تاريخ النشر: 2026-08-30 | 14:41
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-08-30 | 14:41
تدخل حركة فتح الانتخابات التشريعية المقبلة في ظروف مختلفة تماماً عن الانتخابات السابقة. فالمشهد الفلسطيني تغيّر، وغزة تغيّرت، والناخب تغيّر، والتحديات التي تواجه المشروع الوطني أصبحت أكثر تعقيداً. ولذلك فإن خوض الانتخابات هذه المرة يحتاج إلى طريقة تفكير مختلفة، وإدراك أن ما كان مناسباً في مراحل سابقة قد لا يكون كافياً أمام واقع جديد فرضته حرب الإبادة.
غزة اليوم ليست مجرد كتلة انتخابية أو مجموعة من المقاعد. فما مرّت به خلال السنوات الماضية غيّر حياة الناس وأولوياتهم ونظرتهم إلى السياسة. المواطن الذي فقد بيته أو مصدر رزقه أو شعوره بالأمان، لم يعد ينظر إلى الانتخابات بالطريقة نفسها. لم يعد السؤال فقط: من سيمثلني؟ بل أصبح السؤال الأهم: ماذا سيفعل من سأمنحه صوتي؟
وهنا تحديداً يجب أن تقرأ فتح التحول الذي طرأ على الناخب الغزي. فقد أصبح أكثر اهتماماً بما يمس حياته مباشرة، وأكثر تدقيقاً في أداء من يطلب صوته، وأقل استعداداً للاكتفاء بالشعارات والانتماء التنظيمي. كما جعلته تجربة السنوات الماضية أكثر حساسية تجاه الوعود الانتخابية، وأكثر بحثاً عن نتائج يمكن أن يلمسها في حياته، ولذلك لن يكون من السهل مخاطبته بالخطاب والأدوات نفسيهما.
فتح تملك تاريخاً وطنياً ورصيداً سياسياً كبيراً، لكن الرصيد وحده لا يكفي. وما تحتاجه فعلاً هو أن تحوّل هذا الرصيد إلى مشروع إنقاذ واضح: كيف ستعود إلى غزة؟ ماذا ستقدم؟ كيف ستتعامل مع إعادة الإعمار؟ كيف ستعيد بناء المؤسسات؟ وكيف ستعمل على تحسين حياة الناس وفتح أفق أمامهم؟
هذه الأسئلة هي جوهر الانتخابات بالنسبة إلى المواطن الغزي، لأنها ترتبط مباشرة بحياته ومستقبل أبنائه. ولذلك فإن شكل القائمة، واختيار الأسماء، والتحالفات، رغم أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلاً عن الإجابة عن هذه الأسئلة.
من هنا ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق إلى خوض الانتخابات: من المجتمع قبل التنظيم، ومن احتياجات الناس قبل حسابات المقاعد.
وبما أن فتح نفسها دخلت مرحلة جديدة بعد التغيير الذي طرأ على تركيبة لجنتها المركزية ومجلسها الثوري، فإن هذه المرحلة تستوجب مراجعة لطريقة التفكير والخطاب والأولويات، بما ينسجم مع الواقع الجديد. ليس المطلوب فقط ترتيب البيت الفتحاوي وإنجاز المصالحات الداخلية، وإنما أيضاً قراءة المجتمع وفهم التغيّر الذي طرأ. فغزة التي كانت قبل الحرب ليست غزة اليوم، والناخب الذي كان يمكن أن يتأثر بخطاب الأمس قد لا يتأثر به اليوم. ولذلك تحتاج الحركة إلى أن تبني خطابها على واقع الناس وتطلعاتهم، وأن تختار من يمثلها على أساس قدرته على التواصل مع المجتمع وفهمه، لا على أساس الانتماء التنظيمي وحده.
هنا ربما يكون الفارق الحقيقي أمام فتح بين أن تفوز في غزة وأن تكسب غزة. الفوز يمكن أن يتحقق بالأصوات، أما كسب غزة فيحتاج إلى استعادة الثقة، وأن يشعر المواطن أن صوته ليس مجرد طريق إلى مقعد في المجلس التشريعي، وإنما مشاركة حقيقية في تحديد مستقبله. وهذا يتطلب مرشحين قادرين على مخاطبة المجتمع، وإعطاء غزة أولوية قصوى، وتقديم التزامات محددة في ملفات الإعمار وسبل العيش والمساعدات والمعابر وإعادة بناء المؤسسات.
لا يعني ذلك تجاهل أن قسماً مهماً من هذه الملفات مرتبط بعوامل خارجية وبانقسام داخلي، لكن هذه الحقيقة لا تعفي فتح من أن تقدم ما تستطيع فعله بوضوح. فالناخب لا يحتاج إلى وعود لا تملك الحركة تنفيذها، وإنما يحتاج إلى أن يعرف ما الذي تستطيع فعله، وما الذي ستسعى إلى تحقيقه.
أخيراً، المطلوب من فتح اليوم ليس فقط أن تدخل غزة عبر صناديق الاقتراع، وإنما أن تدخل إليها بفهم واقعها الجديد، وكسب ثقة أهلها، وجعل ذلك بداية لاستعادة الولاية السياسية والشعبية.