والشعب الفلسطيني أولا وعلى كافة الدول العربية الموقعة لإتفاقات السلام مصر والأردن ثانيا كما على دول التطبيع الذي فرضته عليها إدارة الرئيس ترامب مؤخرا دون ثمنا يذكر مراجعة مواقفها من الصراع ووقف هرولة التطبيع وتجميد علاقاتها مع المستعمرة الإسرائيلية حتى تلتزم بما يتوجب عليها وفق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية والعمل على حشد التأييد الدولي لمبادرة الرئيس الفلسطيني بالدعوة لعقد مؤتمر دولي للسلام يستند إلى أسس عملية السلام ومبدأ الأرض مقابل السلام وقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية  ومبادرة السلام العربية ..  

كما على الشعب الفلسطيني توحيد طاقاته ونظامه السياسي في إطار م.ت.ف والسلطة الوطنية وإنهاء حالة الإنقلاب في قطاع غزة والإستعداد لإحداث تغييرات على الأرض عبر تصعيد المواجهة مع إجراءات الإحتلال شعبيا ورسميا، وطنيا وعربيا ودوليا حتى يرضخ كيان الإحتلال لإستحقاقات التسوية والسلام المقبول وفقه. 

فهل تقدم الدول العربية على مراجعة مواقفها واعادة الإعتبار للموقف العربي من الصراع واعادة بناء الحاضنة العربية رسميا وشعبيا للقضية الفلسطينية..؟ 

وهل تتمكن القوى الفلسطينية من تحقيق وحدتها الوطنية وتوحيد مؤسساتها السلطوية والتمثيلية وإعادة بناء قواعدها الجماهيرية والشعبية من فصائل وأحزاب ونقابات ومنظمات شعبية كي تواصل نضالها وتواجه صلف الإحتلال وإجراءاته عبر انتفاضة شعبية جماهيرية واسعة وتصعيد لكافة أشكال النضال لإحدات تغييرات جوهرية على الأرض تدفع الإحتلال إلى التسليم بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني ... 

لقد باتت المراجعة الشاملة ضرورية وبات الوضع الفلسطيني والعربي لا يحتمل التأجيل والتسويف والتأخير في هذا الموضوع ..! 

لابد من سياسة فلسطينية وعربية موحدة إزاء سياسات ومواقف سلطات المستعمرة الإسرائيلية من مجمل عملية السلام المتوقفة. والتوقف عن تقديم المنح والعطايا المجانية له دون تنفيذ ما يتوجب عليه ...

اخر الأخبار