إستشهاد “شيرين أبو عاقلة” نقطة إنطلاق للقضية الفلسطينية

تابعنا على:   18:31 2022-05-13

اللواء محمد إبراهيم

أمد/ من المؤكد أن إستشهاد الإعلامية الفلسطينية الكبيرة “شيرين أبو عاقلة” لم يكن الحادث الأليم الأول فى فلسطين ولن تكون عملية إستشهادها هى العملية الأخيرة ، وسوف تظل دائرة العنف والقتل والإنتقام والمقاومة والإستشهاد قائمة ومتواصلة مادام هناك إحتلالاً إسرائيلياً للأراضى الفلسطينية ، وقد تهدأ هذه الأحداث فترة من الوقت ولكنها قد تتصاعد فى فترات أخرى إلى درجة غير محسوبة وتخرج عن السيطرة .

*** وقد راودنى سؤال هام وأنا أتابع هذا الزخم المحلى والإقليمى والدولى الغير مسبوق الذى نجم عن مرحلة مابعد عملية إغتيال صحفية مميزة بحجم الشهيدة “أبو عاقلة” ومفاد سؤالى هو هل سوف ينتهى هذا الزخم بمجرد أن يوارى جسدها الطاهر التراب مثلها مثل مئات الشهداء الذين سبقوها ؟ أم سوف ينجم عن عملية الإغتيال الغادرة بعض الإرهاصات والأنشطة التى يمكن أن تتواصل بقوة أو تنتهى خلال وقت لن يطول كثيراً؟.

وفى كل الأحوال من الضرورى أن تتكاتف كافة الجهود من أجل الوصول إلى الجناة المسئولين عن هذا الحادث الإجرامى وتقديمهم إلى العدالة والقصاص منهم لاسيما وأن هذا الحادث يعد جريمة متكاملة الأركان لا يمكن أن تمر دون عقاب ومسائلة ، وهذه هى الخطوة الأولى والعاجلة التى يجب أن يتم التركيز عليها من أجل إتخاذ الإجراءات المطلوبة للمحاسبة على هذه الجريمة التى يجب ألا يفلت مرتكبوها من العقاب .

وفى رأيى يجب ألا تنتهى قضية إستشهاد “أبو عاقلة” عند حد محاسبة المسئولين عن إغتيالها رغم أن ذلك يعد مسألة ضرورية لا يجب التنازل عنها مهما حدث ، إلا أن الأمر الذى أطالب أن يتم التفكير فيه جيداً هو كيف يمكن إستثمار هذا الحادث من أجل تحرك أوسع وأشمل بمعنى ألا يقتصر أى تحرك مزمع على البحث عن الشق الجنائى فقط رغم حتميته بل يجب التركيز على الجانب السياسى أيضاً وكيف يمكن أن يكون إستشهاد “إبنة فلسطين البارة” نقطة إنطلاق نحو تنشيط القضية الفلسطينية بل وتحقيق تقدم بشأنها .

وإذا كان المجتمع الدولى قد ركز فى البداية وبشكلٍ واضح على حادث الإغتيال وتداعياته وهو أمر طبيعى ، إلا أنه يجب ألا يقتصر الأمر على هذا الجانب فقط حيث أن هناك جانباً آخر شديد الأهمية يتمثل إطاره العام فى أن عملية الإغتيال تمت بواسطة قوات إسرائيلية على أرضٍ فلسطينية محتلة ضد مواطنة فلسطينية وهو ما يشير فى النهاية إلى أن هناك قضية يعانى منها شعب محتل لابد أن تجد طريقها للحل مهما كانت التعقيدات والعقبات.

وإذا كان لى أن أوجه رسائل محددة لبعض الأطراف فإنى أود أن أوجه الرسائل الخمس الهامة التالية :-

الرسالة الأولى أوجهها إلى روح الشهيدة “شيرين أبو عاقلة” ومفادها أنك أديت رسالتك الإعلامية لصالح القضية الفلسطينية على أكمل وجه ممكن بما ساهم فى نقل الأوضاع فى المناطق الفلسطينية إلى العالم أجمع ، إلا أن رسالتك السامية لم تنتهى حيث أن إستشهادك يجب أن يفتح المجال أمام تنشيط القضية الفلسطينية مرة أخرى وهو إنجاز سوف يحسب لك رغم غيابك .

الرسالة الثانية أوجهها إلى القيادة الفلسطينية ومفادها أن تنظيم جنازة رسمية للشهيدة “أبو عاقلة” بحضور الرئيس أبو مازن يعد تكريماً كبيراً لابد من إستكماله بتحركين الأول وهو ملاحقة الجناة المجرمين ومعاقبتهم ، والتحرك الثانى والضرورى هو إستثمار هذا الحادث فى إعادة القضية الفلسطينية إلى دائرة الضوء بخطوات عملية تبدأ بالتفاوض وتنتهى بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس الشرقية .

الرسالة الثالثة أوجهها إلى القيادة الإسرائيلية ومفادها ضرورة أن يكون هناك تحقيقاً شفافاً فى قضية إستشهاد “أبو عاقلة” ومعاقبة المجرمين أياً كانوا ، إلا أنه المهم أن تتفهم هذه القيادة وتعى أن دائرة العنف وعمليات المقاومة لن تتوقف بل يمكن أن  تتزايد فى المستقبل ، وأن الأمن الإسرائيلى لن تحميه إتفاقات التطبيع مع بعض الدول العربية بل سوف تحميه فقط مفاوضات جادة مع الفلسطينيين تؤدى إلى إقامة الدولة الفلسطينية التى سوف تكون البوابة الرئيسية لإستقرار المنطقة ، وأن على القيادة الإسرائيلية أن تكون على قناعة بأن إستمرار القضية دون حل عادل لن يكون فى صالح إسرائيل .

الرسالة الرابعة أوجهها إلى الولايات المتحدة ومفادها أن الأحداث فى المناطق الفلسطينية أصبحت متسارعة ومتلاحقة وقد تخرج عن السيطرة من جانب أى طرف ، ومن ثم فإن واشنطن مطالبة الآن بأن تترجم المبدأ الذى تتبناه وهو حل الدولتين إلى واقع عملى وبدء المفاوضات فى أقرب وقت ممكن ، ويظل سؤالى مطروحاً وهو ماذا تنتظر الإدارة الأمريكية من متغيرات حتى تتحرك ؟.

الرسالة الخامسة والأخيرة أوجهها إلى الدول العربية والدول الأوروبية ومفادها أنه من الضرورى إستثمار الزخم الذى إنبثق عن إستشهاد ” أبو عاقلة” فى إعادة الإهتمام للقضية الفلسطينية وتحديداً العمل الجاد من أجل إستئناف المفاوضات حتى يمكن إحتواء أى توتر محتمل فى المرحلة المقبلة والذى قد يصبح واقعاً خلال فترة قصيرة .

وفى النهاية ومع كل الحزن والألم الذى لحق بنا جميعاً من جراء إغتيال القوات الإسرائيلية إنسانة فلسطينية بريئة كانت تؤدى عملها بكل مصداقية وأمانة وحرفية ، إلا أنه يجب أن ننطلق من عملية إستشهاد “أبو عاقلة” إلى أفاق أخرى تعيد الزخم للقضية الفلسطينية وتكون بمثابة خطوة جديدة فى طريق لن يكون طويلاً إذا ما أحسنا السير فيه نحو إقامة الدولة المستقلة التى سوف تكون واقعاً فى يومٍ ما رغم كل ما تقوم به إسرائيل من محاولات فاشلة لإنهاء تلك القضية العادلة .