نيسان شهر الآلام والأحزان الفلسطينية وذكرى فاجعة اغتيال أمير الشهداء

تابعنا على:   18:09 2021-04-23

اللواء/ د. محمد أبو سمره

أمد/ يأتي شهر نيسان / إبريل من كل عام حاملاً لنا معه ذكريات لاحصر لها مسكونة بآلامنا وأحزاننا وتضحياتنا ومعاناتنا وأوجاعنا الفلسطينية والعربية المستمرة والمتواصلة، ومن بين هذه الذكريات على سبيل المثال لا الحصر:

ــــــ 04/04/1920 اندلاع ثورة بلدة ومقام النبي موسى.

ــــــ 26/04/1920 انتهاء أعمال (مؤتمر سان ريمون)، والذي كان من نتائجه المصادقة على وعد بلفور المشئوم،  واعلان الإنتداب البريطاني( رسمياً) على فلسطين، رغم أنَّ الاحتلال البريطاني الفعلي لفلسطين تم قبل ذلك بثلاث سنوات.

ــــــ 15/04/1936 انطلاق الثورة الفلسطينية الكبرى بقيادة نائب الشيخ الشهيد الإمام عز الدين، الإمام الشهيد الشيخ فرحان السعدي، وهي امتداد  مستمر ومتواصل للثورة القسَّامية المجيدة.

ـــــ3/4/1948 احتلال وسقوط بلدة القسطل المقدسية، بعد النصر والصمود الأسطوري، نتيجةً لقلة السلاح والعتاد ونفاذ ذخيرة المجاهدين والمقاومين .

ــــ 8/4/1948 استشهـاد قائد الجهاد المقدس عبد القادر الحسيني.

ــــ 9/4/1948 مجزرة دير ياسين، قرب القدس المحتلة، التي نفذتها (عصابة الأورغون الإرهابية الصهيونية) بقيادة زعيم العصابة الصهيونية الإرهابية المتوحشة، الإرهابي المجرم مناحيم بيغن زعيم ،  وراح ضحيتها 250 شهيداً فلسطينياً.

ـــــ 17/04/1948 موافقة الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار الهدنة بين الدول العربية والعصابات الصهيونية في أعقاب حرب العام 1948.

ــــــ 18/4/1948 سقوط واحتلال مدينتي طبريا وصفد وتهجير ونزوح أهلهما، عقب انتصاراتهم وبطولاتهم المتتالية وصمودهم الأسطوري، وذلك نتيجة للمذابح الصهيونية البربرية التي ارتكبتها العصابات الإرهابية الصهيونية المجرمة بحق أهالي المدينتين الباسلتين، وبحق أهالي عشرات القرى التابعة والمجاورة لهما.

ــــ 22/4/1948 سقوط واحتلال مدينة حيفا، وتهجير أكثر من 75%من أهلها عقب ارتكاب العصابات الصهيونية المجرمة لأكثر من مجزرة بحقهم.

ــــ 13 /4/ 1975 اشتعال مؤامرة الحرب الأهلية في لبنان، والتي كانت شرارتها ارتكاب الميليشيات المسيحية المارونية الإرهابية المرتبطة بالعدو الصهيونية، مجزرةً بحق حافلة فلسطينية كانت تقل فلسطينيين مدنيين أبرياء عزَّلاً في منطقة عين الرمانة في بيروت الشرقية وكان الهدف الرئيس من وراء اشعال فتيل الحرب الأهلية في لبنان، تصفية الوجود الفلسطيني في لبنان والقضاء على الثورة الفلسطينية، واستنزاف الفلسطينيين واللبنانيين، لتمهيد الطريق لاحقاً لتنفيذ الاجتياحات الصهيونية المتكررة للبنان أعوام 1976، و1978، و1982، واحتلال مساحات كبيرة من الأراضي اللبنانية والوصول حتى العاصمة بيروت، ثم طرد قوات الثورة الفلسطينية من لبنان عقب الاجتياح الصهيوني للبنان صيف 1982 واحتلال العاصمة بيروت، وارتكاب العدو الصهيوني أبشع المجازر بحق الفلسطينيين واللبنانيين، وخصوصاً مجزرتي صبرا وشاتيلا، اللتان أُستشهد فيهما آلاف الفلسطينيين المدنيين العزَّل .

ــــ 16/4/1988 اغتيال العدو الصهيوني لأمير الشهداء أبوجهاد خليل الوزير، في تونس.

ــــ 18/4/1996 مجزرة قانا في جنوب لبنان.

ـــ 17/4/2004 اغتيال العدو الصهيوني لقائد وزعيم حركة حماس د.عبد العزيز الرنتيسي

ــــــ 17إبريل / نيسان من كل عام، يوم الأسير الفلسطيني، والذي اعتبره أيضاً يوماً خاصاً بي كأسيرٍ فلسطيني محرر أمضى في سجون الاحتلال عشرة أعوام من عمره، وعامٌ آخر على الحدود بانتظار العودة إلى الوطن. 

اضافة إلى هذه التواريخ الهامة والذكريات الأليمة التي يستحضرها لنا معه شهر نيسان/ إبريل من كل عام، فهناك أيضاً ذكريات عشرات المجازر التي ارتكبتها العصابات الصهيونية المجرمة ضد أهلنا وشعبنا الفلسطيني، قبل وبعد نكبة 1948، وكذلك ذكريات اغتيال واستشهــاد الآلاف من قادة وأبطال وفرسان وكوادر الثورة الفلسطينية الحديثة والمعاصرة منذ نهايات القرن قبل الماضي، مروراً بالثورة الفلسطينية الكبرى التي  امتدت من عام 1918، وحتى النكبة الفلسطينية الكبرى عام 1948، ثم استمرت وتواصلت حتى نكبة عام 1967، ومازالت مستمرة حتى يومنا هذا، وغير ذلك من الذكريات الأليمة والحزينة التي تمتلئ بها الذاكرة الفلسطينية طيلة أيام شهر نيسان/ إبريل من كل عام ، وكأن هذا الــ "نيسان"، أصبح شهراً خاصاً بالأحزان الفلسطينية والعربية.

ومن المفارقة أنَّ لي على اللمستوى الشخصي نصيباً من شهر نيسان إبريل، حيث يصادف يوم 17إبريل/ نيسان ذكرى مولدي في حي الشجاعية بمدينة غزة الباسلة، بينما يصادف يوم 11إبريل / نيسان الذكرى السنوية لإبعادي عن فلسطين المحتلة إلى لبنان رفقة سبعة أخوة آخرين من الضفة والقطاع، لدورنا في تفجير وقيادة الانتفاضة الأولى، ومقـاومة الاحتلال، وكان الإبعاد والنفي من فلسطين المحتلة، هو الحدث المفصلي والنقلة النوعية الأكثر أهمية في حياتي وتاريخي النضالي وواجبي الوطني. ومابين الذكرى السنوية لإبعادي عن فلسطين المحتلة يوم 11إبريل / نيسان، ويوم مولدي 17إبريل / نيسان، يأتي يوم 16إبريل/ نيسان، حاملاً معه ذكرى الفاجعة الكبرى لاغتيال أمير الشهداء أبوجهاد / خليل الوزير، تلك الذكرى الأليمة التي قصمت ظهورنا وجعلتنا نشعرُ باليُتم، نحن وجميع الوطنيين الفلسطينيين والشرفاء والأحرار، وأحرار العرب والعالم، فلقد كان الشهيد القائد الكبير أبوجهاد رحمه الله تعالى، الأب الشرعي للمقاومة الفلسطينية بكافة انتمائاتها وفصائلها وتوجهاتها، ولكل طلقةٍ أو قذيفةٍ أُطلقت أو قنبلةٍ أُلقيت نحو العدو الصهيوني، أو عبوةٍ أو متفجرةٍ تم زرعها وتفجيرها في آلية من آليات العدو داخل الوطن المحتل، وكل صاروخٍ أو قذيفةٍ صاروخية تم قصف ودك مستوطنات العدو بها، وهو أيضاً كان الأب الشرعي لكافة أشكال النضال والكفاح والمقاومة الجماهيرية والشعبية والسياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية والطلابية للاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة. وكان أبوجهاد رحمه الله قريب جداً من جميع الفصائل الفلسطينية والتوجهات والمجموعات، وقدم الدعم لكل من سعى لمقاومة الاحتلال أو لمناصرة القضية الفلسطينية، حتى لو بالكلمة والقصيدة والرواية والقصة والمجلة والصحيفة والكتاب والأغنية والمسرحية والسينما والأفلام الوثائقية والفن التشكيلي وكافة مجالات الفنون الأخرى، وأقام علاقات متينة مع معظم الأحزاب وقوى التحرر العربية والإسلامية والعالمية، وكان شمولياً في نظرته وفهمه وقيادته لمشروع المقاومة.

 وشكَّل الزعيم الفلسطيني الخالد، القائد المؤسس الشهيد أبوعمارـــ ياسر عرفات  رحمه الله، مع أخيه ورفيق دربه وشريك مشروعه الثوري والوطني وكفاحه الأسطوري، أمير الشهداء القائد الكبير أبوجهاد ــــ خليل الوزير، ثنائي إستثنائي فريد ونادر الصفات والخصائص، وكانا رحمهما الله تعالى، توأمان مميزان  يشتركان معاً في كافة تفاصيل العمل الثوري والوطني وشموليته، ويكملان بعضهما البعض في كل شيء، مع احتفاظ كل واحدٍ من الزعيمين الخالدين بكاريزما وصفاتٍ خاصة به، واشتراكهما في الكثير من الصفات الرائعة والجميلة والفريدة والمميزة، التي تجعل كل واحدٍ منا يشعر أنَّه الأٌقرب إليهما من بين كل الذي يعرفونهما عن قرب ويعملون معهما أوبتوجيهاتهما. ولي الشرف والفخر أنني كنتُ على علاقةٍ عمل تاريخية مع أمير الشهداء أبوجهاد رحمه الله تعالى، ومع الزعيم التاريخي والقائد المؤسس الشهيد أبوعمار رحمه الله، وكذلك مع العديد من كبار قادة حركة فتح والثورة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكان أملي ألآَّ يطول الوقت إثر إبعادي إلى لبنان، حتى ألتقي مع الأخ أبوجهاد، حيث كانً رحمه الله يحثني على عدم البقاء في لبنان كثيراً، والمسارعة مع بقية المبعدين للسفر إلى تونس واللقاء معه، وهذا بالفعل ماكنتُ أتمناه على المستوى الشخصي، ولكنَّ للأسف لم تمضِ سوى خمسة أيام على إبعادنا إلى لبنان، حتى قام العدو الصهيوني باغتيال الأخ أبوجهاد رحمه الله تعالى في تونس فجر يوم السبت 16إبريل/ نيسان 1988، وبمقدار ما أحدثته هذه الجريمة الصهيونية الوحشية من صدمة لدى الفلسطينيين والعرب والمسلمين وجميع أنصار ومحبي ومؤيدي القضية الفلسطينية، فلقد كانت بالنسبة لي ولمعظم زملائي ورفاقي المبعدين إلى لبنان بمثابة المصيبة والفاجعة الكبرى، وقد أُصيب أغلبنا بحالة من الذهول والصدمة وعدم المقدرة على الكلام، وبلغ بنا الحزن حداً لايمكن وصفه، خاصةً أنني وبعض الأخوة المبعدين كنا على اتصال مباشر من داخل فلسطين المحتلة وتربطنا علاقةٍ عمل وتعاون وتواصل وطيدةٍ مع الأخ أبوجهاد رحمه الله تعالى، وكانت شهادته بالنسبة لنا كمن فقد الأب والسند والراعي والمعين والظهر، وأصبحنا بشهادته كالأيتام تماماً، وأصابتنا حالة تشبه (التيه)، ودخلنا في دوامةٍ من الحزن والبكاء والأسى مازلنا نشعر بغصًّتها حتى الآن.

وسيأتي الوقت إن شاء الله الذي أكتب وأؤرخ فيه وأسجل شهادتي للتاريخ، حول طبيعة العلاقة التاريخية والعمل والتعاون مع القائدين التاريخيين المؤسسين أبوعمار وأبوجهاد رحمهما الله تعالى، ومع غيرهما من قادة الثورة والفصائل الفلسطينية، وذلك حسب ما تسمح به الظروف الخاصة التي نمر بها كشعبٍ فلسطيني مازال يخضع للاحتلال الصهيوني.

وكلمَّا حلَّ علينا شهر نيسان/ إبريل من كل عام، نستعيد معه ذكرياتنا الأليمة وأحزاننا وأوجاعنا الفلسطينية والعربية، ورغم أنَّ الزعيمين والقائدين الفلسطينيين التوأمين الخالدين  ياسر عرفات وخليل الوزير، لايغيبان أبداً عن الذاكرة الفلسطينية ، إلاَّ أن شهر الأحزان والآلام والأوجاع الفلسطينية، شهر نيسان / إبريل يأتي لنا في كل عام ليفجِّر بداخلنا نهر الآلآم والأحزان والأوجاع الذي لايتوقف. وليس وحده شهر إبريل/ نيسان الذي تمتليْ أيامه بتفاصيل ذكرياتنا الأليمة والحزينة والموجعة ، فكلِ شهر من شهور، وكل يومٍ من أيام العام يحمل لنا معه المزيد من تفاصيل مأساتنا ونكبتنا الفلسطينية الممتدة منذ أكثر من قرنٍ ونصفٍ من الزمان، ومازالت مستمرة في تفاصيلها المؤلمة والحزينة. رحم الله الشهداء القادة أجمعين، ورحم الله جميع شهداء شعبنا وأمتنا، وأسكنهم الله فسيح جناته ونعيمه ورضوانه، وشفى الله الجرحى، وعجَّل بفكاك واطلاق سراح الأسرى من سجون الاحتلال، وعودة جميع اللاجئين والمبعدين إلى فلسطين.

وللحديث بقية، إن بقي في العمر بقية، بإذن الله تعالى  ومشيئته. 

اخر الأخبار