"اتفاق أوسلو خطر على الأمن القومي الإسرائيلي" شعار غالبية يهود لعالم وتحالف نتنياهو وأطفال الشوارع السياسية في حينه بن غفير وسموتريتش.

إسرائيل والمساعدات الأمريكية: نهاية الاعتماد المالي أم بداية مرحلة جديدة؟

إسرائيل والمساعدات الأمريكية: نهاية الاعتماد المالي أم بداية مرحلة جديدة؟

تاريخ النشر: 2026-11-04 | 13:51

حسن لافي
حسن لافي

لم يعد إنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل مجرد فكرة يطرحها بعض السياسيين الإسرائيليين أو نقاشاً داخل مراكز الأبحاث، بل تحول إلى إعلان سياسي أمريكي مباشر، بعد أن قال الرئيس دونالد ترامب، في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2026، إن الولايات المتحدة ستوقف ما وصفه بنحو أربعة مليارات دولار سنوياً لإسرائيل مع نهاية العام، مع استمرار بيع الأسلحة لها ومساعدتها عند الحاجة.
وقال ترامب إنه توصل إلى تفاهم مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بشأن هذه الخطوة، وإن الأخير هو من طرح الفكرة قبل أشهر. لكن الإعلان الأمريكي جاء مفاجئاً من حيث توقيته وسرعة تنفيذه؛ فنتنياهو كان قد أعلن، في يناير/كانون الثاني 2026، رغبته في تصفير المساعدات العسكرية الأمريكية خلال عشر سنوات، ثم أكد هذا التوجه في مايو/أيار من العام نفسه. كما أن الاتفاق القائم بين البلدين يمتد حتى نهاية عام 2028، ما يجعل إعلان ترامب توجهاً سياسياً يحتاج إلى ترتيبات أمريكية وإسرائيلية، وليس قراراً تنفيذياً مكتملاً بمجرد صدوره. ولم تتضح بعد التفاصيل المتعلقة بنوعية التمويل الذي يشمله الإعلان أو آلية إنهائه.

لماذا يريد نتنياهو إنهاء المساعدات؟
لم يطرح نتنياهو الفكرة من فراغ، ولا يمكن اختزالها في الرغبة في تخفيف الأعباء المالية عن الولايات المتحدة. فالحرب على غزة أظهرت لإسرائيل أن المظلة العسكرية الأمريكية، على أهميتها، ليست بمنأى عن التحولات السياسية داخل واشنطن؛ إذ يمكن أن تتحول شحنات السلاح والمساعدات إلى موضوع خلاف بين الإدارات الأمريكية، أو إلى أداة ضغط عندما تتعارض السياسات الإسرائيلية مع حسابات واشنطن. وقد اكتسب هذا الاحتمال أهمية أكبر بعد تأخير إدارة بايدن تسليم بعض الذخائر خلال الحرب، وتصاعد الانتقادات الأمريكية لطبيعة العمليات العسكرية الإسرائيلية.
من هنا، يسعى نتنياهو إلى تقليل ارتباط الأمن الإسرائيلي بالتقلبات السياسية الأمريكية، خصوصاً مع تراجع التأييد لإسرائيل داخل قطاعات من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، واتساع الاعتراض على استمرار تمويلها من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين. وهو يدرك أن المساعدات التي كانت لعقود أحد مرتكزات الإجماع الأمريكي حول إسرائيل أصبحت أكثر عرضة للتجاذبات الحزبية والانتخابية.
لكن الدافع لا يقتصر على تجنب الضغوط. فنتنياهو يريد إعادة تعريف العلاقة العسكرية مع الولايات المتحدة، والانتقال من تلقي المنح المالية إلى شراكة تقوم على شراء السلاح والتعاون التكنولوجي والبحث والتطوير المشترك. وقد لخّص مسؤول إسرائيلي هذا التوجه بالانتقال «من المساعدات إلى الشراكة». كما طرح نتنياهو إنشاء صندوق أمريكي إسرائيلي مشترك لتمويل تطوير أنظمة تسليح جديدة، بالتوازي مع توجه لتعزيز قدرات الصناعات العسكرية الإسرائيلية.
وثمة مكسب سياسي داخلي أيضاً؛ إذ يتيح هذا الطرح لنتنياهو تقديم إسرائيل باعتبارها قوة اقتصادية وعسكرية ناضجة لم تعد تحتاج إلى المنح الأمريكية، وقادرة على تمويل جانب أكبر من احتياجاتها الدفاعية. لكن الأهم أن هذا التوجه يتجاوز مسألة توفير الأموال، ليعكس طموحاً إسرائيلياً أوسع لبناء قاعدة عسكرية وصناعية أكثر استقلالاً، تقلل الاعتماد على الخارج في إنتاج السلاح وتطويره، وتمنح إسرائيل هامشاً أوسع في اتخاذ قراراتها العسكرية. غير أن هذا الطموح لا يعني الاستغناء عن التكنولوجيا الأمريكية أو عن الشراكة الاستراتيجية مع واشنطن.

منحة مالية أم علاقة استراتيجية؟
تعود صيغة المساعدات الحالية إلى مذكرة التفاهم التي وقّعتها واشنطن وتل أبيب عام 2016، وتغطي السنوات المالية من 2019 حتى 2028، بقيمة إجمالية تبلغ 38 مليار دولار: 33 ملياراً للتمويل العسكري الخارجي، بمعدل 3.3 مليارات دولار سنوياً، وخمسة مليارات لبرامج الدفاع الصاروخي، بمعدل 500 مليون دولار سنوياً. وبذلك تبلغ قيمة المساعدات السنوية وفق الاتفاق 3.8 مليارات دولار، وليس أربعة مليارات كما ورد في تصريح ترامب.
ولا تمثل هذه الأموال مجرد تحويل مالي إلى الخزينة الإسرائيلية؛ فالقسم الأكبر من التمويل العسكري مخصص لشراء أسلحة ومعدات أمريكية، بما يعزز ارتباط الجيش الإسرائيلي بالصناعات الدفاعية الأمريكية، ويمنح الشركات الأمريكية عقوداً ومصالح اقتصادية مستمرة. كما أن التعاون في منظومات الدفاع الصاروخي والبحث والتطوير يتجاوز قيمة المنحة السنوية ذاتها.
ومن المهم هنا التمييز بين وقف المساعدات ووقف التعاون العسكري. فتصريح ترامب نفسه تحدث عن استمرار بيع الأسلحة لإسرائيل، وهو ما يعني أن السيناريو المطروح لا يقوم بالضرورة على فك الارتباط العسكري، بل على تغيير آلية التمويل: أن تدفع إسرائيل من ميزانيتها مقابل ما كانت تشتريه جزئياً بأموال أمريكية، مع استمرار التعاون في مجالات التسليح والتكنولوجيا والدفاع المشترك.
ويضاف إلى ذلك أن مذكرة التفاهم الحالية نصت على الإلغاء التدريجي لبند المشتريات الإسرائيلية المحلية من أموال المساعدات، المعروف باسم «OSP»، وصولاً إلى إنهائه بالكامل في عام 2028. وهذا يعني أن إسرائيل كانت تتجه أصلاً إلى إعادة تنظيم استخدام المساعدات، حتى قبل إعلان ترامب الأخير.

الكلفة الاقتصادية: من يتحمل فاتورة الاستقلال؟
على المستوى المالي، يعني وقف التمويل السنوي، إذا شمل كامل المساعدات المنصوص عليها في الاتفاق، خسارة نحو 3.8 مليارات دولار سنوياً، وهو مبلغ لا يمكن اعتباره هامشياً في ظل ارتفاع الإنفاق العسكري الإسرائيلي وتراكم كلفة الحرب. صحيح أن منح التمويل العسكري الخارجي وحدها تمثل نحو 14% من ميزانية الدفاع الإسرائيلية، وفق تقديرات خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي، وأن الاقتصاد الإسرائيلي يمتلك قدرة أكبر على تحمل جزء من هذه الكلفة مقارنة بالمراحل السابقة، لكن القدرة على التمويل لا تعني أن القرار بلا أثمان.
فقد بلغ عجز الموازنة الإسرائيلية في عام 2024 نحو 136.2 مليار شيكل، أي ما يعادل 6.9% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما قدرت وزارة المالية نفقات الحرب منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى نهاية 2024 بنحو 124.7 مليار شيكل. ووفق بنك إسرائيل، ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 68.5% في نهاية 2025، كما قُدّرت الكلفة المالية للحرب التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بنحو 350 مليار شيكل خلال الفترة 2023–2026، مع استثناء الكلف والقرارات المرتبطة بالحملة العسكرية على إيران التي بدأت في أواخر فبراير/شباط 2026.
في هذا السياق، لن يكون تعويض المساعدات مجرد بند جديد في الموازنة، بل منافسة مباشرة على الموارد بين الإنفاق العسكري والاحتياجات المدنية، من الصحة والتعليم والبنية التحتية إلى خدمة الدين. وقد تجد الحكومة نفسها أمام خيارات صعبة: زيادة الضرائب، أو الاقتراض، أو تقليص بعض النفقات، أو إعادة ترتيب أولويات الإنفاق. ولا يمكن الجزم مسبقاً بأن وقف المساعدات سيؤدي إلى زيادة ضريبة بعينها أو إلى إجراء مالي محدد، لكن المؤكد أنه ينقل جزءاً من كلفة تمويل القوة العسكرية الإسرائيلية إلى دافع الضرائب الإسرائيلي.

الصناعة العسكرية: فرصة للاستقلال أم عبء إضافي؟
تطرح إسرائيل إنهاء المساعدات في سياق طموح أوسع لتوسيع صناعتها العسكرية وتقليل اعتمادها على الخارج. وتملك شركات مثل «إلبيت» و«رافائيل» و«الصناعات الجوية الإسرائيلية» قاعدة صناعية وتكنولوجية متقدمة، فيما تعمل الحكومة الإسرائيلية على إعداد خطة متعددة السنوات لبناء القدرات الدفاعية وتعزيز قوة المؤسسة الأمنية. وقد تحدثت لجنة مشتركة في الكنيست، في مارس/آذار 2026، عن خطة عشرية تبدأ عام 2027 وتبلغ قيمتها 350 مليار شيكل، يخصص 50 ملياراً منها من خلال إجراءات الكفاءة الداخلية في المؤسسة الأمنية. وفي تطور لاحق، تحدثت تقارير إسرائيلية عن سعي نتنياهو إلى رفع حجم الخطة إلى 400 مليار شيكل، لكن ذلك ظل موضع نقاش وخلاف بشأن مصادر التمويل وآليات التنفيذ.
لكن بناء صناعة عسكرية مستقلة لا يتحقق بمجرد ضخ الأموال. فإنتاج الطائرات المقاتلة والمحركات المتقدمة والأنظمة الإلكترونية والذخائر الدقيقة يحتاج إلى سنوات من البحث والتطوير، وإلى سلاسل توريد واسعة وأسواق قادرة على استيعاب كلفة الإنتاج. كما أن الشركات الإسرائيلية، وخصوصاً الموردين الصغار والمتوسطين الذين ارتبطوا ببرامج المشتريات الممولة أمريكياً، قد تواجه تحديات في مرحلة الانتقال من التمويل الخارجي إلى التمويل المحلي.
وبالتالي، قد تستفيد الشركات الكبرى من توسيع الإنتاج والتصدير، لكن هذا لا يعني أن جميع مكونات الصناعة العسكرية الإسرائيلية ستتمكن بالسهولة نفسها من تعويض المساعدات أو الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية. فالاستقلال العسكري الذي تسعى إليه إسرائيل لا يتعلق فقط بامتلاك المال لشراء السلاح، بل بامتلاك القدرة الصناعية والتكنولوجية على تطويره وإنتاجه، وهي عملية طويلة لا يمكن إنجازها بقرار سياسي أو بزيادة الإنفاق وحدهما.

إعادة تشكيل العلاقة لا إنهاؤها
لا يعني وقف المساعدات، إذا نُفذ، نهاية التحالف العسكري الأمريكي الإسرائيلي. فواشنطن لا تزال ترى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً في المنطقة، فيما تحتاج إسرائيل إلى الدعم الأمريكي في مجالات التسليح والتكنولوجيا والاستخبارات والتنسيق العسكري. كما أن استمرار بيع الأسلحة والتعاون في تطوير منظومات الدفاع يتيح للطرفين الحفاظ على المصالح المشتركة، حتى مع تغيير صيغة التمويل.
لكن التحول يحمل دلالة سياسية تتجاوز قيمته المالية. فالمساعدات الأمريكية لم تكن مجرد دعم لميزانية الدفاع الإسرائيلية، بل كانت أيضاً تعبيراً مؤسسياً عن التزام واشنطن بأمن إسرائيل، وعن مكانة العلاقة داخل السياسة الأمريكية. وعندما تصبح هذه المساعدات موضع خلاف حزبي وانتخابي، فإن ذلك يكشف أن الإجماع التقليدي حولها لم يعد محصناً كما كان.
لا يعني وقف المساعدات أن واشنطن تتخلى عن إسرائيل أو عن دعم تفوقها العسكري؛ فترامب أكد أن الولايات المتحدة ستساعدها عندما تحتاج إليها، كما تحدث صراحة عن استمرار بيع الأسلحة لها. لكن ما يتغير هو توزيع الأعباء وطبيعة الاعتماد، إذ تسعى إسرائيل إلى بناء قدرة عسكرية وصناعية أكثر استقلالاً، تقلل حاجتها إلى التمويل الخارجي، من دون أن تتخلى عن الشراكة الاستراتيجية الأمريكية.
وهنا تكمن المفارقة: تريد إسرائيل أن تصبح أكثر استقلالاً في بناء قوتها العسكرية، من دون أن تفقد المظلة الأمريكية التي تعزز تفوق هذه القوة. فهل تستطيع تحقيق هذا التوازن، أم أن حدود استقلالها العسكري ستظل محكومة، من جهة، بقدرات اقتصادها وحجم التهديدات التي تواجه أمنها القومي، ومن جهة أخرى، بحدود ما تستطيع واشنطن توفيره لها؟

×
أخبار
عبري: نتائج انتخابات الكونغرس ضربة لمكانة إسرائيل في أمريكا بعد 156 سنة..حكيم جيفريز على أعتاب رئاسة مجلس النواب الأمريكي يناير المقبل سلام يحذر من "جر لبنان إلى مغامرة عبثية" ويؤكد حصرية قرار الحرب والسلم بيد الدولة الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,618 شهيدا اغتيال رابين..فرح الفاشية باغتيال محاولة صناعة سلام! طائرات تزويد بالوقود أمريكية تحلق في أجواء منطقة الشرق الأوسط والخليج صفعة لنتنياهو والشاباك..لجنة الانتخابات: لا دليل على المساس بنزاهة الاقتراع إندبندنت: 3 سيناريوهات لحرب إيران.. اتفاق أم قصف واسع أم ضربة نووية؟ عبدول السيد يعلن فوزه بمقعد الشيوخ عن ولاية ميشيغان الديمقراطيون يسيطرون على مجلس الشيوخ الأميركي رسميا..الديمقراطيون يفوزون بمجلس النواب الأمريكي بأغلبية عريضة وترامب:سأقبل النتائج تقرير : تركيا تتطلع إلى جنوب لبنان وحزب الله يرحب بزيارة مرتقبة لبلال أردوغان الجليل: كرمئيل تعلن فتح الملاجئ العامة استعدادًا لتصعيد محتمل مع إيران زيني يرفض تسليم أدلة التحقيق في «التأثير الأجنبي» للشرطة ويحاول الالتفاف على المستشارة القضائية رئيس الشاباك يطالب بالتحقيق مع الطيبي وعباس وأبو شحادة "على الشبهة" لوكاشينكو يقترح ترامب أمينا عاما للأمم المتحدة لتحريك المستنقعات..ويستحق نوبل للسلام اتصالات مصرية مكثفة لمنع انفجار المنطقة شملت إيران والسعودية  7 تهديدات بوجود قنابل تستهدف مطارات أوروبية واستنفار أمني واسع معاريف: لدى آيزنكوت «ورقة جوكر» لتشكيل الحكومة ونتنياهو يخشى السيناريو الأسوأ لا أحد يملك خطة لتراجع أمريكا: تداعيات تداعي الهيمنة على واشنطن والعالم عبري: هل "اشترى" نتنياهو دعم ترامب السياسي بالتنازل عن 7.5 مليارات دولار من المساعدات الأمنية؟ غياب الدور الأمريكي: قادة المنطقة وأوروبا يتحركون لتشكيل تحالف أمني بمعزل عن واشنطن الموقف من إسرائيل يقسم الناخبين اليهود في تكساس بين تالاريكو وباكستون الحكومة الفلسطينية تحذّّر من تفاقم المعاناة الإنسانية في قطاع غزة مع دخول فصل الشتاء الداخلية اليمنية: 21 خبيراً أجنبياً من الحرس الثوري وحزب الله يديرون عمليات الحوثيين واشنطن تبلغ الوسيط القطري موافقتها على المقترح المقدم لإنهاء المواجهة مع إيران لجنة الانتخابات الإسرائيلية توّبخ نتنياهو لادعائه «سرقة» الانتخابات وسط مخاوف من أزمة دستورية تحذيرات من غرق أكثر من 1000 موقع ومخيم للنازحين في غزة مع اقتراب الشتاء بلير يزور إسرائيل لبحث المأزق السياسي وملف غزة في ظل الجمود رؤساء أحزاب المعارضة يتفقون على التحرك الفوري لتشكيل حكومة طوارئ برئاسة آيزنكوت

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط