الضفة الغربية عشية (أوسلو) وبعيد توقيعه

تابعنا على:   21:45 2021-09-22

سري سمور

أمد/ في المقال السابق (المقاومة في الضفة.. ملفات شائكة وأسئلة كبيرة) استعرضت وضع الضفة الغربية إجمالاً من الناحية الجيوسياسية من منظور الواقع لا رومانسية الآمال.

وعند نشر المقال السابق كان قد اعتقل أربعة من أسرى (نفق الحرية)، والآن عند كتابة هذا المقال اعتقل الأسيرين (أيهم كممجي ومناضل نفيعات) وبهذا يكون الاحتلال قد أعاد اعتقال الأسرى الستة متباهيًا بتحقيق (صورة نصر) أنفق عشرات ملايين الدولارات في سبيل التقاطها.

وأيضا أظهرت الردود والتعليقات بعيد اعتقال أيهم ومناضل أن ثمة حالة من الجهل أو التجاهل للظروف الموضوعية في الضفة الغربية، ولهذا سأواصل الكتابة الهادئة المتدرجة عن الضفة الغربية ومقاومتها بالبحث والإشارة إلى عوامل مفصلية وظروف تاريخية حاسمة.

الأوضاع قبيل أوسلو

مرت منذ أيام ذكرى توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين "م.ت.ف" والكيان الصهيوني (13/9/1993) أو اتفاق أوسلو، وقد كان للاتفاق وما زال تأثير وتداعيات وتغيرات وتبدلات على واقع الضفة الغربية وبالتأكيد على طبيعة المقاومة فيها.

ولكن كيف كان حال الضفة الغربية عشية التوقيع على اتفاق أوسلو، والمراحل الأولى لتطبيقه؟

من المعروف أن انتفاضة الحجارة التي اندلعت في كانون أول/ ديسمبر 1987 واستمرت بوتيرة غير ثابتة حتى غداة توقيع اتفاق أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993 مع بقاء بعض جيوب المواجهات التي اتسمت بها تلك الانتفاضة (رشق الحجارة على جنود الاحتلال والإضرابات وكتابة الشعارات على الجدران...إلخ) قد خلقت وبسرعة وربما منذ الأسابيع الأولى لاندلاعها واقعًا جديدًا مختلفًا عمّا سبقه (لا داعي لاستعراض المرحلة السابقة للانتفاضة) في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن غزة ليست محور حديثنا؛ فقد صار المواطنون يتجرؤون كثيرًا على سلطات الاحتلال التي كانت تعدّ عليهم أنفاسهم وتتحكم تمامًا بكل مناحي حياتهم المدنية قبل الانتفاضة، وتغيرت نظرة المجتمع إلى الأفراد ومكانتهم؛ فقد أصبحت قيمة الفرد ليس بارتباطه بهذا النظام العربي أو ذاك ولا بما معه من مال أو تحصيل علمي أو إلى الحسب والنسب، بل بما يقدمه من تضحيات واستبسال في ميدان المواجهات، وصارت الشهادة والإصابة والاعتقال هي أرفع الأوسمة الاجتماعية بوضوح.

وقد برزت قيادات جديدة حازت على محبة الجمهور وثقته من بوابة الانتفاضة، لا من الخلفية العائلية أو غيرها من الخلفيات التي سادت قبل الانتفاضة، كما أن الانتفاضة أنهت أو قلصت إلى درجة كبيرة ملحوظة مظاهر اجتماعية سيئة كانت موجودة علنًا في العديد من المدن والتجمعات السكانية مثل تعاطي المخدرات وشرب الخمور وبث الأفلام الإباحية في دور السينما (أغلقت دور السينما جميعها في بواكير الانتفاضة) أو ممارسات غير لائقة في المناسبات وحفلات الأعراس، وبعد الانتفاضة كان ينظر إلى من يمارس الممارسات غير الأخلاقية والمحرمة دينيًّا مثل شرب الخمر على أنه مشبوه أمنيًّا وفق قاعدة جرى تعميمها على الجمهور (الساقط أخلاقيًّا من السهل أن يسقط أمنيًّا).

لكن مع التراجع الملحوظ في حدة المواجهات وتدهور التعليم بسبب إغلاق سلطات الاحتلال للمدارس والجامعات فترات طويلة متواصلة، وما تولّد من أحقاد عائلية وشخصية بسبب ملف تصفية العملاء واستجواب المشبوهين، وتأثيرات حرب الخليج الثانية التي دمرت القوة العسكرية العراقية؛ طفت على السطح مظاهر جعلت قطاعًا لا يستهان به من الناس يطالب سرًّا وعلنًا بالعودة إلى روتين الحياة العادية مهما كان الثمن أو الحصاد السياسي.

ففي خضم المواجهات طلبت قوى الانتفاضة من عناصر الشرطة الفلسطينيين المنخرطين في سلك الشرطة الإسرائيلية تقديم استقالاتهم فورًا، ومن رفض الاستجابة كان يصنف في دائرة الخيانة، ويتعرض للملاحقة الخشنة من شبان الانتفاضة ونشطائها، وامتنع الفلسطينيون في عموم الضفة الغربية عن تقديم شكاوى إلى الأجهزة والمؤسسات الإسرائيلية، وشكلت لجان محلية لفض النزاعات وإحلال ثقافة الصلح والتسامح بين المتخاصمين، مع التنويه إلى أن النزاعات والخلافات كمًّا ونوعًا كانت أقل بكثير جدًّا مما باتت عليه اليوم، بل اعتبرت أي خلافات لا تنتهي بالصلح والوئام، خدمة للاحتلال وإعاقة لأهداف الانتفاضة.

لكن مع تراجع زخم الفعل الشعبي في الانتفاضة والعوامل السياسية والاجتماعية التي ذكرتها آنفًا، عادت النزاعات والثارات بطريقة ملحوظة وبزخم لم يشهده الشارع الضفاوي لا قبل الانتفاضة ولا في أوجها، وانتشرت الأسلحة النارية بيد عائلات وأفراد، وتفشت مظاهر الاستزلام، مما جعل الشعور بفقدان الأمن والأمان طاغيًا على عامة الناس... وأيضًا لم يعد النضال وما يتولد عنه هو القيمة الوحيدة للتميز، فقد عادت المكانة لمن يملك المال أو الدرجة العلمية مثلاً، لتزاحم مكانة المناضلين التي كانت مطلقة في تسيّدها للمشاعر والاهتمام الشعبي!

بالتوازي مع ذلك كانت هناك ظاهرة (عسكرة الانتفاضة) والتي يمكن القول أنها برزت بوضوح في 1990 ولاحقًا له، في حالة تطغى على ما سواها من مظاهر العمل ومشهد الانتفاضة العام، وتزايدت مظاهر العسكرة بعد ذلك حتى لربما صارت هي المظهر الوحيد للانتفاضة، وتتلخص الظاهرة بإفراز الفصائل الفلسطينية الرئيسة مجموعات وخلايا مسلحة بمسدسات وبنادق، تقوم بعمليات مثل تصفية العملاء والجواسيس وإطلاق النار على قوات الاحتلال والمستوطنين، وطبعا يصبح أفرادها على رأس قائمة المطلوبين لسلطات الاحتلال التي كانت تقوم بتصفية واعتقال أفراد هذه الخلايا.

ولكن التحوّل الأبرز كان تشكيل حركة المقاومة الإسلامية "حماس" جناحًا عسكريًّا ضاربًا عمل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق فلسطين المحتلة عام 1948 واتسم عمله بالسرّية الشديدة والتمحيص الدقيق عند اختيار العناصر، ورغم تعرض هذا الجهاز الضارب لحماس لحملات شرسة محمومة من مخابرات الاحتلال وجيشه، كان قادرًا على تجديد نفسه باستمرار والعودة إلى الضرب  من جديد وبقوة أكثر مما سبق.

وقد أدخل على العمل المقاوم داخل فلسطين المحتلة أعمالاً نوعية غير مسبوقة تقريبًا؛ مثل خطف جنود إسرائيليين للمطالبة باستبدالهم بأسرى فلسطينيين خاصة الشيخ أحمد ياسين الذي كان معتقلاً ومحكومًا بالمؤبد، ومع أنه لم تنجح أية عملية تبادل في تلك الفترة، ولكن هذا النوع من العمليات (أغلبها نفذتها خلايا حماس من الضفة والقدس) رفع الروح المعنوية للفلسطينيين كثيرًا، وأيضًا عمليات اختراق لجهاز المخابرات الإسرائيلية (الشاباك) حيث يتظاهر أفراد من حماس بأنهم صاروا عملاء ويستدرجون ضابط المخابرات ويتم قتله والاستيلاء أحيانًا على وثائق بحوزته، ومن أبرزهم ماهر أبو سرور من مخيم عايدة قرب بيت لحم، وعبد المنعم أبو حميد من مخيم الأمعري، في رام الله، وبالمناسبة عبد المنعم شقيق الأسير ناصر أبو حميد الذي كان ناشطا في مجموعات (الأسد المقنّع) التابعة لفتح في منطقة رام الله، واعتقل وكان أسيرًا عند استشهاد عبد المنعم وأفرج عنه بعد أوسلو، وأعيد اعتقاله وما زال قابعًا في الأسر بسبب نشاطه في كتائب شهداء الأقصى، ولهما أيضا شقيق (إسلام) محكوم بالمؤبد منذ 2019 بعد قيامه بقتل جندي إسرائيلي بلوح رخام في مخيم الأمعري. 

اختراق عناصر من حماس في الضفة الغربية  للشاباك، جعل الأجهزة الإسرائيلية في حالة هلع وقلق، فهي تعتمد كثيرًا على العملاء والجواسيس، وكسر في أعين الجمهور أساطير تفوق العدو الاستخباراتي.

أما الأسلوب النوعي الثالث الذي أدخله الجناح العسكري لحماس على العمل المقاوم في فلسطين، والذي ظل حكرًا عليها وعلى الجهاد الإسلامي طيلة تسعينيات القرن الماضي فهو (العمليات الاستشهادية) وبروز ظاهرة المهندسين وأبرزهم كما نعلم الشهيد المهندس (يحيى عياش) الذي ظل كابوسًا مؤرقًا لرابين ثم بيريز وهيئة أركان الجيش الصهيوني ولأجهزة الأمن الصهيونية بضع سنين.

تيجة تصعيد حماس والجهاد الإسلامي للعمل العسكري، فقد تحولتا إلى هدف يُضرب ويلاحق بشراسة من قبل سلطات الاحتلال، وصار رابين لا يلقي كلمة أو خطابا إلا ويتوعدهما بالانتقام، وقد نفذ الاحتلال عمليات اغتيال واعتقالات وإبعاد إلى مرج الزهور بحق كثير من قادة وعناصر وأنصار الحركتين، ولكن تلك الحملات كما لوحظ لم تستطع النيل من تصاعد الفعل العسكري الحمساوي في أرجاء فلسطين كلها.

بالتوازي مع هذا التصعيد الملحوظ المرتبط بانكماش العمل الشعبي الذي ميّز سنوات الانتفاضة الأولى، والذي تصدرته حركات إسلامية لا تخفي أيديولوجيتها ولا هدفها بإزالة "إسرائيل" من الخريطة، كان هناك توجه أمريكي وأوروبي ودولي عمومًا نحو إيجاد صيغة تسوية وتوليد عملية سياسية ولو مؤقتة، وجاءت مصطلحات مكافحة الإرهاب والأصولية دافعًا لهذا التوجه، وكانت المفاوضات في العاصمة النرويجية أوسلو قد نضجت وتوّجت بالإعلان عنها وتوقيع البنود الأساسية لها في 1993.

وقد صعدت حماس -غير آبهة بنتائج الاتفاقيات التي رفضتها- من وتيرة عملياتها العسكرية بطريقة لم يسبق لها مثيل، لا سيما بعد قيام مستوطن يهودي بتنفيذ مجزرة بشعة راح ضحيتها عشرات المصلين في المسجد الإبراهيمي في الخليل أثناء سجودهم في صلاة فجر يوم الجمعة منتصف رمضان في شباط/ فبراير 1994، أي بعد شهور قليلة على توقيع الاتفاق في واشنطن، وقد طالبت حماس قيادة "م.ت.ف" بنفض يدها من الاتفاق وملحقاته، ردًّا على المجزرة، ولكن كان الدفع الشديد باتجاه إنجاح الاتفاق ولو جزئيًّا  أوسع و أقوى من المجزرة ومن ردود حماس القوية عليها.

وقد تم الانسحاب أو ما سمي إسرائيليًّا بإعادة الانتشار من مدينة أريحا وقطاع غزة (لا يشمل المستوطنات) في أيار/ مايو 1994، ثم في خريف 1995 انسحبت قوات الاحتلال من مراكز مدن الضفة الغربية وأخلت مقراتها التي تسلمتها قوى الأمن الفلسطينية بناء على اتفاقيات بعد مفاوضات ماراثونية، قلّما التزمت "إسرائيل" بشيء منها.

هذا الاستعراض المطول نسبيًّا للأوضاع عشية توقيع أوسلو وبعده وبعد تنفيذ بعض ما جاء فيه، يضعنا في صورة تتضح أكثر فأكثر لتداخلات وتعقيدات الأوضاع خاصة في الضفة الغربية وتشابكات؛ آمل أن يبصرها القارئ.

في المقال القادم بمشيئة الله سأتحدث أكثر عن نظرة الجمهور الفلسطيني للأمور في تلك المرحلة المفصلية، وعن الأوضاع الجديدة التي فرضتها مرحلة أوسلو.

كلمات دلالية

اخر الأخبار