55 سنة فلسطينية: خسرنا الجغرافيا ولم نربح التاريخ

تابعنا على:   09:42 2021-01-03

رفيق خوري

أمد/ الرمز باقٍ عبر إضاءة الشعلة في بداية كل عام. لكن الكفاح المسلح لتحرير فلسطين الذي جرى إعلانه رسمياً في مطلع عام 1965 صار تاريخاً من دون أن يصنع التاريخ.

بعد عامين، خسر العرب الجغرافيا في حرب 1967، التي احتلت خلالها إسرائيل في ستة أيام سيناء والضفة الغربية ومرتفعات الجولان. كان ياسر عرفات يضيء الشعلة قبل أوسلو وبعده. أما بعد رحيله، فإنها تضاء من أمام ضريحه في رام الله. ولا بديل لدى السلطة الفلسطينية من خيار التسوية بالتفاوض مع إسرائيل، بصرف النظر عما فعلته الأخيرة بالمفاوضات من تشدد ومماطلة أو من مرونة غير كافية ومقرونة بشروط يصعب قبولها.

وليس تمسك حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في غزة بخيار المقاومة حتى تحرير فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، سوى استعدادات دفاعية في القطاع ضد أي اعتداء إسرائيلي، ومناورات مثل المناورة الأخيرة توضع في إطار "الرسائل" الإيرانية إلى إسرائيل وأميركا. إذ لا مجال للخروج من غزة وتحرير الأرض، ولا فرصة لتكرار الحلم الذي بدأته حركة "فتح" ثم بقية المنظمات حول ممارسة النموذج الصيني لحرب التحرير الشعبية، التي أخذت "المسيرة الكبرى" بقيادة ماو تسي تونغ إلى بكين وانتصار الثورة عام 1949. فحين ذهب وفد من "فتح" في ستينيات القرن الماضي إلى الصين لتعلم دروس تجربتها، أهدى ماو أعضاء الوفد بعض كتبه مع نصيحة بسيطة: "قف بلا خوف، صوّب جيّداً، وأطلق النار".

وعندما فشل الرئيس الأميركي باراك أوباما في الضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول "حل الدولتين" وجاء الرئيس دونالد ترمب ليعطي الأخير الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل وبضم الجولان، ويضغط على السلطة الفلسطينية أمنياً ومالياً وسياسياً لقبول "صفقة القرن" توقفت المفاوضات بشكل دائم.

ذلك أن الورقة الوحيدة التي بقيت للسلطة في رام الله بعد رفض الرعاية الأميركية للمفاوضات هي المطالبة بمؤتمر دولي وإعادة تنشيط الرباعية الدولية. لكن المؤتمر الدولي، كما رأينا في مؤتمر مدريد للسلام برعاية واشنطن وموسكو بعد حرب "عاصفة الصحراء"، هو إطار احتفالي عبر جلسة أو أكثر، ثم بدء مفاوضات ثنائية صارت برعاية أميركية فقط. والدنيا تغيرت في المنطقة، كما تبدلت مواقف الرباعية الدولية. فلا روسيا اليوم الصديقة لإسرائيل والعرب معاً هي الاتحاد السوفياتي الذي كان درع الحماية للعرب.

ولا أميركا اليوم هي أميركا بوش الأب ووزير خارجيته جيمس بيكر، الذي واجه عناد رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق شامير باعطائه رقم هاتف البيت الأبيض للاتصال والتسليم بالذهاب إلى مؤتمر مدريد. ولا حال الفلسطينيين اليوم وسط الانفصال والانقسام بين "فتح" في الضفة و"حماس" في غزة هي حالهم في السنوات الأولى بعد أوسلو. ولا أحلام قيام الدولة أيام أوسلو صارت سوى كابوس احتلال إسرائيلي ولا دولة. فضلاً عن أن بكين التي لها علاقات قوية مع إسرائيل ليست صين ماو.

والواقع أن عودة الوحدة الوطنية عبر المصالحة بين "فتح" و"حماس" وتسليم الأخيرة بالسلطة والتنازل عن حكومتها مهمة مستحيلة. ومن دون إنهاء الانقسام، فإن المفاوض الفلسطيني لا يستطيع أن يعطي ولا أن يأخذ. ثم أن المبادرة العربية للسلام التي خرجت بالإجماع من قمة بيروت عام 2002 فقدت أساس المعادلة فيها: الانسحاب الإسرائيلي من كل الأرض المحتلة مقابل السلام والاعتراف بإسرائيل وفتح 22 عاصمة عربية أمام العلاقات الكاملة معها.

فما فعله ترامب عبر الضغوط والإغراءات معاً، وسط الاندفاع الإيراني لزعزعة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط، أدى إلى "اتفاقات إبراهيم" بين إسرائيل وكل من البحرين والإمارات والسودان والمغرب من دون التسوية والانسحاب الإسرائيلي. والسؤال هو: هل تقود هذه المقاربة إلى خسارة السلطة الفلسطينية ورقة قوة في المفاوضات، كما جاء في القراءة الأولى، أم إلى قدرة عربية أكثر على التأثير في قرار إسرائيل عبر التلويح بخسارة ما حصلت عليه أخيراً، كما في القراءة الثانية؟

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف دعا إلى "تنشيط الرباعية الدولية والتعاون مع الرباعية العربية المؤلفة من مصر والسعودية والأردن والإمارات العربية". ثم قال "مسار التطبيع له عناصر إيجابية، لأنه يزيل التناقضات القديمة ويفتح قنوات اتصال حضارية مستندة إلى الأساليب القانونية".

والمسار الذي صار في الـ55 لا يزال طويلاً، على أمل رؤية ضوء في نهاية النفق. والمفارقة أنه كلما تعمق "الاعتدال" العربي، توسع المد الإسرائيلي اليميني المتشدد والمتعصب والتمسك بالاحتلال.

عن اندبندنت عربية