نص قصصي

إذاعة زمان

تابعنا على:   22:37 2020-12-05

محمد جبر الريفي

أمد/ اذكر أنه في يوم كان في بيتنا راديو كبير كان موضوعا بعناية فوق الطاولة في غرفة الضيوف وكان محل اهتمام وعناية امي رحمها الله التي وضعت فوقه قطعة من القماش الأبيض كانت قد طرزت جوانبها بخطوط حمراء و زرقاء عند جارتنا الخياطة ام محمود وذلك حفظا له َمن الغبار الذي كان يتسرب اليه على شكل خط طويل مشع من النافذة المطلة على قاع الدار الترابي المليء باصص النعناع والريحان والورد وكان هذا الغبار يزعج امي لأنه يقع على وجه الراديو مباشرة وهو التي فرحت بوجوده في البيت لأنه يعطيها مكانة اجتماعية كبيرة عند أقاربها وجاراتها من نسوة الشارع حيث لم يكن الراديو الكبير تملكه في ذلك الزمن كل أسرة لذلك قد أصبحت تراه كأحد متاعها الخاص مما جعلها تغلق الغرفة بعد مسح الغبار الذي علق به وتعلق مفتاحها في صدرها.. بدخول الراديو إلى بيتنا في تلك الأيام ازدادت مكانة البيت نفسه في الشارع فأصبح جارنا ابو عوض وكان يرتدي جلبابا ابيض لكنه لم يخف كرشه وقد كان رجلا طويلا وعريضا ووجهه يميل إلى السمرة وله شارب اسود كث كشارب ابي يأتي بمفرده بعد العصر كلما سمع صوت الراديو الكبير في الغرفة لأنه يعرف ان ابي موجودا بها وفي بعض المرات يرافقه جارنا الآخر من جهة اليمين ابو جابر وقد كان أيضا مكتنزا ومتوسط الطول لذلك كان يتكأ في سيره على عكاز غليظ من الخيزران .. كان أبي مولعا بسماع نشرة الأخبار فما أن يأتي من عمله كحارس ليلي حتى كان أول ما يفكر به بعد تناول فطوره هو سماع نشرة الأخبار من إذاعة لندن المعروفة بدقات ساعة بق بن المميزة التي تشبه دقات ساعة جامعة القاهرة اما في الظهيرة فقد كان حريصا على أن يدير مؤشر الراديو على إذاعة صوت العرب وسماع تعليق أحمد سعيد .. ... لم يكن ابي يغيب كثيرا عن غرفة. الضيوف وعن سماع صوت الراديو الكبير الذي اشتراه ذات يوم قبل حلول شهر رمضان المبارك وكنا جميعا نتجمع حوله لسماع اغاني رمضان الجميلة والموشحات وتسابيح الطشقبندي التي كانت تبث من إذاعة القاهرة قبل موعد إطلاق مدفع الإفطار وفي ذكرى ثورة ٢٣ يوليو المجيدة في مصر كانت أمي ترتب غرفة الضيوف المليئة بالمراتب الوثيرة والمساند الكبيرة .وقبل ذلك اليوم كان أبي يشتري بطارية "باريك " جديدة لسماع خطاب الرئيس جمال عبد الناصر جيدا حيث تزدحم الغرفة بالاقارب والجيران غير اني كنت أفضل رؤية الاحتفال مباشرة من التلفزيون لمشاهدة العرض العسكري الكبير الذي يمر من أمام المنصة الرئيسية التي يظهر فيها بجانب الرئيس وزير الحربية آنذاك المشير عبد الحكيم عامر ولم يكن ذلك متاحا الا بالذهاب إلى مقهي في المدينة لذلك كنت أغادر غرفة الضيوف واذهب إلى شارع فهمي بك القريب ومنه إلى ساحة التاكسيات التي تعرف الان بميدان فلسطين وفي مقهى الترك المزدحم بالناس للفرجة كنت بصعوبة أجد مقعدا فاقف في الخلف كباقي الفتية الصغار وما أن نرى في التلفزيون صواريخ الظافر والقاهر تمر في العرض العسكري حتى يرتفع صوت التصفيق والصفير مدويا في المقهى .. في البيت كان الراديو الكبير هو الكائن الجميل الذي نلتف حوله كل ليلة خاصة في فصل الشتاء حيث كانون النار وفوقه ابزيق الشاي الذي يشيع الدفء في الغرفة وكانت يد امي الطويلة اول الأيادي الممدودة نحوه لكثرة ما تخرج من الغرفة وتعود إليها وفي اذاعة القاهرة كانت تبث فقرات إذاعية مشوقة كقطرات الندى وأخرى بعنوان لغتنا الجميلة التي كان يقدمها الشاعر فاروق شوشة وكذلك فقرة إذاعية أخرى صغيرة بعنوان كلمتين وبس بصوت المرحوم الممثل القدير فؤاد المهندس .. أما اذاعة عمان فقد كانت مفضلة عند أبي يحول مؤشر الراديو إليها لعله يسمع اغاني سميرة توفيق الجميلة خاصة اغنية صب القهوة على ضهور الخيل اما انا فقد كنت احب اسمع من سميرة اغنية اشقر وشعره دهب في حين كانت أمي تحب سماع اغنية بين الدوالي والكرم العالي لتشعر بالبهجة وقد كانت اغنية يمه القمر عالباب للمطربة الكبيرة فايزة أحمد شهرتها الواسعة بين البنات فما أن تسمعها اختي انتصار حتى تنادي على بنت الجيران كوثر من خلف الحائط فما أن تسمع كوثر الصوت حتى تأتي مسرعة إلى غرفة الضيوف لسماع الأغنية .. في ليلة السفر إلى القاهرة للدراسة الجامعية اكتظت غرفة الضيوف بالمودعين وكنت مرتبكا وقلقا وحزينا لاني ساتركها اما الراديو الكبير على الطاولة فقد كان صامتا وكأنه يكتفي بالنظر إلى مودعا هو الآخر لكني في القاهرة لم أنس صحبته الجميلة في غزة ولا صوته العذب في غرفة الضيوف فقد اشتريت من توفير مصروفي الشخصي الذي كان يرسله لي اخي الكبير من السعودية كل اول شهر راديو صغيرا "ترانزسوستر "و هكذا كان الراديو دوما صديقي القريب حملته في الحقيبة في سفري و ترحالي وفي اقامتي أينما كانت في الشقق أو الفنادق كان يرافقني واذكر اني فقدته أثناء اقامتي في فندق الأرز في بيروت عام 70 من القرن الماضي حيث يبدو أن أحد العمال الذين كانوا يبيتون في الفندق ليلة واحدة قد وضعه في حقيبته الصغيرة. أو في جيبه ومضى يومها صاحب الفندق أبو عبدو حين أخبرته بذلك غضب غضبا؛شديدا وبعدها لم يعد يستقبل العمال للبيات لليلة واحدة في الفندق... تمر الأيام والأعوام وينتشر التلفزيون في كل بيت وكذلك الجوال يصبح في متناول كل فرد والكمبيوتر لا أحد يستغني عنه فهو أهم وسائل التواصل الاجتماعي لكن الراديو مع ذلك بقى محافظا على دوره الإعلامي بين الناس فهو لا يكاد يخلو منه بيت وهو الآن لا يفارقني خاصة في هذه الأيام الذي يتفشي فيها فايروس الكارونا على المستوى العالمي حيث هو دائما بجانبي قرب السرير الذي أقضي فوقه معظم أوقاتي بسبب وجع ساقاي و ألم المفاصل و الأخذ وهو الأهم بتطبيق إجراء وتعليمات السلامة : خليك في البيت.

كلمات دلالية