انعكاسات مصالح الأمن القومي العربي لدول الجوار على القضية الفلسطينية

تابعنا على:   23:25 2021-03-16

د. جهاد ملكة

أمد/ تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء والكشف عن انعكاسات مصالح الأمن القومي العربي لدول الجوار على القضية الفلسطينية والكشف عن أهم مرتكزات الأمن القومي العربي والفلسطيني والتهديدات التي يوجهها الأمن العربي والفلسطيني منذ سايكس-بيكو وحتى الآن حيث تقاطعت هذه المصالح مع المصالح الإسرائيلية مما أثر سلبا وأحدث فراغا في تقاطعات الأمن القومي الفلسطيني مع الأمن القومي العربي بحيث أُغلقت جبهات طويلة أمام المقاومة الفلسطينية ما أدى إلى حدوث انتكاسات في مسار القضية الفلسطينية منذ نكبتها الأولى.

وتناقش هذه الدراسة جذور وإرهاصات الأزمة في النظام العربي منذ سايكس-بيكو حتى يومنا هذا، فقد عانى الأمن القومي العربي من أزمات خطيرة وسلبيات في بناءه منذ سايكس-بيكو وما بعده من مفاصل رئيسية كحرب عام 1948 وحرب عام 1967 وحرب الخليج الأولى واجتياح العراق للكويت والحرب الأهلية اللبنانية والاجتياح الإسرائيلي للبنان والحروب الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذه الإحداث كشفت سلبيات خطيرة وفجوات عميقة في نظام الأمن القومي العربي وكانت لها انعكاسات خطيرة على القضية الفلسطينية. وانتهت الدراسة إلى مجموعة من النتائج والتوصيات.

وستستخدم الدراسة المناهج المناسبة للوصول لغايتها ومنها المنهج التاريخي في تتبع المفاصل المهمة في هذه الدراسة والمنهج الوصفي التحليلي وستعتمد على المصادر والوثائق التاريخية المعاصرة، هذا إضافة الى الدراسات التي تناولت الموضوع.

الفصل الأول

خطة الدراسة

مقدمة:

تسعى كافة الدول لحجب التهديدات لأمنها القومي، ولان مقومات النظام السياسي والأسس الفكرية التي يرتكز عليها هي التي تشكل المرجعيات وتصاغ على أسسها الاستراتيجيات الأمنية المتعددة، فإن ما قد يكون مصلحه أمنية لطرف قد يكون خطر امني للطرف الأخر، وما قد يشكل خطر لطرفين قد يكون مصلحه أمنية لطرف ثالث ، ويمكن ان تتحول وتتغير الاعتبارات الأمنية تبعا للظروف والمعطيات التي يمكن أن تكون مصنوعة ومعدة مسبقا ومفروضة فرض أحيانا، أو تلك التي تأتي بشكل تلقائي نتيجة الحراك السياسي فمصلحة الأنظمة العربية هي المنبع الذي يستقي منه مستشاري الأمن القومي توجهاتهم، ومن وتغير موازين القوى.

إن الأمن القومي العربي مازال مفهوماً مُتحرّكاً من حيث الاتفاق مع تعريفه وتحديده ورسم معالمه. وما زالت صلته بالأمن القطري ضبابية غائمة. وكان قرار إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية هو القرار الذي اتخذ بالإجماع من خلال هيئة عربية جامعة وهي جامعة الدول العربية التي تشكل عدد منها جوار لفلسطين وذلك لتحقيق مصالح الأمن القومي للأنظمة الحاكمة في ظل ظروف الحرب الباردة وانقسامها لمعسكرين وفق التسمية الدولية. حيث تعرض الوطن العربي وما زال لأخطر عملية ممنهجة لتمزيق وتخريب أمنه القومي، من خلال المشروع الصهيوني، الذي اختار فلسطين ونسج الأساطير حول علاقة اليهود بها، ليزرع إسرائيل فيها ككيان احتلالي يضمن استمرار تمزيق العالم العربي؛ بِنِية مصادرة ثرواته. وعمل هذا الكيان الاحتلالي بأساليب عدة على ضمان تدمير أي فكرة لإنشاء تعريف واضح للأمن القومي العربي الموحد، برغم وضوح احتياجنا له لمواجهة الأخطار المستمرة، وكان ذلك من خلال تغييب الرغبة في العمل الجماعي المشترك وغَمس الشعوب وقياداتها السياسية في الاهتمام بالمتطلبات الحياتية الضيقة، كما عمل كيان الاحتلال على تقليص قدرة الكيانات السياسية العربية على العمل الجماعي في إطار الأمن القومي كمفهوم مشترك، مما أدى إلى تراجع الاهتمام بقضية فلسطين، القضية المركزية للعرب والمسلمين كافة، وانكفائهم تجاه أمنهم الوطني على حساب الأمن القومي، مما أدخل المنطقة في صراعات وتحديات كثيرة، وحرف بوصلة الشعوب تجاه قضايا جزئية.

مشكلة الدراسة:

  من خلال المقدمة السابقة تبين لنا بان مصالح الأمن القومي لدول الجوار تنقسم إلى قسمين الأول دول تمتلك تقاطعات مع الأمن القومي الفلسطيني وفق نظرية الأمن القومي العربي، وهي الدول العربية، وأما الثاني فهي الفراغ الذي تتركه التقاطعات العربية كون فلسطين محتلة من طرف إسرائيل وعليه تملئ هذا الفراغ دولة الاحتلال، ومن هنا مشكلة الدراسة الرئيسية تكمن في المرتكزات التي تقوم عليها كلاً من النظريتين الأمنيتين‏ العربية والفلسطينية، ويتمثل ذلك في التساؤل الرئيسي؟

ما هي انعكاسات مصالح الأمن القومي لدول الجوار على القضية الفلسطينية؟

وتفترض الدراسة بأنه كان لمصالح الأمن القومي العربي انعكاسات سلبية على القضية الفلسطينية ككل وعلى الأمن القومي الفلسطيني بشكل خاص مما أدى إلى إضعاف الأمن القومي الفلسطيني ونشوء انقسامات كثيرة على مدى تاريخ القضية الفلسطينية. وإذا كنا نؤمن بأن خلق إسرائيل كان من أجل أداء وظيفي فانه أيضا كان إنشاء الأنظمة العربية وظيفي (سايكس بيكو) وحتى يومنا.

وينبثق عن التساؤل الرئيس الأسئلة الفرعية التالية:

      ما مفهوم نظرية الأمن القومي العربية؟

ما المرتكزات التي تقوم عليها نظرية الأمن القومي العربية؟

ما تهديدات الأمن القومي العربي؟

ما مرتكزات ومهددات الأمن القومي الفلسطيني؟

ما انعكاسات حربي 1948 و1967 على القضية الفلسطينية؟

فرضيات الدراسة:

 

كان لتضارب المصالح السياسية والأمنية للأنظمة العربية أثر سلبي على القضية الفلسطينية.

أهداف الدراسة:

الكشف عن مرتكزات الأمن القومي العربي.

دراسة وتحليل طبيعة التحديات والتهديدات على الأمن القومي الفلسطيني.

تسليط الضوء على الآليات الفلسطينية لمواجهة التحديات والتهديدات والحد من تأثيرها في ظل الإمكانيات الفلسطينية المتاحة.

رسم صورة كلية للتحديات التي يواجهها الأمن القومي العربي.

الوقوف عند الأطراف التي تساهم في إفشال الأمن القومي العربي.

أهمية البحث:

تستمد هذه الدراسة أهميتها من أهمية التعرف على المرتكزات التي تقوم عليها كلاً من النظريتين الأمنيتين العربية والفلسطينية ‏وتحقيقها لأهدافها بشكل متميز والتعرف على انعكاسات تلك المصالح على الأمن القومي الفلسطيني والقضية الفلسطينية برمتها، ويمكن لهذه الدراسة أن تقدم إضافة متواضعة في تشخيص التحديات التي تواجهها الأمة العربية في إقامة منظومة للأمن القومي العربي، ووضع النتائج والتوصيات اللازمة للحل.

منهـج البحـث:

إن استخدام المنهج التاريخي ومنهج الوصف التحليلي في مثل هذا البحث سيؤدى إلى فهم أفضل ومعمق للتعريف بمشكلة البحث وتحليلها وتفسير النتائج. لذلك سوف يستخدم الباحثان في هذه الدراسة المنهج الوصفي التحليلي بصفته من أنسب المناهج في الدراسات الإنسانية، كما أنه سوف يستخدمان المنهج التاريخي للاستشهاد بعدد من الأحداث التاريخية التي هددت الأمن القومي العربي وأثرت على القضية الفلسطينية.

حدود البحث:

أ‌.       الحد المكاني: الوطن العربي.

ب‌.  الحد الموضوعي: دراسة التحديات الراهنة للأمة العربية وانعكاس مصالح الامن القومي لدول الجوار على القضية الفلسطينية.

ج. الحد الزماني: منذ سايكس-بيكو حتى الآن.

تقسيم الدراسة

 

الفصل الأول: خطة الدراسة

الفصل الثاني: الأمن القومي العربي

المطلب الأول: تعريف الأمن القومي العربي

المطلب الثاني مرتكزات الأمن القومي العربي.

المطلب الثالث: التهديدات التي يواجهها الأمن القومي العربي.

 الفصل الثالث: الأمن القومي الفلسطيني

المطلب الأول: الأمن القومي الفلسطيني ومرتكزاته ومهدداته.

المطلب الثاني: حرب 48 وانعكاساتها على القضية الفلسطينية.

المطلب الثالث: حرب 67 وانعكاساتها على القضية الفلسطينية.

الفصل الرابع: انعكاسات مصالح الأمن القومي لدول الجوار.

المطلب الأول: تداعيات المشروع الإيراني على الأمن القومي العربي.

المطلب الثاني: العلاقة التركية-الفلسطينية وأثرها على القضية الفلسطينية.

المطلب الثالث: نشأة جامعة الدول العربية وأثرها على القضية الفلسطينية

الخاتمة والنتائج والتوصيات.

الفصل الثاني

الأمن القومي العربي

المطلب الأول: تعريف الأمن القومي العربي.

تعريف الأمن القومي:

اتفق العديد من الأساتذة والباحثين المختصين في العلوم السياسية على غموض مفهوم الأمن القومي ويرجعون ذلك إلى عدم بلورة المفهوم ليصبح حقلا علميا تطبق عليه نظريات قواعد المعرفة من وضع فرضيات ومنهاج بحث ملائم واختيار أساليب التحقق العلمي ومرتكزات الإثبات والنفي وتعذر الوصول إلى نظريات عامة.[1]

كما يعرف الدكتور كمال الأسطل الأمن القومي العربي بأنه: " القدرة التي تتمكن بها الدولة في تأمين انطلاق مصادر قوتها الداخلية والخارجية والاقتصادية والعسكرية، في شتى المجالات في مواجهة المصادر التي تتهددها في الداخل والخارج في السلم وفي الحرب مع استمرار الانطلاق المؤمَّن لتلك القوى في الحاضر والمستقبل تخطيطاً للأهداف المخططة"[2]

وكلمة (قومي) تتقاطع مع العلوم السياسية والساسة بما لها من هامش في الدراسة العلمية، وبما يزود بها الساسة من خلال المستشارين عن مصالح الدولة العليا وفق نظرية المصالح وتقاطعاتها في تنفيذ السياسات التي تخدم كينونة الدولة واستمراريتها، يلاحظ تأثيرها مباشرة في القرارات التي يتم اتخاذها من طرف الساسة[3].

لم تظهر نظرية القومية إلا في نهاية القرن الثامن عشر وقد أنشأت دول وفق هذه النظرية، وقبلها كانت تقام الدول والإمبراطوريات على أساس ديني فمثلا الشعوب الأوروبية كانت تنضوي تحت الديانة المسيحية الغربية، وكانت اللغة السائدة هي اللاتينية. وقد سادت في الشرق الأوسط والأدنى الديانة الإسلامية واللغة العربية.

    وعند الحديث عن الأمن القومي العربي يتبادر للذهن مباشرة مصر كثقل عربي، وصاحبة أقدم حضارة على وجه التاريخ وصاحبة أول جيش في العالم وصاحبة أول انجاز حضاري تاريخي يعتبر من عجائب الدنيا السبع والسباقة في العلم. وفي العصر الحديث تعتبر مصر قاعدة الارتكاز للأمة العربية سواء من ناحية الموقع أو السكان أو الأزهر أو التعليم، وبالتالي أي قرار عربي لا يمكن له أن يرى النجاح بدون مصر.

     إن مفهوم الأمن القومي العربي من المفروض أن يرتكز على فكرة قدرة الدول العربية على حماية الأمة العربية من الأخطار الخارجية والداخلية القائمة أو المحتملة، وتحقيق فكرة الوحدة العربية[4]. إلا أن هذا المفهوم صعب التحقيق بسبب انخراط الدول العربية في الاحلاف الدولية أثناء الحرب الباردة في كلا المعسكرين الغربي والشرقي وإعاقة ميثاق الجامعة العربية من تحقيق وحدة إندماجية، واتفاقيات خروج الاستعمار من الدول العربية التي استقلت كبلتها من تحقيق وحد اندماجية حقيقية.

المطلب الثاني: مرتكزات الأمن القومي العربي

 وما تزال مسألة الأمن القومي العربي الأمل المنشود لدى الأمم والشعوب لتأمين القوة العسكرية للمحافظة على أرضهم وخيراتهم وحريتهم. ولم يتناول الميثاق الاول للجامعة العربية موضوع الامن القومي العربي لذا بقي مفهوم الأمن القومي العربي منذ قيام الجامعة العربية عام 1945 وإلى يومنا هذا حبراً على ورق، يتراوح بين الأماني القومية صعبة التحقيق على أرض الواقع؛ فالأحداث التي واجهتها الأمة العربية بالأمس القريب، أثبتت للقاصي والداني عدم وجود هذا المفهوم إلا في عقول المفكرين حيث جاءت الحرب الأمريكية الأخيرة على العراق الشقيق، وكذلك العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في شتاء 2008 لتكشف بوضوح عجز الدول العربية على بلورة تصور أمني وإقليمي متكامل للدفاع عن العروبة.. مؤكدين مقولة لمايلز كوبلاند مؤلف كتاب لعبة الأمم: (أن أهمية العروبة تأتي كونها أسطورة وليست حقيقة.[5]

 كيف يمكن أن نكون عناصر للأمن القومي العربي؟

 يمكن تحديد هذه العناصر في:

أ‌.       مواجهة التهديد العسكري والسياسي الذي تمثله إسرائيل واستمرارها في احتلال أراضٍ عربية.

ب‌. السير على طريق التكامل والتوحيد لإبراز إرادة سياسية عربية واحدة والاتفاق على إستراتيجية قومية في مواجهة التحديات الخارجية والمطامع الدولية، وبالذات في مناطق الأطراف من الأمة العربية.

ت‌. التنمية وتوظيف إمكانات الأقطار العربية المختلفة من رؤوس أموال وقدرة بشرية وموارد طبيعية من أجل رفع مستوى معيشة الإنسان العربي ورفاهيته، الأمر الذي يطرح آثاره على الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد العربية ومن ثم على أمنها الوطني والقومي.

ث‌.  تحقيق الديمقراطية بمفهومها الواسع، وإقامة أنظمة سياسية تحترم التعددية.

ج‌.    وضع حد لأي تجاذبات عرقية وطائفية ودينية مفترضة.

ح‌.    وجود إرادة سياسية عربية لتحييد وتأمين البحر المتوسط والبحر الأحمر

المطلب الثالث: التهديدات التي يواجهها الأمن القومي العربي

يوجد الكثير من الأخطار والتحديات الداخلية والخارجية التي تُهدد الأمن القومي العربي وترتبط بالطاقات والثروات والخصائص الجيوبوليتيكية للوطن العربي، والتي جعلت منه منطقة هامة جداً اقتصادياً وسياسياً واستراتيجياً وحضارياً، ومن التحديات الخارجية:‏

-  من أشد ما يتهدد الأمن القومي العربي هو وجود دولة إسرائيل في قلب الوطن العربي واحتلالها لفلسطين في منطقة هامة وحيوية جداً تصل بين مشرق الوطن العربي ومغربه، ولا يتوقف خطر إسرائيل عند احتلالها لأجزاء من الوطن العربي، بل في أهداف الحركة الصهيونية، المهددة عملياً لأقطار الوطن العربي كافة (بل لأقطار إسلامية كإيران وحتى باكستان). كما أن المخطّطات الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود دولة إسرائيل الحالية، بل تتجاوزها لتشمل رقعة أوسع من ذلك بكثير؛ ويمكن أن نضيف إلى التهديدات العسكرية الإسرائيلية المباشرة تلك المشاريع التي تقوم إسرائيل بتنفيذها من أجل تضييق الخناق على الأقطار العربية المحاذية لها مباشرة، مثل سورية ولبنان والأردن ومصر، من خلال عملها المستمر لإشعال نار الطائفية في تلك الدول لتفتيت المنطقة العربية إلى مجموعة لا حد لها من الدويلات الطائفية وبذلك تضفي على نفسها شرعية من ناحية وتضمن هيمنتها من ناحية أخرى[6].

ومن أهم التحديات والتهديدات الداخلية التي يعانيها الأمن القومي العربي عدم الاستقرار الداخلي في الدول العربية الناتج عن التجزئة الإقليمية والسياسية والبشرية والاقتصادية التي فرضتها القوى الأجنبية، وكذلك بسبب انتشار أغلبية من الحكومات التابعة، وغياب الحس القومي لديها، إضافةً إلى الخلافات العربية التي وصلت إلى حد الاقتتال.‏ وكان لغياب الديمقراطية بمفهومها الشامل وعدم احترام الإنسان وعدم منح الأقليات لحقوقها من المهددات الرئيسة للأمن القومي العربي.

وفضلا عن التحديات السياسية، يوجد الكثير من الإشكاليات المتعلّقة بالجانب الاقتصادي للأمن القومي العربي والتي تتمثل في التبعية العربية للاقتصاد العالمي، وبطء عملية التنمية الاقتصادية واتخاذها طابعاً قطرياً.‏ كما أن لغياب التطور الشامل، وغياب التنسيق التجاري والإنتاجي بين هذه الأقطار، وتوظيف رؤوس الأموال العربية وهروبها إلى خارج الوطن العربي أثار كارثية على الجانب الاقتصادي للأمن القومي العربي[7].

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن، هل يصلح النظام الأمني العربي الحالي للدفاع عن الأمن القومي العربي؟

لعل استعراض التهديدات المشار إليها تبين قصور النظام الأمني العربي فاتفاقية الدفاع المشترك وما تمخض عنها لم تعامل بالجدية المطلوبة كما لم تضع الدول العربية نظرية أمنها القومي القابلة للتطبيق[8].

الأمن القومي العربي الواقع والأفاق

     الأمن القومي العربي شتت بطريقة مؤدلجة ومدروسة بعناية، منذ سايكس بيكو وحتى يومنا هذا، وكان لإعلان الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش الحرب على الإرهاب إبان أحداث سبتمبر/أيلول 2011، الأثر البالغ لإنهاء أي محاولات لإنعاشه حيث قال قولته المعروفة "من ليس معنا فهو ضدنا"، والتي مهدت لما وصل إليه حال الأمة العربية اليوم.

     ومنذ ذلك الحين وحتى اللحظة لم يتمكن أحد من القضاء على الإرهاب، بل انتشر وتوسع وزادت دائرته نتيجة إطلاق يد الولايات المتحدة في جميع دول العالم الفقيرة، والشرق الأوسط تحديدا، لتحتل دولا منه ولتضرب دون استئذان كل من يوصم بالإرهاب بحسب تصنيفها، وهو ما يجعل الشكوك تدور حول ماهية المنظمات الإرهابية الحقيقية، ومن يقف وراءها.[9] والسبب الرئيسي هو عدم تعريف الدول الغربية للإرهاب وتركته فضفاضا لما يتلاءم ومصالحها والتدخل الروسي في المنطقة إذا سلمنا بعدم قدرة العرب على استغلال إمكانياتهم في وجه الطوفان الذي كاد أن يفرض نفسه على المنطقة. نقول انه من واقع المصالح الروسية وعدم الاستفراد أجبرت الولايات المتحدة على تصنيف الإرهاب والتنظيمات الفلسطينية لكي تجد لها مكان ولا تصنف كإرهاب لابد أن تنسلخ عن أي تساوقات مع دول قريبة أو بعيدة حتى يتم التفريق بين الجماعات التي تطالب بحقوق شعبها والجماعات الإرهابية.

    يتضح لنا مما تقدم أن المقاربة الواقعية للأمن القومي العربي لا ينحصر في الاعتبارات العسكرية البحتة المتصلة بردع الخطر الخارجي، أو الاعتبارات الأمنية الداخلية المنفصلة لكل بلد عربي على حدة بالرغم من أهميتها، بل إن حرص الأنظمة الشديد على بقائها جعلها تسخّر القوات المسلحة والأجهزة الأمنية على مختلف أنواعها، لمهمات حفظ النظام واستقراره على حساب حماية الأمن الوطني وفق أهواء النظام والحفاظ على الكرسي دون النظر للمصلحة العليا سواء الوطنية او القومية، مما انعكس سلبا على الأمن القومي العربي ككل.

الفصل الثالث

 الأمن القومي الفلسطيني

المطلب الأول: الأمن القومي الفلسطيني ومرتكزاته ومهدداته

      الأمن القومي الفلسطيني لا يختلف كثيرا عن الأمن القومي لأي من الدول القائمة رغم الوضع الفلسطيني الخاص المتمثل بحركة تحرر وطني أوجدت النواة الأولى لإقامة كيانها المستقل على أرضها السليبة، ورغم ذلك فإنه من الصعوبة بمكان بلورة مفهوم محدد للأمن القومي الفلسطيني حتى مع وجود منظمة التحرير الفلسطينية كإطار سياسي وقانوني يجمع الكيانية الفلسطينية حيث الإطار الجغرافي لهذا الكيان مازال في طور التكوين. وتعرف دائرة أبحاث الأمن القومي التابعة لمركز التخطيط الفلسطيني الأمن القومي الفلسطيني بأنه "مجموعة الإجراءات والتدابير التي تتخذها منظمة التحرير الفلسطينية لحماية حقوق الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني في مواجهة تهديدات وتحديات داخلية أو خارجية بما يحقق الوصول للأهداف الوطنية في البقاء والحرية والاستقلال والعودة"[10].

أولا/ المرتكزات الرئيسية للأمن القومي الفلسطيني:

كما وتلخص دائرة الأبحاث في مركز التخطيط الفلسطيني مرتكزات الأمن القومي الفلسطيني كالتالي:

- حماية حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والسياسية وهويته الوطنية والثقافية أينما وجد وتعزيز مقومات بقائه في فلسطين.

- الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني ومكتسباته وموارده ووحدانية تمثيله واستقلال قراره.

- تعزيز ثوابت المشروع الوطني المستند لقرارات الشرعية الدولية في سبيل إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ومواجهة سياساته وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وضمان حق عودة اللاجئين.

- تعزيز الحقوق الوطنية من خلال تمتين شبكة العلاقات الفلسطينية مع الدول والشعوب الشقيقة والصديقة والمنظمات الدولية.

ثانيا/ مهددات الأمن القومي الفلسطيني

كان خطر الغزو العسكري يعتبر في السابق من أهم مصادر تهديد الأمن القومي إلا ان الدراسات الحديثة للأمن القومي أكدت وجود مصادر أخرى تهدد الأمن القومي كالتهديدات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ببعديها الخارجي والداخلي المترابطين والمتداخلين ببعضهما البعض.

   ومن مصادر تهديد الأمن القومي الداخلية تغليب التناقض الثانوي على التناقض الرئيس والصراع على السلطة الذي يؤدي إلى تدخل القوى الخارجية لتأمين مصالحها الخاصة مما يفقد الدولة استقرارها السياسي ويهدد أمنها القومي. وعانت السلطة الفلسطينية كثيرا من هذه التدخلات الخارجية وأدى بها إلى الحالة المتشرذمة التي تعانيها اليوم.

وأيضا من مهددات الأمن القومي الداخلية تغليب الأحزاب السياسية لغة المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية مما يؤدي إلى خلافات مذهبية وسياسية بين الأحزاب نتيجة للتعصب للحزب والجهل بالضرورات الأمنية الفلسطينية التي من خلالها يتم تحقيق المصلحة الحزبية في البقاء.

   ومن المهددات الخارجية يمكن اعتبار التبعية السياسية التي تفقد الدولة القدرة على اتخاذ قراراها السياسي كأحد صور التهديد السياسي وأكثرها خطورة على الأمن القومي. كما ان بعض الدول تمارس ضغوطا سياسية على التكتلات المختلفة لتقطع علاقاتها مع دول معادية مما يهدد السياسة الخارجية للدولة ونجد هذه الحالة في الواقع الفلسطيني كثيرا مثل ما حدث بين حركة حماس وسورية وإيران كمثال.

المطلب الثاني: حرب 1948 وانعكاساتها على القضية الفلسطينية

     بعد إعلان قيام دولة إسرائيل وهزيمة الجيوش العربية في حرب فلسطين عام 1948م وظهور مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين أصبحوا بلا وطن يجمعهم، فتناثرت جموعهم فيما تبقى من وطنهم، أي قطاع غزة الذي خضع لحكم الإدارة العربية المصرية، والضفة الغربية التي ضمت لإمارة شرق الأردن، أو المنافي التي أرغموا على قبولها أملا في العودة إلى وطنهم.

     وكان لنكبة فلسطين عام 1948م دوي هائل في الساحة الفلسطينية والعربية، وصاحبها ملابسات وظروف، وترتب عليها آثار عميقة في الفكر والواقع العربي وكان أبرز هذه التأثيرات تعميق الفكر القومي العربي وطغى التيار القومي على غيره من التيارات في الفكر السياسي العربي الفلسطيني، الذي أفضى إلى تغير بعض النظم السياسية كمصر والعراق.

    ولقد اعتمدت إسرائيل على قبولها بقرار التقسيم في عملية المفارقة بين الانسحاب البريطاني من فلسطين بالتنسيق مع اليهود وبين عدم القبول العربي بقرار التقسيم مما أعطى إسرائيل نوع من الشرعية الدولية في قتالها ضد العرب. كما كان لمؤتمر دمشق الذي حضره عن الجانب الفلسطيني الشهيد عبد القادر الحسيني نقطة فارقة في سير العمليات العسكرية في فلسطين في حرب عام 1948م. فكان الطلب من عبد القادر الحسيني ألا يورط العرب في الحرب وتوكيل القضية إلى لجنة عسكرية عربية تتولى أمور القتال وأن تكون مواجهة العصابات الصهيونية تتم من قبل الجيوش الرسمية العربية.

      وفي آذار مارس عام 1948م، اجتمع عبد القادر الحسيني في دمشق بقيادة اللجنة العسكرية التابعة لجامعة الدول العربية وذلك للحصول على السلاح للمقاومة الفلسطينية، ولم تزوده اللجنة بالسلاح بذريعة عدم افتعال معارك جانبية في الوقت الذي تتقدم فيه العصابات الصهيونية وأن قضية فلسطين أوكلت إلى لجنة عربية عسكرية عليا.

من هم الحكام العرب في تلك الحقبة المعنيين بفلسطين؟:

الأردن، الملك عبد الله بن الشريف حسين وليد سايكس-بيكو وقائد الجيش عنده بريطاني هو الجنرال غلوب باشا.

العراق، كان الملك فيصل الثاني بن غازي بن فيصل بن الشريف حسين وليد سايكس بيكو، وكان صغير السن والوصاية لخاله عبد الالاه

مصر، الملك فاروق وتحت الاحتلال البريطاني.

المطلب الثالث: منظور حرب 1967 وانعكاساتها على القضية الفلسطينية

أولا: أسباب الحرب الغير معلنة:

لجوء الكثير من ضباط (القستابو) المخابرات الألمانية في العهد النازي إلى مصر وسورية والعمل لدى المخابرات المصرية وتدريب الفدائيين الفلسطينيين وخاصة في قطاع غزة من خلال ما سمي في حينه (ك 41) أي الكتيبة 41 مخابرات عامة بقيادة الشهيد مصطفى حافظ مهمتها جلب المعلومات وتنفيذ عمليات قتالية ضد إسرائيل، واعتبرت إسرائيل أن لها ثأر مع ألمانيا النازية وما يشكله هؤلاء من خطر دائم على إسرائيل.

ان بقاء الضفة الغربية الفلسطينية تحت السيطرة العربية وخاصة الأردن يهدد بقاء الدولة الأردنية والنظام الهاشمي صاحب الدور الوظيفي الأكثر في سايكس-بيكو، وكان هذا نتاج فكر عسكري لقادة الجيش الأردني البريطانيين.

عدم القدرة على تطويع نظام عبد الناصر من طرف الغرب وبالتالي أصبح يشكل خطر على المصالح الغربية في المنطقة والكل يذكر ما أصطلح عليه حرب اليمن وسقوط نظام الإمامة وتنامي الوجود السوفيتي الشيوعي في مصر والذي اتضح جليا أثناء العدوان الثلاثي على مصر.

تدخل الدولة المصرية وفق نظرية الأمن القومي العربي في الحركات التحررية وخاصة السودان المجاورة والجزائر والعراق.

محاولات عبد الناصر في تحقيق الوحدة الاندماجية العربية وخاصة مع سورية فكانت خشية من هذه الوحدة لان تمتد إلى الهلال الخصيب أي العراق وبالتالي تشكل خطر على النظام الهاشمي في الأردن، وذلك بعد تغير النظام في العراق وبالتالي تضرب سايكس-بيكو في الصميم.

بالاستفادة من الضباط الألمان الذين لجأوا إلى مصر، بدء الحديث عن تصنيع عسكري في مصر ، أي الطموحات المصرية وهي خارج إطار بيت الطاعة الغربي، ما قد ينمي هذه الطموحات، وتصبح مصر خارج السيطرة، ومن هنا فإن امتلاك إسرائيل للمفاعل الذري كتهديد نفسي ينعكس عليه ما حصل في هيروشيما وناجازاكي، وحتى تقنيا أصبح العرب يعيشون حتى يومنا هذا تحت تأثير فزاعة هذا الهاجس ولا يعلمون ان إسرائيل غير قادرة على استخدام هذا السلاح وذلك لتأثيره السلبي عليها لقربها من دول العدوان، ونحن العرب تخوفنا منه تكتيكيا وهو سلاح استراتيجي ويرجع ذلك إلى نقص الخبرة العلمية.

ثانيا: إفرازات حرب عام 1967م

لقد أفرزت هزيمة حرب عام 1967م عدة إفرازات مستجدة على الصعيد العربي وهي كالتالي:

احتلال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية وأجزاء من الدول العربية.

انحصار إمارة شرق الأردن إلى الحدود المقرة من سايكس-بيكو وأصبحت الأردن وفق السياسات تتعامل مع الضفة الغربية بأنها أراض محتلة وفي نفس الوقت في حل من أن للأردن أراض محتلة من طرف إسرائيل.

إعتلاء فصائل المقاومة الفلسطينية المشهد السياسي في منظمة التحرير.

عملية استغلال الأنظمة العربية لجهد فصائل المقاومة الفلسطينية باعتبار أن المقاومة أزاحت الحرج من أمام شعوبهم وذلك عن طريق دعمها.

صدور قرار 242 ومبادرة روجرز والذي اعتبر في حينه التفاف على قرار 181 (قرار التقسيم).

بدء ممارسة إسرائيل باستثمار نصرها على الدول العربية في عدة أشياء مثل أنها أصبحت في نظر الدول الغربية بأنها دولة وظيفية بامتياز تستطيع خدمة المصالح الغربية في المنطقة وبالتالي يجب دعمها في كافة القرارات التي تم اتخاذها لاحقا مثل ضم الجولان والاستيطان في الضفة الغربية وزرعت مفهوم أن أي حل في المنطقة لابد وأن يتلاءم مع المصالح الإسرائيلية.

لقد كانت الفترة بعد ثورة 23 يوليو في مصر وحتى حرب 67 هي الفترة الأخطر على سايكس-بيكو، وقد يتبادر للأذهان سؤال لماذا بريطانيا التي كانت تحتل مصر سمحت بسقوط الملك فاروق؟ والإجابة أن مهمة الملك فاروق قد انتهت في مصر بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار عام 1949م بعد قيام دولة إسرائيل الحالية، وهو مع الفارق شبيه بدور الشريف حسين في الحرب العالمية الأولى، وكانت الإرادة البريطانية بضرورة التغيير بعد أن تحمل الملك فاروق وزر ما أصطلح عليه الأسلحة الفاسدة في حرب فلسطين، وكانت هنا امتصاص تقمه الشعب المصري، وقد عمدت على توثيق علاقتها بالضباط الأحرار ولم تستطع لان لمجلس قيادة الثورة عمقان، الأول الوجه العام بقيادة اللواء محمد نجيب، والثاني بطموحات نخبة من الشباب بقيادة عبد الناصر في التخلص من النظام والاحتلال وسايكس-بيكو كامتداد للحركة الوطنية في حقيه العشرينيات من القرن الماضي.

نحن نركز على مصر لأنها دولة المتغير الاستراتيجي في المنطقة ومحورية التغيير العربي ينبع من مصر وإذا نجحت المؤامرة على مصر نجحت على الأمة العربية، لهذا نرى أن الدور المصري هو الأهم منذ عصر الدولة الفرعونية.

إن الربط بين حرب 67 ومعركة الكرامة عام 1968م واتفاق القاهرة الذي نظم الوجود الفلسطيني في لبنان عام 1969م وأيلول الأسود يوصلنا إلى ان سايكس-بيكو كان هو المحرك الفاعل في جميع هذه الأحداث، حيث تشكل حرب 67 تحول مفصلي في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية والعربية ولكن النظم السياسية العربية التي نتجت عن سايكس-بيكو بقيت وإلى يومنا هذا تؤدي الأغراض التي أوجدت من اجلها.

بعد إنشاء منظمة التحرير عام 1964م، تبعها قيام مظاهرات في الضفة الغربية الفلسطينية كحراك سياسي فلسطيني الهدف منه تولي الفلسطينيين من خلال منظمة التحرير الولاية على الضفة الغربية كأرض فلسطينية ليست تحت الاحتلال، ولم يكن كما أرادوا تسويقها ثورة على النظام الأردني. أما إمارة شرق الأردن وفق تقسيم سايكس-بيكو نهر الأردن هو الحدود الطبيعية الفاصلة بين الأرض الفلسطينية والأردن الذي أرضى بها البريطانيين الشريف حسين بتولي ابنه عبد الله ملك على الإمارة، وابنه فيصل الإمارة على سورية، وبعد توزيع الانتداب بين فرنسا وانجلترا خضعت سورية للانتداب الفرنسي، وعليه تحول فيصل ملك على العراق.

هناك ثلاث محطات مهمة وفاعلة بعد إنشاء منظمة التحرير: الأول حرب 67، والثاني معركة الكرامة، والثالث حرب أيلول، وهذه المحطات مترابطة تحكمت إسرائيل بشكل فاعل في ترتيب هذا الوضع بصورة مباشرة وغير مباشرة. يعزز الإجابة على هذا سؤال مهم وهو ارتضت الدول العربية تأطير النضال الفلسطيني في منظمة التحرير، لماذا لا تعترف في حينه أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني؟ لماذا احتاجت إلى نضال جديد حتى تنتزع قرار أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني عام 1974م؟

الفصل الرابع

انعكاسات مصالح الأمن القومي لدول الجوار على القضية الفلسطينية

المطلب الأول: تداعيات المشروع الإيراني وتحالفاته على الأمن القومي العربي والفلسطيني

يرى إدريس السعيد أن إيران إشكالية شديدة التعقيد في الإدراك السياسي العربي لأنها بقدر ما يمكن التعامل معها على أنها مصدر أكيد أو محتمل للتهديد بالنسبة للعرب، فإنها أيضاً تبقى شريكاً إن لم تكن حليفاً ثقافياً وسياسياً بل وحضارياً، ويبقى الاستثناء محدوداً في الإدراك السياسي الذي يرى أن إيران مصدر كامل للتهديد ولا يمكن أن تكون حليفاً أو الذي يرى إيران حليف بالمطلق ولا يمكن أن تكون مصدراً للتهديد[11].

وتمر العلاقة العربية – الإيرانية في الوقت الراهن بأسوأ حالاتها ويمكن وصفها بالمضطربة بصورة عامة، وبدأ العلاقات العربية – الإيرانية بالتوتر منذ أن انتهكت القوات الإيرانية الحدود العراقية واستمرار الحرب العراقية الإيرانية لمدة عشر سنوات تقريبا.

كما كان لاحتلال إيران الجزر الإماراتية الثلاث واتهاماتها بالتدخل في الشؤون الداخلية لبعض الدول العربية من خلال دعم الجماعات المتطرفة فيها، كان مصدر توتر مستمر للعلاقات وشعور الدول العربية في الخليج بالقلق من جراء السلوك الإيراني.

ويمكن تلخيص الخطر الإيراني الشديد للأمن القومي العربي بالعناصر التالية.

إصرار إيران على تسمية الخليج العربي بالفارسي، حيث تحرص على نسبته إليها في كافة المحافل الدولية والوثائق الرسمية الصادرة عنها. والخطر هنا ليس في اسم المياه بقدر ما يعتليها من أساطيل وقوات تهدد حركة الملاحة الدولية الى دول الخليج العربي وبالتالي تبقى المنطقة العربية قابلة في اي لحظة للاشتعال نتيجة هذا التواجد الايراني

تقوم إيران بفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة من خلال تطبيق قانون المناطق الإيرانية لعام 1993 على الملاحة في الخليج العربي ومضيق هرمز والذي ينافي القانون الدولي.

تقوم إيران بفرض نفسها كقوة خليجية هامة يجب ان يكون لها دور فاعل ومؤثر في سياسات وأمن الخليج. ومن هنا قيام القوات المسلحة الايرانية بانتهاك الحدود العراقية أكثر من مرة ودعم مليشيات الحشد الشعبي التي تقوم بالتطهير العرقي في مناطق السنة في العراق.

ترسيخ احتلال الجزر الإماراتية الثلاث وتصر على "إيرانية" تلك الجزر واستعدادها للقتال دونها مما يشكل عقبة في سبيل التقارب العربي-الايراني.[12]

تقوم إيران بدور خطير في الحرب الأهلية السورية حيث تقوم بدعم نظام بشار الأسد بناء على نظرة مذهبية ضد أبناء سورية من السنة وترتكب جرائم خطيرة بحقهم مما سيساعد في تقسيم سورية إلى مناطق طائفية ويهدد وحدة سورية.

إن تغيير أولويات التهديد تجاه الأمن القومي العربي يشكل كارثة حقيقية، ستستنفذ مقدرات الشعوب، بعيداً عن الخطر الحقيقي، المتمثل في وجود إسرائيل على الأراضي العربية، وقد يرى البعض أن الخطر الإيراني هو تهديد مهم وعاجل يجب التعامل معه بصورة آنية، إلا أنهم يتناسون أن ما دفع إيران التمدد هي حالة التشرذم البغيضة، والفرقة فيما بين الدول العربية، وغياب القدرة على العمل المشترك، وعليه فإن مواجهة الخطر الإيراني لن يكون إلا بالاتفاق حول مصادر التهديد المشترك، المتمثلة في وجود كيان الاحتلال وسعيه المتواصل لإشغال الامة العربية عن قضاياها المصيرية. وان كان الدور الإيراني خلال العقود الثلاث الأخيرة، قد شكل خطرا على الأمن القومي العربي، و لكن في الأخير يجب وضعه في إطاره، دون رفعه مستوى خطره ، لمستوى  أعلى من الخطر الإسرائيلي على الأمن القومي العربي.

المطلب الثاني: التحديات التي تمثلها تركيا على الأمن القومي العربي

   تمثل تركيا واحدة من دول الجوار الجغرافي الآسيوي للوطن العربي، وينظر إليها خبراء الأمن القومي بعين الريبة والشك في نواياها تجاه العالم العربي، بناء على التناقضات التاريخية التي كانت مع المنطقة العربية، وأنها قد تسفر عن نفسها في ظل ظروف معينة، وبشروط معينة، حيث أن تركيا تمتلك من الإمكانيات والقدرات ما يجعلها تمثل تهديداً مؤجلاً على الأمن القومي العربي، لما تبحثه عن دور قيادي متميز لها في الشرق الأوسط، وهو الذي انتقل من زمن الخلافة العثمانية إلى تركيا العلمانية، الأطلسية ذات العضوية في منظمة المؤتمر الإسلامي، ولان اهتماماتها الإستراتيجية تمتد إلى دوائر إقليمية ثلاث يفرضها عليها الموقع الجغرافي وهي الدائرة الأوروبية، والدائرة العربية بامتدادها الإسلامي، والدائرة الأسيوية الوسطى بحيث تمثل هذه الدوائر فضاءات لحركة تركيا الإقليمية ونفوذها الدولي وقدرتها العسكرية والسياسية والاقتصادية وبذلك تمثل تركيا تحديا كبيرا للأمة العربية وتشكل تهديدا قويا للأمن القومي العربي وخاصة بعد التعاون العسكري الذي وقعته تركيا مع إسرائيل ابتداء من العام 1996 وتطور ليصبح تحالفا استراتيجيا تحكمه مصالح الطرفين في المنطقة العربية[13] .

تركيا وحقبة ما قبل سايكس- بيكو:

الأهم لدينا بدء تسلل اليهود إلى أعماق النظام السياسي التركي بإقناع السلطان بضرورة التغيير الديمغرافي في وجه الأطماع المصرية، وعليه تم إنشاء أول مستوطنة يهودية في فلسطين في العام 1879م أي قبل الاحتلال البريطاني لمصر، وقبل المؤتمر الصهيوني الأول بعشرين عاما. معناه أن هناك كانت مفاوضات واتصالات مع اليهود، وكان هذا بمثابة تشجيع للحركة الصهيونية، بما يدحض مقولة أن الحركة الصهيونية كانت تفكر في الارجنتين وأفريقيا (أوغندا) بل الفكر الاستراتيجي هو فلسطين.

ضمنت الدول الاستعمارية عدم قدرة السلطان العثماني بتأمين جبهته الداخلية في حرب إنهاء نفوذه، وكان ذلك في الحرب العالمية الأولى بحيث أفضى احتلال مصر عام 1882م إلى سهولة إقناع الشريف حسين بضرورة التحالف مع البريطانيين.

كان في هذه الفترة المؤتمر الصهيوني الأول قد انعقد في عام 1898م في بازل بسويسرا، وبعد نجاح تغلغل اليهود في تركيا اتبعوا نفس النهج في فلسطين بحيث أنشئوا وحدة المستعربين عام 1909م لتكون وسيلتهم للتداخل في المجتمع الفلسطيني وإتباع نفس العادات والتقاليد وحتى ادعاء إسلامهم وزواجهم من مسلمات...إلخ.

كان من أهم ضمانات تغلغلهم في فلسطين هو ترك فلسطين في الفترة الواقعة بين احتلال مصر ونشوب الحرب العالمية الأولى تحت السيادة التركية لتكون بمثابة مشاع لهم لبدء تنفيذ أطماعهم وهو ليس عدم قدرة احتلال الجيش البريطاني لفلسطين بعد مصر بعد أن نالت بريطانيا وفرنسا رضى السلطان الذي شعر أن هذه الدول كبحت جماح أطماع الدولة المصرية في ملكه.

اليهود أدركوا أن بقائهم وتنفذهم في العالم لابد أن يكون للعالم مصلحة في دعمهم وبقاءهم، ومادام لهم تحكم في رأس المال العالمي لهم القدرة على توظيف العالم.

التحديات التركية على الأمن القومي العربي بعد سايكس-بيكو

أما فيما يخص التحديات التركية على الأمن القومي العربي بعد سايكس-بيكو وبإيجاز فإن التحول التركي بقيادة كمال أتاتورك توائم من الصهيونية العالمية، كما أنه تم اقتطاع لواء إسكندرونة من سورية بحضوره العربي. كما أن تركيا جلبت قاعدة إنجيرلك العسكرية التابعة لحلف الأطلسي على أراضيها وفق تحالفاتها التي لا تتماشى والطموح العربي ولا الإسلامي، كما أنها غيرت حروف الكتابة أي أنها هي التي انفصلت عن الثقافة العربية ولغة القرآن. كما أن تركيا لازالت تسعى لدخول الاتحاد الأوروبي الذي شكل ويشكل تهديد للمنطقة العربية، وقدمت من أجل ذلك تنازلات كبيرة ولم يتم قبولها، أساس هذه التنازلات التحالف مع إسرائيل كتهديد استراتيجي للدول العربية. إن وصول حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002 حصل معه تغييرا لمجمل السياسات التركية ومن ضمنها السياسة الخارجية، بعد إعادة تعريف تركيا لنفسها وموقعها ودورها، وكان للقضية الفلسطينية اهتمام كبير وبدأت بدعم الحركات المناهضة للأنظمة في بعض الدول ومنها حركة حماس[14].

   كما وارتقت بالعلاقة مع بعض الدول العربية إلى مراحل متقدمة جدا ترتفع بها إلى مصاف العلاقات الإستراتيجية، وكانت القضية الفلسطينية مفتاح تركيا إلى العرب والى المنطقة وشكلت عصب التحرك التركي تجاه الوطن العربي.

    وتجلت التدخلات التركية بالعبث في الأمن القومي العربي في ظل الثورات العربية المتواصلة وخاصة الأزمة السورية مما احدث ارتباك في علاقات تركيا بحلفاء إقليميين عرب محوريين كانت علاقاتها قد شهدت تقاربا قبيل الثورات العربية كسورية ومصر، فضلا عن تقوية مركز تركيا الإقليمي في أجواء مضطربة وسط تكهنات بانتقال مركز الإستراتيجية الأمريكية من العالم العربي وشرق المتوسط إلى شرق أسيا، وإعادة هندسة الشرق الأوسط جيوستراتيجيا على أسس إثنية وطائفية وفقا لما يعرف باتفاقية سايكس-بيكو2 التي تهدف إلى تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ حسبما تم في اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916م[15]

   الموقف التركي من القضية الفلسطينية كمفتاح الدخول للمنطقة تزايد مع الوقت الذي ترغب فيه تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي أصبح حساس جدا، وبدت تركيا جاهزة لدفع الاستحقاقات الأوروبية اتجاه إسرائيل وذلك في الاتفاق الإسرائيلي التركي بعد حادثة الاعتداء على السفينة مرمرة حيث لم يقدم هذا الاتفاق ولا خطوة في فك الحصار، بل كرس تحويل غزة إلى حالة إنسانية.

إن الأتراك حتى في الحقبة الاخوانية لم يقدموا أوراق اعتمادهم للعالم الإسلامي وعلى العكس هم الآن في المنطقة جزء من المشكلة وليسوا جزء من الحل.

المطلب الثالث: الجامعة العربية وأثرها على القضية الفلسطينية

أثناء الحرب العالمية الثانية خشيت بريطانيا من ألمانيا التي كانت تحاول استثارة العرب ضدها بإطلاق الوعود. وخشيت انفلات الأمر من يدها، كما خشيت أن يتجه العرب إلى الاتجاهات الإسلامية التي توحدهم، وهم بحكم وضعهم ولغتهم من الممكن أن يسلّم لهم العالم الإسلامي بالزعامة. هذا بالإضافة إلى أن بريطانيا كانت ترغب في إقامة منطقة نفوذ اقتصادية في الشرق الأوسط كله، فرغبت بالتالي في تمهيد الطريق أمام تقارب العرب فيما يشبه الحلف أو التضامن ليسهل عليها التعامل معهم، واستغلالهم لجانبها.

ومن هنا كانت فكرة إنشاء الجامعة العربية. وهذه الفكرة الإنجليزية الخبيثة لاقت رواجاً بعد أن تبنتها الدول العربية والأجنبية ودعمتها لتصبح الأمل والرجاء لوحدة العرب، فولدت الجامعة العربية، وكان صاحب هذه الفكرة هو (أنتوني إيدن) وزير خارجية بريطانيا آنذاك، حيث ألقى بياناً سياسياً في 29/03/1941م في لندن قال فيه إن الكثيرين من العرب يرغبون في أن تتمتع الشعوب العربية بنصيب من الوحدة أكبر من النصيب الذي تتمتع به الآن، والعرب يأملون منا المُعاضدة في بلوغ هذه الوحدة، ولا يجوز لنا أن نغفل أي نداء يُوجهه إلينا أصدقاؤنا بهذا الصدد، وإنه يبدو لي أنه من الحق الطبيعي أن توثق الروابط الثقافية والاقتصادية والروابط السياسية أيضاً بين الأقطار العربية، وستعاضد حكومة جلالة الملك معاضدة تامة أي مشروع ينال المُوافقة العامة[16].

وﻣﻣﺎ نشاهده أن بريطانية هدفها من إنشاء جامعة الدول العربية قائم على أهداف استعمارية قائمة على قاعدة فرق تسد. لهذا منذ نشأة تلك الجامعة بتاريخ في 22 مارس 1945م، والعرب متفرقين وحالة العجز العربي الرسمي تجاه قضية فلسطين مستمرة، حيث لم ينجح النظام العربي في الحد من الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي المحتلة وهو ما يكشف قصور النظام العربي وانقسامه وعجزه عن الدفاع عن الشعب الفلسطيني وحماية امتداد أمنه القومي. بل إن ثمة أنظمة عربية قدمت اعتبارات النفوذ الأمريكي والتزاماتها تجاه إسرائيل وخصوماتها مع تيارات الإسلام السياسي على مسئوليتها تجاه فلسطين، وعلى اعتبار الأمن القومي العربي، بل إن هناك من سعى عمليا إلى ترك الفلسطينيين وحدهم في مواجهة آلة القتل وانتهاك الأمن القومي العربي. وفي كل التحديات التي واجهت القضية الفلسطينية منذ العام 1948م لم يستطع النظام العربي ممثلا بجامعته العربية التي تم إنشائها بقرار بريطاني أن يبلور الاستجابة المطلوبة من أجل حماية أمنه القومي أو على الأقل أمن إحدى وحداته بل لا يتوقع أن تحدث تغيرات إيجابية في الموقف العربي من القضية الفلسطينية لان النظام العربي مازال يعاني العلل نفسها التي تجعل دوره دائما أقل بكثير من إمكاناته، وتبقى الاعتبارات القطرية والمشاكل المحلية لكل دولة طاغية على العمل العربي المشترك لخدمة القضية الفلسطينية[17].

بعدما ظهر في العالم قطبين قويين هما روسيا وأمريكا سعت بريطانيا الدولة الاستعمارية التقليدية في ذلك الوقت إلى تأسيس الجامعة العربي وذلك كمنطلق جديد لتغيير أساليب استعمارية حديثة بعد ظهور القطبين الكبيرين، وعليه نرى أن بريطانيا، علاوة على الجامعة العربية، شكلت ما يسمى بكومنولث للدول التي كانت تخضع للاستعمار البريطاني. أما فيما يخص رضي الأقطاب الجديدة عن سياسة بريطانيا فهو راجع لقبول بريطانيا بالحصص التي منحتها هذه الدول لها.

 تداعيات تحقيق الدولة الفلسطينية على الأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية

  سيكون لمبدأ تحقيق الدولة الفلسطينية انعكاسات ايجابية على مصالح الأمن القومي العربي وستزول إلى حد التلاشي بعض من أنشط بواعث التشاحن والبغضاء بين الدول العربية وإسرائيل حيث يستند الموقف العربي على أنه إذا ما انسحبت إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967م، وقامت الدولة الفلسطينية، فإن هذا سيفتح الطريق أمام تطبيع العلاقات العربية مع إسرائيل، وهذا ما أكدت عليه المبادرة العربية للسلام في العام 2002م، والتي قالت: إنه إذا ما انتهى الصراع وانسحبت إسرائيل وقامت الدولة سيتم محادثات السلام بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي؛ وذلك لإنهاء النزاع وتحقيق سلام شامل وعادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وأن ذلك يعود على المنطقة بالأمن والاستقرار.

الخلاصة:

بعد مئة عام على سايكس-بيكو على ما يبدو أن صلاحية الأنظمة التي انبثقت عنها قد انتهت والسبب هو ظهور بكتيريا جديدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية استطاعت أن تلغي الأدوار للدول الحافظة للأنظمة، وخاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقا الذي تم اختزاله في روسيا الاتحادية، ووفق نظرية المصالح تأخذ العلاقة بين الدولتين العظميين سواء الاتحاد السوفيتي السابق أو وريثه روسيا مع الولايات المتحدة صفة الصديق اللدود، ومن هنا يأتي دور ما يسمى بالإرهاب في أوروبا التي في نظر الدولتين اتفقا على أن الدور الأوروبي قد انتهى كلاعب في رسم هياكل المنطقة وبالتالي لابد من عودتهم للبحث عن الأمن والسلام داخل أوطانهم، كما لم تعد بريطانيا المملكة التي لا تغيب عنها الشمس ولم تعد فرنسا الدولة التي احتلها الألمان ولم تسقط، وقد كانت ما يسمى بالحرب الباردة بمثابة الثلاجة التي تجمد طموحات أوروبا في إعادة الهيمنة وإنتاج الاستعمار بصور أخرى.

الكل قرأ موقف الرئيس السوفيتي خروتشوف من حرب 56، الاتحاد السوفيتي الذي اعترف بإسرائيل بعد ربع ساعة من إعلان إنشاءها، ولم يتكرر الموقف في حرب 67، فقط في عام56 لان فرنسا وبريطانيا دخلوا التحالف.

إن زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في مطلع أب الماضي لروسيا غير الكثير من المعادلة في المنطقة بالنسبة للموقف التركي، وروسيا لم تضع سلم لتركيا للنزول عن الشجرة بقدر ما هو تهديد بقطع الشجرة. ما يشاع بأن روسيا أبلغت أردوغان عن الانقلاب لأنه كان تدبير أمريكي بامتياز على خطين: الأول أن التدخل الروسي في سورية والإيراني في العراق عرقل مشروع شرق أوسط جديد وفق الرؤيا الأمريكية على الرغم من الموافقة لبعض الأنظمة العربية على هذا المشروع لأنهم ارتضوا لأنفسهم منذ سايكس-بيكو جزء من المشروع وتساوقوا مع الانتداب وفق تقسيماته. والثاني أن أمريكا أرادت أن تبدأ بالتقسيم من الأكراد فتغير النظام في تركيا وخلق حالة إرباك في المشهد التركي يقوي عزيمة الأكراد شرق تركيا على الاستقلال، وروسيا لم تسمح بذلك بع تدخلها في سورية إلا وفق التشاور معها، ومن هنا جاء التنسيق بين البنتاغون ووزارة الدفاع الروسية على تنسيق الهجمات في الأجواء السورية بشرط تحدد أمريكا التنظيمات الإرهابية.

بعد أربعين عاما من إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية وهي حقبة تعتبر من حقب النضال الفلسطيني وان كانت هي أهم حقبة حيث حاولت منظمة التحرير بقيادة ياسر عرفات طوال فترة نضالها عدم الخضوع لإفرازات سايكس-بيكو، وحاولت إن تبلور شخصية النضال الفلسطيني بالرفض المبطن لسايكس-بيكو. إن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في العام 1964م كان الحالة الوحيدة التي حظيت بإجماع عربي ولكن لكل دولة أهدافها هذا الإجماع لم يكن خارج إطار مشغلي اتفاق سايكس-بيكو ولا هو خارج إطار إرادتهم، وكان من بين الأهداف ما هو وطني وما هو خدمي لأمراء الغرب الذين يديرون هذا الملعب. أما فلسطينيا فقد تم اعتمادها كوطن اعتباري يحظى بإجماع عربي ورضا دولي وقد دخلنا العالم من خلال تمثيل جامعة الدول العربية التي نحن عضو فيها.

إن حركة المقاومة الفلسطينية ومنظمة التحرير لم تكن تحسن موقعها وتطور موقفها على حساب الدول العربية مثل إخراج المنظمة من هيمنة الأنظمة، الاعتراف أنها الممثل الشرعي والوحيد...إلخ، وهنا يبرز الدور الوظيفي لأنظمة سايكس-بيكو، مهما بلغ من الحديث عن الوطنية والتقدمية، أي إن الصراع الفلسطيني مع الدائرة العربية استنزف أوقات وطاقات مادية وبشرية، كما أن النظام الرسمي العربي غير أهل منذ اليوم الأول لقيام إسرائيل أن يقرن بما يسمى الصراع العربي الإسرائيلي. لان الدول العربية لم تكن مستقلة، والخليج مشايخ، وهناك العديد من الدول كانت تحت الاحتلال، وبالتالي فان هذه الدول كانت تعبر عن رأي الأجنبي وهي تتحرك كالدمية.

يرى البعض أن الجانب الوظيفي للدولة العبرية هو حماية المصالح الغربية في المنطقة ومنذ زمن ليس ببعيد أي في حقبة أواخر ثمانينيات القرن الماضي كان تقديرنا أن إسرائيل صحيح أنها دولة وظيفية ولكن ليس لحماية المصالح كما يشاع ولكن دورها تحريكي للازمات في المنطقة وفي النهاية تتدخل الدول لحماية مصالحها. وقد ضمنت سايكس-بيكو وظيفة الدول العربية المنبثقة عنها لكي تخدم على إسرائيل، أي بمعنى جعل هناك حائط صد في وجه الدول التي يمكن أن تعادي إسرائيل بسبب ميولها الغربية من الدول العربية بحيث هذه الدول هي التي ترفض التعامل مع هذه الدول وليس إسرائيل وبالتالي لا تظهر إسرائيل الواجهة بل العرب كما كان في السابق، العرب ضد الشيوعية وخاصة الخليجية، وهي الأقوى اقتصاديا، وعليه هناك دول عربية تنصاع لدول الخليج لحاجاتها الاقتصادية وليس على أساس وطني أو قومي...الخ وبالتالي هنا تكمن الخطورة على الأمن القومي العربي من هذه الزاوية تحديدا.

الاستنتاجات:

لقد شاءت الدول الاستعمارية وفق سايكس-بيكو إلى تقسيم الوطن العربي إلى حلقتين أساسيتين في مفهوم الأمن القومي وفق الرؤيا الأمنية الخالصة:

دول تحت الحماية الأمنية الأجنبية وعلى رأسها دول الخليج.

دول الحاجة وهي الدول العربية نكاد نقول الفقيرة.

وعلى هذا الأساس تم زراعة الطبقية الاجتماعية في الوطن العربي حتى نكاد أيضا إن نقول طبقة أسياد وشبه عبيد وهذا كان عائق كبير في تحقيق مفهوم أمن قومي عربي مشترك.

لا يوجد تحديد مشترك عند الدول العربية لمواصفات الأعداء "أعداء الأمة" ولا حتى الأصدقاء، وهذا وضح جليا إبان الحرب الباردة التي انقسم العالم فيها على معسكرين، وحتى يومنا هذا سواء بعد تنامي النفوذ الروسي الذي جابه وبقوة الهيمنة الأمريكية أو بروز بعض القوى الإقليمية وخاصة إيران.

الصدام المسلح الذي حدث بين بعض الدول العربية سواء المباشر أو غير المباشر ونذكر هنا المغرب والجزائر بعد استقلال الجزائر، وتدخل عبد الناصر في اليمن، وحرب المقاومة في الأردن، والصدام بين مصر السادات وليبيا معمر القذافي في السبعينيات من القرن الماضي، والكويت والعراق...إلخ، إلى أن وصلنا إلى ما يسمى بالربيع العربي الذي هو عبارة عن تقسيمه لما يسمى بنظرية شرق أوسط جديد على أساس ديني وعرقي وطائفي، انجرت فيه كل الدول العربية وانقسمت إلى عدة معسكرات.

  الصنيعة الأولى للجامعة العربية التي أسسها (أنتوني آيدين) والتي جاءت لإعطاء العرب بعض المكاسب الوهمية لنتائج الحرب العالمية الثانية وهي خّدمت على دولتي الانتداب لأنه ظهر في العالم قوى عظمى وهما أمريكا والاتحاد السوفيتي السابق الذين حسموا الحرب العالمية الثانية، وبالمناسبة لم يتناول ميثاق الجامعة العربية الأول الملف الأمني العربي، ومعاهدة الدفاع المشترك التي ظهرت في الخمسينيات من القرن الماضي، لم تتناول بوضوح العدوان أو المواقف من الأخطار الخارجية، وكانت أغلب نصوص الاتفاق مبهمة لان معظمها يدور في الإطار التنظيمي وليس العملياتي.

     بواقعية، إن أهداف الأمن القومي العربي لكل دولة على حدة لا يتوافق مع أي دولة عربية أخرى، كما أدى احتضان المعارضات بين الدول العربية إلى رفع وتيرة التوتر في بعض الأحيان فيما بينهم.

 الانقلابات العسكرية التي شهدتها الكثير من الدول العربية أثرت بشكل كبير على الاستقرار الدستوري للدولة، وأن التعديلات الدستورية كانت تصب في ميزاج الحاكم وليس من أجل مصالح شعبية تقتضيها بواعث التطور ولم تصب في المصلحة القومية العليا للأمة العربية.

     كما أن النظم السياسية للدول العربية الذي تنوع بين ملكي وجمهوري وأميري له أثر مباشر على الأمن القومي حيث غيب الديمقراطية ولم تعد هذه النظم شبية مثيلاتها في أوروبا التي أسس الحياة السياسية فيها هي الديمقراطية والملكيات هي ملكيات دستورية تعمل بالنظام البرلماني وجعلت الملك تقليد شرفي كما في اسبانيا وبريطانيا وبلجيكا. إلخ.

التوصيات

من أجل الحفاظ على المكتسبات الوطنية ومجابهة التحديات والتهديدات الخارجية للأمن القومي الفلسطيني يفرض علينا بناء نظرية أمن قومي فلسطيني وإستراتيجية متكاملة بهدف تحقيق مشروعنا الوطني وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة.

ضرورة الانطلاق بإستراتيجية فلسطينية متكاملة للحفاظ على كينونة المجتمع الفلسطيني ونظامه السياسي، بهدف تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة.

ضرورة اتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة لصيانة الأمن القومي العربي ليقوم بدوره الفاعل في قضايا الأمة وفي حماية نفسه من المخاطر الجسيمة التي تحيط بالعالم العربي في ظل تنامي "الإرهاب" و"التنظيمات المتطرفة".

عدم انخراط الفلسطينيين في أي تجاذب عرقي أو طائفي أو ديني في المرحلة الحالية إلى أن تتضح ملامح التوجه العالمي وخاصة بعد دخول روسيا بقوة في المنطقة وإنشاء بعض التحالفات الإستراتيجية.

يجب أن نتصرف على أن تقسيمة شرق أوسط جديد وفق الرؤية الأمريكية قد أصبحت من الماضي وإن كان لابد من توزيع جديد في المنطقة فلابد أن يكون هذا التوزيع بمثابة نسف لسايكس-بيكو، أي أن جغرافية سايكس-بيكو في طريقها للانتهاء.

التدخل الروسي في المنطقة وفق معاهدة التدخل المشترك مع سورية وتشكيل تحالف إيراني-روسي-سوري والعراق ليست بعيدة عنه يحتم على صناع القرار العربي استبعاد التجاذب الطائفي لان إسرائيل غير راضية عن التدخل الروسي وهو لم يأتي لتحقيق المصالح الإسرائيلية.

إنعكاسات مصالح الامن القومي لدول على القضية الفلسطينية' - ملف Word اضغط هنا

المراجع

أبو عابدة أشرف، التحديات الإقليمية للأمن القومي العربي ومدى انعكاسها فلسطينيا، مركز التخطيط الفلسطيني، 2016.

البابا، جمال، الأمن القومي الفلسطيني مرتكزات وتحديات، مركز التخطيط الفلسطيني، غزة، 2016.

الأسطول، كمال محمد. محاضرات في الأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية، برنامج الماجستير، جامعة الأزهر، غزة: 2010.

الاسطل، كمال محمد. الحساينة، تيسير علي: مرتكزات الأمن القومي العربي مقابل مرتكزات الأمن القومي الإسرائيلي، جامعة الازهر، 2010.

الاسطل، كمال محمد. فيصل، نعمان عبد الهادي: تحديات الأمن القومي العربي ومستقبل العلاقات العربية – الإسرائيلية، جامعة الازهر، 2010.

الأسطل كمال محمد، الأمن القومي والقضية الفلسطينية- محاضرات-كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية-جامعة الأزهر بغزة-2009.

إدريس محمد السعيد، إيران والأمن القومي العربي، معهد الدوحة للدراسات العليا، 2011. عنوان الموقع الالكتروني: http://www.dohainstitute.org/release/33849406-856c-4834-ac21-ce38b0074ae7

حوات محمد علي، مفهوم الشرق أوسطية وتأثيرها على الأمن القومي العربي، القاهرة، 2002.

الخطاب فارس، الأمن القومي العربي بعد الربيع العربي، موقع الجزيرة نت.

المشاط عبد المنعم، نظرية الأمن القومي العربي المعاصر- دار الموقف العربي-1980.

معهد البحوث والدراسات العربية، الأمن القومي العربي: أبعاده ومتطلباته، المحرر عبد المنعم المشاط، القاهرة: 1993.

المنير محمود، الأمن القومي العربي 2015 واقع وافاق المستقبل، ساسه بوست. http://www.sasapost.com/opinion/arab-national-security-2015/

سليمان منذر، نحو إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي العربي ومرتكزاته، موقع اللجنة العربية لحقوق الإنسان، http://www.achr.eu/art381.htm

عبد العاطي، صلاح، مشروع الشرق الأوسط وتداعياته على الأمن القومي العربي، الحوار المتمدن، العدد 1828، 16/2/2007، على الرابط:  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=88815

هويدي  أمين، أزمة الأمن القومي العربي-دار الشروق-القاهرة-2005.

عبد الفتاح بشير، السياسة التركية في محيط إقليمي متغير، القاهرة: شئون عربية، العدد157، 2014.

قاعود يحي سعيد، التحديات الخارجية للأمن القومي الفلسطيني، مركز التخطيط الفلسطيني، 2016.

مجلة الوعي، جامعة الدول العربية تؤدي دورها، العدد 268 ، السنة الثالثة والعشرون ، مايو 2009م، عنوان موقعها الالكتروني: http://www.al-waie.org/issues/268/article.php?id=748_0_60_0_C

مقال بعنوان تحديات الأمن القومي العربي والتحدي العلمي، الموقع الإلكتروني للمركز الفلسطيني للإعلام www. Palestine – info  بتاريخ 12/2/2010

[1] الاسطل. كمال محمد. الحساينة، تيسير علي: مرتكزات الأمن القومي العربي مقابل مرتكزات الأمن القومي الإسرائيلي، ص9-10‏. 

[2] الأسطل. كمال محمد، محاضرات في الأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية، برنامج الماجستير، جامعة الأزهر، غزة: 2010.

[3] نفس المرجع.

[4] الخطاب فارس, الامن القومي العربي بعد الربيع العربي, موقع الجزيرة نت.

[5] الاسطل, كمال محمد. فيصل, نعمان عبد الهادي: تحديات الأمن القومي العربي ومستقبل العلاقات العربية – الإسرائيلية. ص2.

[6] الأسطل كمال محمد، محاضرات في الأمن القومي العربي والقضية الفلسطينية، برنامج الماجستير، جامعة الأزهر، غزة: 2010.

[7] مقال بعنوان تحديات الأمن القومي العربي والتحدي العلمي، الموقع الإلكتروني للمركز الفلسطيني للاعلام www. Palestine – info بتاريخ 12/2/2010.

[8] المنير محمود، الامن القومي العربي 2015 واقع وافاق المستقبل، ساسه بوست.

[9] الخطاب فارس، الامن القومي العربي بعد الربيع العربي, موقع الجزيرة نت.

[10] البابا جمال، الامن القومي الفلسطيني: مرتكزات وتحديات، مركز التخطيط الفلسطيني.

[11] إدريس محمد السعيد, إيران والامن القومي العربي, معهد الدوحة للدراسات العليا, 2011.

[12] عبد العاطي, صلاح, مشروع الشرق الاوسط وتداعياته على الامن القومي العربي, الحوار المتمدن, العدد 1828, 16/2/2007, على الرابط:

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=88815

[13] حوات محمد علي، مفهوم الشرق أوسطية وتأثيرها على الامن القومي العربي، القاهرة, 2002.

[14] أبو عابدة أشرف، التحديات الاقليمية للأمن القومي العربي ومدى انعكاسها فلسطينيا، مركز التخطيط الفلسطيني, 2016.

[15] عبد الفتاح بشير، السياسة التركية في محيط إقليمي متغير، القاهرة: شئون عربية, العدد157, 2014.

[16] مجلة الوعي، جامعة الدول العربية تؤدي دورها، العدد 268، السنة الثالثة والعشرون، مايو 2009م

[17] قاعود يحي سعيد، التحديات الخارجية للأمن القومي الفلسطيني، مركز التخطيط الفلسطيني, 2016.