أموال الضرائب الفلسطينية " المقاصة" بين مطرقة إسرائيل وسندان التمييز الحكومي

تابعنا على:   19:14 2020-12-05

حسن عطا الرضيع

أمد/ منذ أكثر من 40 شهراً يُعاني موظفي الحكومة الفلسطينية العاملين في قطاع غزة والبالغ عددهم 77 ألف من أشد أزمة مالية حيث نسجت السلطة الفلسطينية لسياسات عقابية بحق موظفي قطاع غزة تمثلت بخصم 30 إلى 40% من المرتبات والتي لا تتناسب وظروف المعيشة وحالة الغلاء في الأسعار, وتم إتباع هذه السياسات بإجراءات أكثر ضراوة تمثلت بالتقاعد المالي الإجباري بحق مئات الموظفين في خرق واضح لكل القوانين وانتهاكاً صارخاً للحق غير القابل للسقوط بالتقادم والمتمثل بحق الموظف وأسرته بالحصول على راتب يفوق حد الفقر وبشكل يوفر مستوى معيشي لائق.
منذ بداية الأزمة أعلنت السلطة الفلسطينية أن السبب الرئيسي لقيامها بسياسة خصم الرواتب هي الضغط على حركة حماس لتسليم المؤسسات وإدارة المعابر وغيرها للحكومة الفلسطينية, رغم أن حماس تُسيطر على قطاع غزة منذ أحداث الاقتتال الداخلي في يونيو 2007 , لكن جاءت الإجراءات العقابية بعد عقد من الزمن ليضع العديد من علامات الاستفهام عن السبب الحقيقي لتجويع غزة خصوصاً مع بروز مشاريع للتسوية السياسية وإنهاء الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي على أساس السلام الاقتصادي , ثم بررت السلطة سياساتها العقابية بأن هناك خلل فني قد تسبب بحدوث خصم على مرتبات الموظفين ويعتبر هذا التبرير أقبح من السياسة العقابية نفسها لجهة أن الخلل الفني لا زال مستمراً منذ 40 شهراً ولأن مثل هذه التصريحات تقع في خانة التصريحات الخنفشارية, والتي تحاول بيع الأوهام للموظفين الفقراء وتزويدهم ببعض الآمال بأن الأزمة في طريقها للحل كالقول نحن في الربع ساعة الأخيرة, ثم استغلت السلطة الفلسطينية حالة قطاع غزة الذي سجل معدلات مرتفعة في آفات الفقر والبطالة ونقص الأمن الغذائي وتزايد الاعتماد على المنح والإعانات الخارجية ليس للتنمية وإنما للإنفاق على الغذاء والدواء وسد رمق الجوع .
استمرت السلطة الفلسطينية في إطلاق التبريرات ومنها أن سبب الأزمة يتمثل في قيام إسرائيل بحجز أموال الضرائب الفلسطينية والمعروفة بالمقاصة وهي ضرائب بنسبة 17% على مشتريات الفلسطينيين تقوم إسرائيل بتحصيلها مقابل رسوم بنسبة 3% ثم تقوم بتحويلها لخزينة السلطة, إلا أن سياسات السلطة العقابية تجاه غزة كانت سابقة لأزمة المقاصة مع إسرائيل.
ورغم ما حًل بالموظفين من ظروف صعبة بسبب سياسة خصم المرتبات إلا أن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتيه قد خيًر الفلسطينيين بين خيارين قائلا: بدكم وطن أكثر ولا فلوس أكثر في أكبر عملية لاستحمار العقول برعاية رئيس وزراء يحمل درجة الدراسات العليا في الاقتصاد والتنمية ويقود مشروعاً أسماه بالعناقيد .
لا يحق لرئيس الوزراء أن يُخير الناس بين خيارين لا يمكن أن ينفصلا عن بعض , الكل بأمس الحاجة لهم خصوصاً في الحالة الفلسطينية حيث لسنا بصدد البحث عن وطن بديل , الوطن والمال أساسان لا يمكن الاستغناء عن أيهما, فحركة التاريخ تقول لا قيمة لوطن أبنائه جوعى ولا قيمة للمال بدون وطن أو كيان مستقل وليس غربة كما نحياه أمراً واقعاً في فلسطين حيث الفقر في الوطن غربة والغنى في الغربة وطن والقول للإمام علي بن أبي طالب, كم أن الجيوش لا تزحف على بطون خاوية ولا تصح استشارة من ليس في بيته دقيق كونه مشتت البال والتفكير, الأصل أن يقدم رئيسي السلطة والوزراء للناس برنامج اقتصادي واجتماعي وسياسي عقلاني وخطاب رصين وليس خطاب جُله من الأمنيات والأوهام, لقد أخفق اشتيه وحكومته المنطوية تحت مسمى الفدائيين في الحفاظ على مقدرات الوطن وفي توفير إمكانيات العيش الكريم حيث التمييز العنصري على أساس الجغرافيا وفوضى الإنفاق الحكومي حيث سياسة الخيار والفقوس, عند اندلاع أزمة المقاصة خيًر الناس بدكم وطن أكثر ولا فلوس أكثر , فمن حق الناس الحصول على وطن يكفي الجميع وللجميع وفلوس تُعزز الصمود , الناس بدها كرامة , بدها اقتصاد منتج ومجتمع العدالة الاجتماعية فعلاً لا قولاً , بدها مجتمع متقدم وتكنولوجيا رائدة وصحة وتعليم ومصانع تعمل ليل نهار , الناس بدها العنب لأنها ليست متفرغة لقتال الناطور.
لقد عززت أزمة المقاصة من الاختلال البنيوي في الاقتصاد الفلسطيني , وأجهضت جهود التنمية في فلسطين وكانت امتداداً لخطايا اتفاق باريس الملحق الاقتصادي لاتفاقية أوسلو والتي شكلت البذرة الأولى لصعود الاقتصاد الفلسطيني نحو الأسفل.
لقد استطاعت إسرائيل كالعادة في تخصيص مكاسبها على حساب تعميم الخسائر الفلسطينية, حيث أنه وبعد 27 سنة من توقيع اتفاقية أوسلو فإن إمكانية استفادة الفلسطينيين من مواردهم ومنع تغول سلطات الاحتلال الإسرائيلي على أموال المقاصة أو على استغلال الثروات يُعد أمراً صعباً وربما مستحيلاً , فالبنود الاقتصادية وما يتعلق بالضرائب وتحصيلها جعلت السلطة الفلسطينية أسيرة لإملاءات الإسرائيليين سواء وزارات الدفاع أو التجارة أو هيئات المواصفات والجودة والمقاييس .
ورغم أن إنشاء السلطة الفلسطينية كمولود جديد في العام 1993 إلا أنه وبعد 27 سنة من هذا الميلاد لا زالت السلطة بحالتها الأولى كطفل رضيع لا تستطيع الفطام عن الثدي الإسرائيلي من جهة, والمولود قد كبر ومصروفاته قد تزايدت ورغم ذلك لا زال يعتمد على الخارج , فملابس الطفل الرضيع لا تتناسب ولا تُلبي احتياجاته عندما يبلغ من العمر 27 سنة.