أمريكا والقارة الأوربية: استراتيجية جديدة لتطوير علاقات التبعية

تابعنا على:   11:56 2022-06-20

صالح عوض

أمد/ ليس هناك اصدقاء دائمون ولا اعداء دائمون بل هناك مصالح دائمة هذا ما يوصف به سلوك الولايات المتحدة..الى أي مدى يكون صحيحا توصيف الرئيس الروسي بأن أوربا قد فقدت سيادتها؟ والى أي مستوى يمكن أن يكون كلام الرئيس الروسي دقيقا بان العالم لم يعد بقطب واحد؟ هل تجر الولايات المتحدة بمعاركها وخساراتها الاقتصادية الرهيبة اوربا نحو خسارات لاتحتملها القارة التقليدية؟ أم انها تبقيها قفازات تضرب بها الخصوم وتفرض بها جبهة تحالف دولي وقت الحاجة من أجل اهداف استراتيجية.. واين تكون قد وصلت الرغبة الامريكية في ترسيمها للعلاقة مع اوربا على ضوء أزمة اوكرانيا؟ وبناء عليه اي مستقبل للدور الاوربي في مجمل القضايا الدولية لاسيما فلسطين؟

أمريكا الامبراطورية الاعظم:
بعد ان انتهت من قضاياها الداخلية في الحروب الداخلية والتي دفعت ثمنا باهضا فيها توجهت الولايات المتحدة الامريكية داخليا لبناء دولة قوية صناعية وتجارية وعسكرية وعلى الصعيد الخارجي تحركت للتوسع في دائرة نفوذها بدأب.. ومنذا البداية تزود صناع الامبراطورية بهاجس تاريخي منبثق عن سيرة الامبراطورية الرومانية وما هي اساباب انهيارها؟ وكانت هذه العقدة النفسية التي واجهت فلاسفة الامبراطورية الامريكية ومفكريها ولذا دفعت بكل قوتها لتدمير كل الخصوم العالميين لصناعة نموذج مختلف برؤية جديدة وهي التسيد على العالم وجندت في ذلك كل امكاناتها المعنوية والمادية واصبح كل شيء في الولايات المتحدة خاضعا لهذه الرؤية الكونية..

لم تكن هذه الرؤية محصلة تطور طبيعي لسياسة الدولة انما هي عقيدة دينية واستراتيجية لدى مجموعة من السياسيين ورجال المال واصحاب الشركات الكبرى..وقد أصبحت هذه الطبقة فوق الدولة وتستخدم الدولة في مشاريعها العملاقة لاسيما الحروب التي تكون مجال التربح المذهل لتلك الشركات على حساب دافع الضرائب وكذلك على حساب الدولة وقدرتها على توفير الخدمات الضرورية كالضمان الاجتماعي والضمان الصحي..

ومنذ ميلادها لم يخف اي زعيم من زعمائها انها بمثابة القوة النموذج التي ينبغي ان تفرض قيمها وسياساتها على الدول الاخرى وان الامبراطورية الامريكية تحمل للبشرية تصورا لحياة افضل.. ولهذا فلم يخل خطاب سياسي لاي زعيم امريكي من هذا المبدأ الواضح الا وهو مبدا التسيد.. وهكذا كانت النزعة الامبراطورية تسم سلوك الدولة الامريكية بلا توقف وفي ما يشبه بالضبط التجمعات البشرية في مراحل سابقة.

العلاقة الامريكية الاوربية:
لم تغب الولايات المتحدة رغم بعد المسافات عن مسرح الاحداث في اوربا والانحياز بوضوح لدول بعينها لاسيما بريطانيا فكان حضورها فاعلا في اسقاط الخلافة العثمانية وكانت الجيوش الامريكية حاسمة في تحقيق اختلال الموازين العسكرية بين تركيا والدول الاوربية.. واسهمت في تقسيم اراضي الرجل المريض واشتركت في صياغة وعد بلفور بمعنى انها اسهمت بشكل مباشر في انجاح مسار الاستعمار في طيعته الاخيرة على الوطن العربي والعالم الاسلامي.. وانهمكت وفي اواخر الحرب العالمية في ازاحة البريطانيين عن نفط المنطقة وفرض وجودهم من خلال شركات النفط..
جاءت الحرب العالمية الثانية لتخطف الولايات المتحدة الانتصار على النازية من الروس وتدعيه لنفسها.. ولقد بلغت الخسارات مبلغا عظيما في اقتصاد المجتمعات الاوربية وكانت بامس الحاجة لدعم الولايات المتحدة التي قامت بحملة اعادة تاهيل للبنية التحتية في مشروع عرف بخط مارشال والذي كان اهم حضور امريكي في الاقتصاد الاوربي الذي سينتعش ولكنه سيظل تابعا للاقتصاد الامريكي وشيئا فشيئا اصبح الدولار والدهب مرجعية كل العملات وانتهت بالدولار اي بالبنك الفيدرالي والذي اصبح متحكما في البنوك المركزية في العالم لاسيما اوربا وبالتبعية كل دول العالم الاخرى..
في سياق سيرها للتسيد على العالم كان لابد من شيطنة اي قوة تقف في وجهها.. فبغض النظر عن الطبيعة العنصرية النازية لدى هتلر الا انه نظروا اليه كخطر يتهدد سيطرتهم واحتمالية تسيدهم فلذلك دفعت بقوة لانهاء الخطر النازي واقصائه من المسرح وتقسيم المانيا نصفين وفرض شروط عليها تحطم سيادتها الوطنية.. وبخطواتها تلك اصبح الدول الاوربية اكثر التصاقا بالولايات المتحدة كونها الضامن للامن والاستقرار العالميين.

على الجزء الاخر كان الاتحاد السوفيتي يبني دولة مترامية الاطراف بعقيدة اقتصادية تتنافى مع الراسمالية ومع انه شارك الرأسمالية في الحروب ضد النازيين ولعله هو من حسم المعركة لهزيمة النازيين الا انه لم ينل من نتائجها الا بعض النفوذ والهيمنة على مجموعة بلدان من اوربا الشرقية.. واختطف الامريكان النصر العالمي بقنبلتهم النووية التي قتلت عشرارت الاف اليابانيين فكانت فرصتهم الكبيرة كي يفردوا سيادتهم على اوربا الغربية ويقودوا الحلف الاطلسي حسب صانع القرار الامريكي وكان لابد من الحشد ضد عدو جديد انه الكتلة الشرقية فقامت اجهزة الاعلام والامن والفن في امريكا بشيطنة الاتحاد السوفيتي سياسته وايديولوجيته حيث ان وجود الخطر الماثل يعني ضرورة الحشد ضده.. وفعلا كانت الولايات المتحدة مستعدة للتهاون مع كل شيء في تلك المرحلة للتفرغ الى شيطنة الاتحاد السوفيتي وبدات الحرب الباردة والحرب بالوكالة في احيان اخرى.. واستمر التحشيد ضد الاتحاد السوفيتي واستخدموا في ذلك عدة وسائل ومنها تشكيل احزاب دينية مسيحية واسلامية وتيارات قومية وسوى ذلك، وبالفعل تظافرت الضغوط الخارجية التي نظمتها الادارة الامريكية مع العجز في التطور داخليا انتهاء بالحرب السوفيتية على افغانستان الى انهيار الاتحاد السوفيتي بطريقة لايبدو انها واضحة حتى الان بكل خلفياتها للجميع.. انهار الاتحاد السوفيتي وانطلقت عدة حروب داخلية في الاراضي التي كانت الكتلة الاشتراكية تسيطر عليها سابقا.. وانتهى الخصم الخطير مؤقتا.

لا تستطيع الولايات المتحدة الاستمرارفي تسيدها والتوسع في نفوضها دونما صناعة عدو تحشد حلفاءها لمواجهته وتوفير الشروط لتدميره وهم يعتبرون انهم بذلك انما يحققون جملة اهداف استراتيجية وهنا كان لابد من عدو ماثل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي انه العالم الاسلامي وهو الكتلة الكبيرة والاراضي الواسعة يسكنها شعب وامة وبثروات وخيرات ضخمة ومؤهلة ان تصبح الكتلة الرئيسية في العالم لاسيما وهم يكتنز امجادا وفخرا بما سبق له من حضارة ورغم انه مكسرسياسيا ومشتت في علاقاته الا انه على صعيد الوجدان يؤكد استمرارية الحضور المعنوي للحضارة العربية الاسلامية الامر الذي لم يتوفر في الاتحاد السوفيتي ولا الفكرة النازية كما لم يتحقق من قبل في الامبراطورية الرومانية التي انتهت وانتهى وجدانها وضميرها.. وهكذا تظهر خطورة المحاولة في بلدان العرب والمسلمين كونهم يحملون داخلهم نقيضا جوهريا على الصعيد الانساني الاخلاقي للامبراطورية الامريكية القائمة على ابادة الاخر ونهبه وتركيعه، وهذا الخطر على الامبراطورية الامريكية لا يتمثل في جهة كما هو في نموذج حضاري انساني يمتلك القوة والكتلة البشرية والثروات.. فكان لابد من تجييش كل الوسائل والاساليب لاسقاط الاسلام وافشال نهوضه وتكريس وقائع على الارض تقوم بمهمات التدمير الذاتي في حياضه.. وفي هذا تمثل الدولة العبرية ركيزة اساسية لانجاح المخطط.. ومن هنا بالضبط تأتي صعوبة التعامل مع القضية الفلسطينية.

تشاركت اللوبيات الاستعمارية في الغرب" اوربا وامريكا" في صناعة الاسلامفوبيا وصناعة مجموعات دينية اسلامية مهمتها تأكيد الدعاية الامريكية عن الاسلام والمسلمين بالاضافة الى جهود عديدة في الدفع بقوى اللائكيين الى صدارة المجتمعات العربية لاحداث الخلخلة واهتزاز اليقين.. كما شاركت بقوة في مشروع بلفور وليس وعد بلفور.
وكان آخر انتاج هذه الرؤية المشتركة ان قادت امريكا اوربا الغربية لعدوان كاسح ضد بلدين اسلاميين العراق وافغانستان بمبرررات واهية كاذبة حيث تم تدمير البلدين وقتل ملايين البشر فيهما وتفكيك بنيتهما وارساء تقاليد سياسية وثقافية لتفجيرهما في كل حين.. وبعد ذلك حركت فرنسا-ساركوزي الناتو للحرب ضد ليبيا واسقاط نظام القذافي وتدمير وحدة البلد ونهب ثرواته وسرقة الدهب والمعادن الثمينة ولعل ساركوزي يدفع ثمن محاولته قيادة الناتو في حملته ضد ليبيا وهاهو يساق الى السجن على سرقات وفساد قام بها لصالحه الشخصي.

هكذا تكون الولايات المتحدة قد تخلصت في القرن العشرين من الخلافة العثمانية المريضة، وهتلر الطموح والجانح، والسوفيت وكتلتهم، وكذلك امكانات الصحوة في الوطن العربي والعالم الاسلامي بتحطيمها محاولات النهضة في اكثر من بلد عربي.

:مرحلة التخلص من اوربا
لقد اتضحت النوايا الامريكية تجاه اوربا بعد ان استلمت منها كثير من موواقع النفوذ الاستعمارية في العالم وبعد ان اقتنعت انها قد تخلصت من الخصوم التقليديين والمحتملين بدأ الحديث عن القارة العجوز وعن كيفية التعامل معها، وضخت مراكز الابحاث العلمية بامريكا تقارير ودراسات عن مستقبل العلاقات بين القارتين والتي تفيد في مجموعها ضرورة بقاء اوربا في حالة تبعية سياسية لمصدر القرار الامريكي وان يكون هامش الاختلاف في اطار الشروط ذاتها.. وهنا بدا الاوربيون يتحسسون الخطورة ورغم انهم اقاموا الاتحاد الاوربي وهو قوة دولية كبيرة كان من شانها ان تصبح الاعظم في العالم لامكاناتها الهائلة ولموقعها الاستراتيجي في الكون ولخبراتها الكبيرة في التعامل مع الشعوب، واستقرار الانظمة السياسية فيها .. الا ان الهجوم الامريكي تحرك منذ البداية الى اضعاف الاتحاد الاوربي والذي جعل من اليورو عملة متقدمة تحاول مزاحمة الدولار في كثير من المعاملات الدولية وهكذا على طريق التحرر من سطوة الدولار.. هنا دفعت الولايات المتحدة الى ضرورة ضم الدول المستقلة حديثا عن الكتلة الاشتراكية وذلك لاحداث مزيد من الارهاق المالي والخدماتي داخل الدول الاوربية وكانت الضربة القاصمة بانسحاب بريطانيا من الاتحاد الاوربي حيث كان ذلك ايذانا بموته عمليا.. وجاء ترمب ليدشن مرحلة فط الارتباط مع اوربا بانسحابه من معاهدات دولية موثقة بينه واوربا كاتفاقية المناخ وبدأ ترمب يبفضح النوايا الامريكية تجاه اوربا مما دفع الاوربيين الى التفكير بتكوين قوة عسكرية خارج الناتو كما اطلق عليها الرئيس الفرنسي ماكرون قوة عسكرية اوربية وقد اطلق الحديث في مناسبات عدة حول التخلص من الناتو والذي اعتبره ميتا سريريا.
التنافس الخفي على مواقع النفوذ متواصل ومستمر الا ان الاوربيين كانوا اكثر دبلوماسية ويسمحون بتمرير المواقف الامريكية دونما صدام فاضح وكان الامريكان على طيلة مرحلة الانفكاك يوجهون الصفعات للاوربيين ولا يعطوهم فسحة من القيادة العالمية ولم يستطع الاوربيون مواصلة طريق الاتحاد الاوربي الذي تعطلت مشاريعه الكبرى فلم يتكون جيش اوربي ولم يصبح البرلمان الاوربي هو المرجعية التشريعية في اوربا وهنا لم يعد بامكانه ان يشكل قطبا دوليا اخر في مواجهة الصديق اللدود الولايات المتحدة الامريكية.. واصيب الاوربيون بصدمات خيبة من قبل الامريكان الذين لم يسمحوا لهم بايجاد صيغة لحل القضية الفلسطينية كما اقترحوا عبر اوسلو فسارع الامريكان الى توقيع الاتفاقية في واشنطن ولم تعد بذلك اتفاقية اوربية ولم يبقوها على حالها بل ذهبوا لتفصيلات مؤداها موت الاتفاقية والانتهاء بها الى ما صرح به ترمب صفقة القرن.. ولقد كان الموقف الفرنسي المتشنج من الخديعة التي مارستها الولايات المتحدة الامريكية بخصوص بيع غواصات الى استراليا بعد ان كانت قد وقعت فرنسا الصفقة معها الامر الذي اثار حفيظة اوربا وفرنسا بالذات.. وهنا يمكن ملاحظة ان الاوربيين بدأوا التفكير في تعزيز علاقاتهم بروسيا والصين وتبادلوا معهما الزيارات والاتفاقيات ودخلت بعض الدول الاوربية ضمن مشروع الصين الاقتصادي الرهيب طريق الحرير كما دخلت بعض الدول الاوربية مجال تعزيز العلاقات التجارية مع روسيا واقامة مشاريع عملاقة للتزود بالغاز الروسي كما فعلت ذلك المانيا.. وحذرت امريكا الاوربيين من مغبة مواصلة السعي للتشارك مع الصين او تطوير العلاقة مع الروس واعلنت في اكثر من مناسبة عن خطورة التنين الصيني وشنت حملات من العقوبات والحصار على بعض المجالات الصناعية الصينية.. وكذلك دفعت الى ايقاف تطوير مشروع نورد ستريم2 لنقل 55 مليار متر مكعب من غاز روسيا الرخيص بواسطة انابيب تحت مياه بحر البلطيق الى المانيا وكان هذا بمثابة ضربة عنيفة للاقتصاد الاوربي الذي يجد نفسه اليوم في ازمة اوكرانيا يعاني تبعات اقتصادية خطيرة.. ورغم محاولة الالمان التملص من الانصياع للسياسة الامريكية الا انها خضعت في نهاية الامر الى التوجه الامريكي والتزمت بوقف العمل في مشروع انبوب الغاز الروسي.. وهكذا اندلعت الحرب الاوكرانية لكي تحقق امريكا جملة اهداف فلقد كان بوسع الولايات المتحدة ايقاف التهديدات الروسية بحل سياسي فلم يكن الروس في رغبة بان يشنوا هجومهم المسلح لو ان امريكا قدمت لهم ضمانات امنية مكتوبة ولقد رواغت امريكا ولم تعط اجابة واضحة وتحركت لتحريض الرئيس الاوكراني وحشدت معها الاعلام الغربي ضد الروس الذين وجدوا خطورة ان يكون الناتو بجوارهم وان تكون قواعد امريكية عسكرية وامنية على حدودهم وان يسمح لاوكرانيا بالتسلح النووي.. وكانت حجة الروس ان اوكرانيا بلد مجاور لايمكن التعامل مع وضعه الامني بلا اكتراث فيما قامت امريكا بتدمير العراق البعيد عنها الاف الكيلومترات بحجة ان لديه سلاح دمار شامل.. كان واضحا ان امريكا تنصب فخا للحميع فهي قد عطلت حركة العرب والمسلمين مؤقتا على الاقل وانهت امكانية قيام نهضة عربية بتحويل مسارات الربيع العربي الى اقتتال داخلي وتشتيت للقوى المحلية ومن جهة اخرى حاصرت ايران ولغمت الطريق امام تركيا واسقطت الرئيس عمرخان الباكستاني الداعية الى الاستقلال عن الغرب.. فانسحبت جراء هذه الوقائع من المنطقة العربية والاسلامية تاركة خلفها قنابل والغام قابلة للانفجار عن بعد.. اذن كان التوجه الى الازمة الاوكرانية لعدة اهداف منها استنزاف قوة الروس والحاق خسائر فادحة لجيشهم واقتصادهم الامر الذي قد يفعل فعله في التركيب الاجتماعي الروسي فيحدث انشقاقات عرقية واثنيات متعددة.. فلقد حاول الروس في العشريات الاخيرة الحضور كلاعب سياسي رئيسي دولي في كثير من القضايا الدولية ولكن لعلهم يدركون انه لم يكن لهم ذلك الا بموافقة الامريكان .. المهم هنا ان تحجيم قوتهم على الاقل كان هدفا استراتيجيا ولكن لايقل عنه اهمية تحجيم قوة الاوربيين الاقتصادية التي تجد نموها في التعامل مع روسيا والصين وانهاك اقتصادهم فهم بدل ان يشتروا غازهم ونفطهم والحبوب الغذائية من روسيا سوف يشترونها من الولايات المتحدة جنب الى جنب دفع فواتير الحرب بشراء اسلحة وتزويد اوكرانيا بها.. ولكن امريكا على دراية بان تزويد اوربا بالغاز المسال لن يتحقق قبل 2024 وفي هذه الفترة الفاصلة سيتعرض سعر الغاز والنفط الى ارتفاعات قياسية وستدفع الخزينة الاوربية اثمانا باهضة كما ستضطر المؤسسات العسكرية الاوربية لفتح ابواب الربح لمجمع الصناعات العسكرية الامريكي وهذا سيؤدي الى ارتفاع اسعار السلاح عالميا كما سترتفع اسعار المواد الغذائية بسبب التوقف عن الامداد من روسيا واوكرانيا التي تعمل على تعطيل التصدير وتضع شروطا تعجيزية امام ذلك والامر لا يبتعد عن التوجيهات الامريكية وذلك لافقاد السوق ثلث الاستهلاك العالمي من الحبوب مما يحقق ارتفاعا مذهلا في الاسعار ونقص سماد الامونيا الناتج من صناعة الغاز وهكذا يتعرض الاقتصاد العالمي وبالذات الاوربي الى ازمات حقيقية بعد ان تكون العلاقات الروسية الاوربية تقطعت اسبابها.. وكذلك يستعيد الدولار حضوره الاقوى مقابل اليورو وهنا تواجه اوربا ازمة اختلال موازناتها وكيف ستعالجه.. ولن تجد اوربا حلا للازمات المالية في ظل قطع التواصل مع الصين وروسيا الا ان تستبدلهما بالتجارة البيينية مع امريكا وهذا امر تواجهه عراقيل عديدة ضمن النزعة الحمائية للاقتصاد الامريكي الذي يعاني مؤقتا من تضخم يزداد بنسب عليه وصلت الى 10 بالمائة الامر الذي اضطر البنك الفيدرالي الى رفع مستوى الفائدة ب 1 بالمائة.

مرحلة حرجة امام الاتحاد الاوربي:

من الواضح ان الموقف الاوربي لم يستطع الصمود امام الضغط الامريكي فرغم ان الالمان تشبثوا في البداية بموقفهم من خط الانابيب تحت بحر البلطيق الا انهم سريعا ما انهاروا لتنهار بعدهم كل الدول الاوربية رغم محاولات الرئيس الفرنسي اخذ موقع الوسيط المقبول بين الطرفين.. تحاول اوربا التوسط لايجاد حل سياسي ويتسارع الرؤساء الاوربيون الى كييف لاستبطان الموقف الاوكراني ولكنه من الواضح ان كييف لاتملك قراراها وانها اصبحت جزئا من لعبة كبرى ولم يعد للاوربيين حيلة الا ان يدفعوا المليارات لتسليح اوكرانيا ولشراء اسلحة من امريكا وهذا م اسيلقي باثاره القاسية على المجتمعات الاوربية في غلاء المعيشة واضطرار الدول الى التقشف لمواجهة اختلالات الميزانيات..
ولن يجد الاتحاد الاوربي بدا من التارجع المستمر حسب الرغبات الامريكية ومن الواضح ان حرب امريكا الحالية لن يكون لها الفوز كما ان امريكا لم تفز من قبل في اي حرب خاضتها من فيتنام الى العراق الى افغانستان الى ايران.. ولن يكون لهذه الحرب الا نتائج حسارة لكل من امريكا واوربا وروسيا اما على صعيد امريكا فلديها البنك الفيدرالي الذي يعوض خسائرها بضخ مزيد من تريليونات الدولار واما روسيا فلن تكترث لانها فتحت اسواقا جديدة ولانها غير مرتبطة بالدولار واما اوربا فهي المتضرر الاكبر من ازمة اوكرانيا ولهذا فهم يتحركون بفاعلية لايقاف الحرب ولكن يبدو ان شروط الايقاف ليست بايديهم.
يفقد الاتحاد الاوربي القدرة على المسهمة في حل مشكلات عويصة كالقضية الفلسطينية وسيكتفي بتقديم المساعدات واعلان مواقف اعلامية او سياسية ولكنه يمكن ان يفكر لاسيما على صعيد الدول ذات التاريخ الاستعماري بان يتجه الى الجنوب ليحل معضلاته الاقتصادية اما بصفقات تجارية مضخمة او سيطرة على مصادر الثروة.
امريكا هي المستفيد الحقيقي اذا تحققت عدة خطوات الاولى انساحب روسيا قبل ان تنجز اهدافها السياسية، وتستفيد امريكا باتسنزاف القوة الروسية وتستفيد امريكا بانها تخلصت من مناكفات الشريك الاوربي كما انها تكون حققت السيادة على العالم بدون تفضل احد.. وهكذا تتجه الاستراتيجية الامريكية للقضاء على كل معاقل التميز في العالم