إسرائيل في ورطة مع روسيا.. فهل سيأتيها الفرج من العرب؟

تابعنا على:   11:03 2022-07-28

جمال زحالقة

أمد/ اندلعت الأزمة الحالية بين روسيا وإسرائيل، في أعقاب توجّه وزارة العدل الروسية إلى المحكمة بطلب وقف عمل «الوكالة اليهودية» لارتكابها مخالفات للقانون الروسي. وإذ ترجّح إسرائيل أن الدافع لهذه الخطوة سياسي، ولا يتعلّق بالنشاط المزعج لهذه الوكالة، فهي لا تعرف ما الذي يقف خلفها، حيث بؤر التوتّر بين البلدين الظاهرة والكامنة كثيرة ومتعدّدة ومرشّحة للتأجيج عاجلا أم آجلًا.
وإذ تلتزم موسكو الصمت بالإشارة إلى أن الموضوع قضائي فحسب، تتعامل معه إسرائيل كقضية سياسية وتخشى أن يكون لها تداعيات على مجمل العلاقات المتشعّبة والحيوية بالنسبة لها. وتتضارب التوقّعات حول مصير ومآلات مأزق «الوكالة اليهودية»، بين تقديرات بأن الأزمة في طريقها إلى الحل وأخرى تذهب إلى أنّها بداية النهاية لشهر العسل الطويل في العلاقة بين روسيا وإسرائيل، المرشّحة إلى تدهور من الصعب وقفه.
القضية المطروحة على طاولة القضاء الروسي تتعلّق بالفرع الروسي للوكالة اليهودية، وهو مسجّل كمنظمة غير حكومية خاضعة للقانون الروسي. وتتهمه السلطات الروسية بتسجيل وتخزين غير قانوني لمعلومات شخصية لمواطنين روس، حيث جرى الحصول على قسم من هذه المعلومات من دون موافقة الناس الذين تخصّهم، وهذا مس بالخصوصية غير مسموح به في روسيا. كما قامت الوكالة اليهودية بتخزين المعلومات الشخصية في مستودعات الكرتونية خارج روسيا، وهذا أيضا خرق للقانون الروسي. وقد جرى تحذير الوكالة اليهودية منذ أكثر من عام ولمرات عديدة، لكنّها استمرت في التحايل على القانون الروسي، وهذا ليس بغريب عنها وعن سياساتها وممارساتها. الوكالة اليهودية هي منظمة شبه حكومية تتجاوز، من جهة، ما تسمح لنفسها إسرائيل الدولة أن تفعله، وتخترق من جهة أخرى غلاف العمل القانوني للدول التي تعمل فيها. هكذا فعلت في الدول العربية وفي إثيوبيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي سابقا وفي غيرها من الدول.
ما هي الوكالة اليهودية؟

لعل ما يقلق القيادة الإسرائيلية، أن تكون روسيا اليوم أكثر ارتباطا بإيران وأكثر استعدادا لتلبية طلباتها، فيما يتعلّق بالتصدي لعمليات الجيش الإسرائيلي ضد أهداف إيرانية في سوريا

أقيمت الوكالة اليهودية عام 1929، استنادا إلى صك الانتداب، الذي أصدرته عصبة الأمم، والذي جاء في بنده الرابع: «وكالة يهودية مناسبة سوف يُعترف بها كهيئة استشارية لإدارة فلسطين، والتعاون معها في المسائل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ما قد يساعد في إقامة وطن قومي يهودي وحماية مصالح السكان اليهود في فلسطين». وقد بادر إلى إقامتها حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية ليضمن مشاركة فعلية ومالية ليهود العالم صهيونيين وغير صهيونيين، وسرعان ما تحوّلت إلى حكومة المستوطنين اليهود، وتمتعت بصلاحيات واسعة لتشرف بنفسها على المرافق التعليمية والاقتصادية اليهودية في فلسطين، وكانت لها سياسة داخلية وخارجية مستقلة، كما أدارت شؤون الأمن والاستيطان والهجرة والاستيلاء على الأراضي. وتتحمّل الوكالة اليهودية، كذراع تنفيذي للمشروع الصهيوني، المسؤولية الأولى عن أكبر جريمة سطو مسلّح في القرن العشرين، فقد كان رئيسها عام 1942، دافيد بن غوريون، هو من استصدر قرار مؤتمر بلتيمور بإقامة دولة يهودية في فلسطين ذات الأغلبية العربية، الذي قالت عنه المفكّرة اليهودية حنّة أردنت، في العام نفسه، بأنّه غير قابل للتطبيق سوى بطرد الفلسطينيين وبالتمييز ضدهم.
في آذار/مارس 1948، وفي محاولة للدفاع عن النفس أمام الغزو الاستعماري، الذي قادته الوكالة اليهودية، قام السائق الفلسطيني في القنصلية الأمريكية في القدس أنطون داوود، باجتياز الحواجز الإنكليزية والصهيونية في الطريق المؤدّية إلى بناية «الوكالة اليهودية»، التي كانت المقر الرئيس للحكم في الييشوف، ودخلها بسيارة القنصلية المفخخة (والتي أعدت بمعرفة خبير المتفجّرات الفذّ فوزي قطب)، وأدّى الانفجار إلى دمار كبير في المبنى وإلى مقتل 12 شخصا وجرح 40، بينهم قيادات سياسية. بعد عام 1948، نقلت معظم صلاحيات الوكالة اليهودية إلى الحكومة الإسرائيلية، وبقيت ضمن مسؤوليتها قضايا الهجرة والاستيطان الزراعي والعلاقة مع التجمعات اليهودية في العالم. وقد جرى عام 1950 سن قانون خاص بمكانة الوكالة اليهودية وبتحديد علاقتها بالدولة الإسرائيلية. واستغلّت إسرائيل هذه المكانة كأداة للتمييز العنصري ضد المواطنين العرب الفلسطينيين في أراضي 48، حيث حرموا من الأراضي والخدمات، التي حوّلت إليها لتصبح لخدمة «الشعب اليهودي» فقط وليس للمواطنين كافة. مهما كانت نوايا السلطات الروسية فلا يمكن اتهامها في هذا السياق، بعدم المحافظة على حق التنظيم والنشاط السياسي والاجتماعي، ولا بملاحقة «منظمات حقوق الإنسان»، فالوكالة اليهودية هي منظمة استعمارية عنصرية، وتاريخها هو سلب ونهب وتهجير، وما تقوم به اليوم هو إغراء اليهود بالهجرة والاستيطان في فلسطين على حساب أهلها وأصحابها الأصليين وفوق أراضيهم المسلوبة.

بؤر التوتّر
عقدت القيادة الإسرائيلية اجتماعا موسّعا مطلع هذا الأسبوع شارك فيه حوالي 30 شخصا، بينهم وزراء ومسؤولون في الموساد ومجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية وممثلو منظمات صهيونية تعمل في روسيا. وفي خطوة استثنائية، ألزم يائير لبيد المشاركين على التوقيع على «تعهّد عدم التسريب»، لكن ما انتهى الاجتماع حتى سالت التسريبات في وسائل الإعلام الإسرائيلي، لكنّها كانت مضللة، فالّذين دعوا في الاجتماع إلى اتخاذ خطوات «عقابية» لروسيا سرّبوا ما قالوه لكسب نقاط انتخابية، أمّا الذين دعوا إلى التزام الصمت والهدوء، وإلى السعي إلى حل بالوسائل الدبلوماسية الخافتة، وكانوا الأغلبية فقط، سكتوا. والنتيجة كانت استعراض عضلات للاستهلاك الداخلي من جهة والتوسّل إلى إرضاء موسكو بشتّى الوسائل، من جهة القيادات الإسرائيلية العليا. القيادة الإسرائيلية في حيرة من أمرها، فقد تبيّن في هذا الاجتماع وقبله وبعده أنّها لا تعرف نوايا روسيا الحقيقية، خاصة أنّ الأخيرة لم تقدم أي مطالب عينية، وهي لم تملك إجابة على السؤال في ما إذا كان المسعى لوقف عمل «الوكالة اليهودية» خطوة عابرة أم إيذانا ببداية نهاية شهر العسل في العلاقات الإسرائيلية الروسية، الذي امتد طيلة أكثر من ثلاثين عاما.
في غمرة النقاش حول مسألة «الوكالة اليهودية» طفت على السطح تشخيصات وتحليلات حول بؤر التوتّر على خط تل أبيب موسكو، القائمة والكامنة، العلنية والخفيّة، وهل ستبقى خامدة، أم أن هناك نوايا روسية بتأجيجها؟ وذهب البعض إلى القول بأن التحرّك الروسي الأخير هو رسالة «تحذير» أولية، بعد قيام إسرائيل بما تراه روسيا اجتيازا للخطوط الحمر في قصف مواقع في سوريا. وجاء في تحليل آخر أن السبب هو الموقف الإسرائيلي من الحرب في أوكرانيا، حيث صرّحت الناطقة بلسان الخارجية الروسية هذا الأسبوع بأن «موقف القيادة الإسرائيلية على المستويات كافة منحاز وغير بناء.. وإسرائيل لا تدعم الشعب الأوكراني، بل الحكومة الأوكرانية، وهذا يثير أسئلة كثيرة»، وعليه فإنّ روسيا تحذّر إسرائيل من مغبّة دعم أوكرانيا ومن الحياد عن موقف الحياد. وهناك أيضا الغضب الروسي على عدم الإيفاء بالوعد بإعادة الكنيسة والموقع الأثري في «ساحة إسكندر» في القدس إلى الكنيسة الروسية، بعد أن وعدت إسرائيل بذلك بشكل قاطع. المماطلة في هذه المسألة تجعل روسيا مستعدة لممارسة ضغوط على إسرائيل كما فعلت في الماضي، إضافة لذلك، فإن روسيا لا تخفي امتعاضها من عمل الوكالة اليهودية، حيث بلغ عدد المهاجرين إلى إسرائيل، منذ بداية الحرب، ثلاثة أضعاف المعدّل السنوي، وهذا يغضب القيادة الروسية، وما يغضبها أكثر هو نشاط الوكالة في تهجير الأدمغة وإغراء علماء يهود روس بالمال وبالمناصب، ليهاجروا إلى إسرائيل. وإذ تدّعي الوكالة بأنها تتعامل مع جميع اليهود الروس، البالغ عددهم حوالي 600 ألف، فإنها في الحقيقة تستهدف تحديدا الشباب والعلماء ورجال الأعمال الناجحين، وروسيا ترى في ذلك وبحق نشاطا ضارا بالاقتصاد وبالمجتمع الروسيين.
ولعل أكثر ما يقلق القيادة الإسرائيلية، هو إمكانية أن تكون روسيا اليوم أكثر ارتباطا بإيران وأكثر استعدادا لتلبية طلباتها، بكل ما يتعلّق بالتصدي لعمليات الجيش الإسرائيلي ضد أهداف إيرانية في سوريا، وكذلك بخصوص مشتريات الأسلحة الروسية المتطوّرة، فقد تساءل الجنرال المتقاعد غابي إيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق في كلمة ألقاها في اجتماع لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي: «إذا كانت روسيا تشتري المسيّرات الهجومية من إيران، ما الذي يمنعها في المقابل من أن تبيعها صواريخ «إس 400» وأسلحة متطوّرة أخرى؟». وسواء كان السبب الحقيق للأزمة الحالية هو فعلا التخلّص من النشاط المزعج لفرع «الوكالة اليهودية» في روسيا أم لا، فإنّ التوتّر سيزداد على هذا المحور، لأنه وفي ظل الحرب في أوكرانيا، روسيا تقترب من إيران وتبتعد عن إسرائيل.
تأتي الخطوة الروسية وإسرائيل غارقة في المعركة الانتخابية، وقد تكون روسيا معنية بإسقاط لبيد، الذي وجّه لها انتقادات لاذعة بشأن الحرب في أوكرانيا، وتريد عودة نتنياهو، الذي تربطه ببوتين علاقات «خاصة»، لكن يجب ألا نستبعد أن تكون روسيا تشك بأن شبكات ومخازن المعلومات الوكالة اليهودية تستعمل لأغراض التجسس، إذ لا تتوفر دلائل مباشرة على ذلك، وهناك مؤشّرات فقط، منها العلاقة الحميمة إلى حد التداخل بين الموساد وبعض أذرع الوكالة اليهودية، ومنها أيضا إلزام المشاركين في كل الجلسات الخاصة بهذه القضية بالتوقيع على «تعهّد بعدم التسريب»، وقد يكون هذا التعهد خاصا بمعلومة محددة.
في كل الأحوال، العلاقات الروسية الإسرائيلية ليست في طريقها الى التحسّن، بل إلى الانحسار والتراجع في ظل تداعيات الحرب في أوكرانيا، وكدنا نقول، كما اعتدنا، أن على العرب أن يستغلّوا الفرصة، لكن الواقع المؤلم هو أن أي تدخل عربي ممكن سيكون لصالح إسرائيل، التي ارتفع فيها صوت يدعو إلى الانضمام إلى الموقف الخليجي من الحرب في أوكرانيا، والاحتماء به درعا واقيا من غضب الدب الروسي. إسرائيل كانت في العقود الأخيرة على تواصل مباشر مع روسيا، ولم تكن بحاجة لمساعدة أحد، لكنّها اليوم في ورطة، فهل يأتيها الفرج من العرب؟ وهي تدّعي أن مواقفها «إقليمية»، وهي على توافق مع «العرب» بشأن سوريا وأوكرانيا وإيران.