"حماس" بين انتخاباتها الداخلية السرية والتشريعية المقبلة

تابعنا على:   06:57 2021-02-20

طارق فهمي

أمد/ ستبدأ خلال الساعات المقبلة انتخابات في حركة "حماس" لتحديد مساراتها داخلياً وإقليمياً، وذلك قبل الذهاب إلى الانتخابات التشريعية المقررة وفقاً للمراسيم الرئاسية التي أعلنها الرئيس محمود عباس في مايو (أيار) المقبل، بالتالي فإن الضغوط الراهنة والمتوقعة دفعت الحركة إلى المضي قدماً في إجراء الانتخابات التي ستكون حاسمة.

تباينات الرؤى

تنطلق الانتخابات الداخلية في حركة "حماس" من فرضية رئيسة تتعلق بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قرارات حاسمة وإرادة سياسية وقيادات قادرة على التماهي مع المشهد السياسي بأكمله، وليس التعامل مع فرعيات في الإطار العام أو السابق ومثلما كان يحصل تحت ظروف محددة، يجب الآن التعامل مع تطوراتها. بالتالي، فإن الانتخابات ستجري في سياق سياسي وفصائلي حقيقي وقد يتطلب التعامل معها قرارات سلطوية عليا وليس في إطار ما يتردد إعلامياً بأن الحركة متماسكة وعلى قلب رجل واحد.

التباينات في الرؤى لا تزال قائمة على الرغم من التأكيد أن الحركة قوية وثابتة وستخوض معركة مشرّفة في الانتخابات المقبلة وألا تأزّم حقيقياً تواجهه في مستويات القيادة العليا أو القيادات الوسيطة. فوفد "حماس" ظل خلال مرحلة حوارات القاهرة بل وقبلها في دائرة رد الفعل وسط تبنّي خطاب تهادني مع حركة "فتح" في إطار استراتيجية الكمون وعدم التصعيد، بخاصة أن التعليمات داخل الحركة من القيادات العليا كانت عدم الاصطدام وتمرير ما يمكن أن يطرح على اعتبار أن الانتخابات ستجري في كل الأحوال وأنه لن يكون هناك أي تراجعات، ومن ثم فإن طرح أي رأي مخالف، سيكون له رد فعل غير جيّد داخلياً، ليس في داخل قطاع غزة فحسب، بل في رام الله أيضاً.

إن ما يجري وسيجري داخل حركة "حماس" من استعدادات لتنفيذ مرحلة الانتخابات الداخلية مرتبط بأمور فنية عدة، مثل انتخاب هيئات إدارية للمناطق ثم الهيئات الأكبر، ومن خلالها ينتخب أعضاء مجلس الشورى، وهو النطاق الأوسط للحركة ويمثّل ركناً ركيناً لمؤسساتها. ومن هؤلاء يُختار أعضاء المكتب السياسي ثم مجلس الشورى الأعلى. وكل من يتم انتخابه لا يترشح في نطاقه الأعلى، بل يكون ضمن النطاق الانتخابي التقليدي، على أن تجري عملية الانتخاب وفق المكون القيادي الذي يتولّونه والذي يتم اعتماده لدى جهاز الدعوة الخاص بالحركة ومؤسساتها.

وفي هذا النطاق، تحاول "حماس" أن تفرض تعتيماً سياسياً وإعلامياً على مستوى الأمور الفنية والإدارية لاعتبارات متعددة ولا يمكن الإعلان عن تفاصيلها بالكامل.

الأطر الزمنية

وفق الإطار الزمني المحدد، فإن الانتخابات الداخلية في قطاع غزة لا تتجاوز مدة إجرائها أكثر من 30 يوماً، وقد تزيد لاعتبارات إدارية ليس أكثر. وربما سيكون ضغط الوقت الخاص بالانتخابات التشريعية هو ما سيدفع الحركة إلى تسريع العملية، بخاصة أن لا وجود لأي إشكاليات حقيقية في مواجهة ما يجري، سواء على مستوى الأمن أو المتابعة، مقارنة بالضفة الغربية حيث تبرز إشكاليات أمنية وسياسية عدة.

بالتالي، فإن مدة الانتخابات الخاصة بـ"حماس" في الضفة الغربية قد تطول إلى أشهر عدة وإن كانت هناك توقعات بأنها ستنتهي خلال بضعة أسابيع نتيجة للعلاقات الجيدة الحالية بين حركتي "فتح" و"حماس" واستمرار الضغوط على الجميع، إضافة إلى حرص الأولى على استثمار ما يجري لحسابات تتعلق بالاستمرار في مشهد إجراء الانتخابات التشريعية باعتبارها الأولوية الأولى والأهم، على أن يلي ذلك إجراء الانتخابات الرئاسية.

والواقع أن معركة انتخابات المجلس الوطني ستكون أيضاً مهمة للغاية لحركة "حماس" وستعمل على تصدّرها، بخاصة أنه سيكون هناك لقاء في مارس (آذار) المقبل في القاهرة لحسم كثير من النقاط مع اللجنة المركزية للانتخابات.

تياران رئيسان

تجري خلال كتابة هذه السطور الانتخابات في القطاع وفي الأقاليم من دون أن تعلن التفاصيل لاعتبارات أمنية في الأساس، بخاصة أن قيادات الحركة تتخوف من ردود الفعل والتدخلات الخارجية ومراقبة الجانب الإسرائيلي لما يجري. كما أن أولويات "حماس" هي الانتقال من الانتخابات الداخلية وتنظيم الصف إلى اختيار الأسماء والعناصر التي ستدخل الانتخابات التشريعية، وهناك صراع لم يحسم بعد بين تيارين.

الأول: الغالبية التي ترى أن إجراء الانتخابات الداخلية قد يكون مدخلاً للانتخابات التشريعية من حيث الأهمية واختيار الأسماء والقيادات وغيرها من التفاصيل، لإدراك القيادات في المكتب السياسي بأنه في كل الأحوال الانتخابات الرئاسية ستنظّم وأنه لا تراجع عما أقدمت عليه "فتح" والرئيس عباس، بما في ذلك إعادة التأكيد على كل السيناريوهات المحتملة، ومن ضمنها المشاركة في قائمة مشتركة أو موحدة.

ستحسم انتخابات "حماس" الداخلية مواقف كثيرة متعلقة بما هو مقبل والتحسب لكل مستجداته السياسية ولوضع الحركة في القطاع بأجهزتها الإدارية والأمنية وغيرها، إذ لا يمكن الشروع في خطوة التوافق وترك عشرات الملفات مفتوحة من دون حسم حقيقي. وهو ما سيظهره موقف "كتائب عز الدين القسام" من المشهد السياسي بأكمله وخيارات التيار العسكري، المتضرر الأكبر مما سيجري، بخاصة مع الحديث عن وضع الأجهزة وإدارتها وتبعيتها وما ستكون عليه.

ولا يمكن إغفال مساحات التجاذب الكبيرة والمسكوت عنها بين المكتب السياسي والكوادر السياسية في الداخل والخارج وبين الجناح العسكري وكوادره على الرغم من النفي المتكرر بأن ما يكتب مجرد تكهنات ليس أكثر.

الثاني: التيار الذي يرى أن إجراء الانتخابات التشريعية والقبول بالمشهد الراهن من قبل "فتح" وسائر الفصائل سيحتاج إلى استراتيجية عمل حقيقية، لا تتوقف عند خطوة الانتخابات الداخلية في ظل الصراع القائم داخل مؤسسات الحركة وفي مكاتبها والأقاليم، بل داخل المكتب السياسي وعناصره أيضاً، حيث ما زالت تعمل بعض الشخصيات القيادية من أمثال خالد مشعل على العودة إلى مواقعها. كما أن "حماس" الداخل تتحيّن الفرصة للعمل على أرضية جديدة مختلفة وهو ما يتطلب الاستمرار في استراتيجية تدريجية والعمل خارج النطاق التقليدي بدليل إجراء الانتخابات الداخلية للحركة في رام الله من دون إعلانها عن ذلك لاعتبارات أمنية من جهة، والتخوف من ردود الفعل من جهة أخرى.

والحقيقية أن هذا التيار له طرحه الخاص بضرورة الانتقال من الانتخابات الداخلية إلى التشريعية بهدف تجهيز المشهد لمواجهات مقبلة تتعلق بالمشاركة في كل الاستحقاقات السياسية، بما في ذلك طرح اسم مرشح بديل للرئيس عباس، على الرغم من تأكيد مصادر كبيرة في "حماس" أنه لا توجد تحفظات على إعادة ترشيحه رئيساً للسلطة الفلسطينية. ومن ثم، فإن الحركة ستعمل على طرح كل السياسات والأسماء من خلال استراتيجية بناء كاملة، لما هو آتٍ من استحقاقات.

بورصة الأسماء

تدور بورصة الأسماء ما بين خالد مشعل وإسماعيل هنية وكلاهما شغل موقع رئيس المكتب السياسي للحركة.

وتعتبر فرص هنية الأكبر والأبرز، بخاصة أنه لم يتولَّ موقعه إلا لمرة واحدة ويحق له الترشح. والواقع أن انتخابات "حماس" في الأقاليم والخارج لن يكون لها التأثير والنفوذ المكرر والمعتاد، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار مع التأكيد أن هذا التيار يمثّله خالد مشعل وصالح العاروري، ولهما ظهير في الداخل، ممثلاً بمحمود الزهار تحديداً وآخرين في المكتب السياسي في القطاع، حيث يركزون على ضرورة العمل على إعادة إحياء دور المكتب السياسي، تحديداً المكاتب الخارجية في الدول الصديقة والمؤيدة للحركة، مع أهمية إجراء الانتخابات لمنح القرار السياسي داخل "حماس" المصداقية، ليس فقط في الداخل وإنما على المستوى الخارجي وهو الأهم، بخاصة أنها باتت تعاني من حالة التعثر في ظل ما يجري من تحركات لبعض الفصائل الصغيرة والمعترضة (غالبيتها تنتمي للتيار السلفي الجهادي) على عددٍ من سياساتها في الداخل، إضافة إلى العلاقات غير المستقرة مع حركة "الجهاد الإسلامي"، التي تحتاج إلى آليات جديدة في التعامل مع التركيز على تصعيد دور الحركة في الخارج، والعمل على فتح علاقات جديدة معها، بخاصة في عدد من الدول الإسلامية، تحديداً في آسيا مع التحسب لاحتمالات أن تشهد الحركة تراجعاً في بعض مناطق نفوذها، وهو ما سيتطلب مراجعة موقفها الراهن.

البعد الخارجي

تكشف خطوة إجراء الانتخابات داخل "حماس" على مستوى الداخل وفي الأقاليم عن وجود دور خارجي سيكون مؤثراً وفاعلاً، إذ ستعمل بعض الدول الإقليمية على دفع عدد من مرشحيها إلى مواجهة التحرك المصري في هذا الملف، بخاصة أن القاهرة باتت تؤيد وبقوة إسماعيل هنية والتيار الذي يمثّله داخل الحركة، على اعتبار أنه يسيطر على صنع القرار في الوقت الراهن ويدير القطاع بالفعل (بالرغم من تحفظ بعض القيادات في الداخل على بعض هذه السياسات).

وكانت القاهرة قد سمحت لهنية بمغادرة القطاع للقيام بجولة خارجية للترويج لنفوذه وحضوره في المشهد الداخلي، وإحداث توازن حقيقي مع التيار الخارجي، تحديداً كل من خالد مشعل وموسى أبو مرزوق.

وتجدر الإشارة إلى أن الجانب الإيراني قد يسعى إلى دعم العاروري، على اعتبار أنه يحظى بدعم طهران وتركيا، بخاصة أنه أقام في أنقرة لسنوات.