تاريخ النشر: 2026-09-24 | 15:30
تاريخ النشر: 2026-09-24 | 15:30
تُعدّ رواية (هولير حبيبتي) بجزأيها الأوَّل والثاني، من أفضل الأعمال الأدبية التي كُتِبَت عن مدينة أربيل، كما وصفتها دراسات أكاديمية، وبحوث، ومقالات، ورسائل جامعية متعدّدة. وقد أبدعها الروائي السوري عبد الباقي يوسف، الجزء الأول عام2013، والجزء الثاني عام 2015. حيث تتأنسَن مدينة أربيل في الرواية لتروي سيرتها الذاتية.
هولير، مدينة الحلم الأزلية، لا تقبل أن يدخلَها المرءُ كما يدخل غيرها، أن يقيم فيها كما يقيم في غيرها، ثم يتركها كأن شيئاً لم يكن. رواية: هولير حبيبتي
ترفض هولير ألّا تتميز عن سائر أخواتِها المدنِ في أرجاء الأرض، وهي التي اسْتحوَذَت على قلوبِ ملوك وأباطرة وجَبابِرَة وسلاطين وقادة الدنيا منذ فجر تاريخها، هي التي ضَعُف الجبابرة أمام قدميها، وهن الملوك أمام سحرها، استسلمَ الأباطرة لبديع قوامها، خارَ السّلاطين في حضرة هيبتها. رواية: هولير حبيبتي
كل ركنٍ في هولير يطفح بلمسة سحر مباركة
كل شيء يتعمّد -طوعاً أو كرهاً- في معمودية هولير:
هديلُ الحمام على أسطح هولير
زقزقة العصافير على أعالي الأشجار في صباحات هولير الباكرة
قباب المساجد في أزقة أحياء هولير
إيقاع سكون الليل في بيوت هولير
متعة المشي الهوينا على فضّة أرصفة هولير
حفيف الشجر في شوارع هولير
تذوّقُ قِشْدةِ غفوةِ القيلولة في ظهيرات هولير.
ليس في هولير موضعٌ غير قابل لخفقة عشق
ليس في هولير لمسة غير قابلة لهمسة قلب
كل ما في هولير يطفح بألق فتنة الجمال.
رواية: هولير حبيبتي
ما أبهى خصلات الشمس في ثنايا جدائل شعرك يا هولير
ما أروع معالم غروب الشمس على ضفاف ضَوَاحِيكِ يا هولير
ما أجمل ظهيرات القيلولة في أركانك يا هولير
ما ألذَّ احتساءَ قهوةٍ في فَيْء عصرك يا هولير
ما أطيب عطر العشاء في أماسيكِ يا هولير
رواية: هولير حبيبتي
أكثر الناس دراية بمدنهم، هم أولئك الفقراء الذين تفرض عليهم لقمة عيشهم كي يجوبوا كل أركان مدنهم جَيْئةً وذهابا بشكل يومي.
عملهم يتيح لهم تأسيسَ صلةٍ معرفية وثيقة مع قاع المدينة وهم يَتَغلغَلُون في عمق أزقتها، يتعرّضون لفيض أمطارها الغزيرة التي تبلل حتى ثيابهم الداخلية في صقيع الشتاء، كما تنهمر حبات العرق من جباههم وهم يتعرضون للهيب شمسها في ذروة ظهيرات الصيف، وفي الربيع يستمتعون بنسيم هوائها اللطيف، وعبير عطر أشجارها الفواح، والاستماع إلى زقزقة عصافيرها، ويمضي بهم الخريفُ وهم يجوبون الشوارع كسالى حاملين أثقالهم، يشهدون سقوطَ كل ورقةٍ من علوّ شجرتها، تتعرض أجسادُهم لهبّات ريح عاصفة وهم يترنّحون على منعرجات ضفاف طرقات مدنهم التي ألفوها، وألفتهم، إنهم عمّال عمارة الحياة في مدنهم.
رواية: هولير حبيبتي
بدت هولير أمام ناظرَيه أعذبَ امرأة لم ترها عيناه من قبل، لم تتبرك قدماه بطواف محجها من قبل، بدت تسحره بكل لمسة من لمسات أناقتها الفائقة وهو يقاوم دفقات مشاعره الفياضة نحو وهج تألقها.
رواية: هولير حبيبتي
من جنبات هولير يفوح عطرُ التاريخ، كلُّهم ذهبوا، وبقيت هولير، تزداد ألقاً، تكتمل جمالاً، حاضنةٌ أمينة لأبنائها، وقد لبثوا متشبّثين بها، ولبثت متشبّثةً بهم في سفينة يمّ التاريخ.
رواية: هولير حبيبتي
أنا هولير..
قلعتي الشّامخةُ شاهدةٌ على أمجادي..
من أجل ضفائري تنازعَ جَبابِرةُ العالم..
أعدّوا من أجلي ما استطاعوا من قوة، ومن رباط الخيل..
أقاموا في ربوعي حيناً من الدهر..
ثم ما لبثوا أن مرّوا بي مرورَ الكرام..
أنا هولير..
فضّة أحلامِ الملوك..
مَحَطُّ أنظار الجبابرة..
مَكْمَن أطماع الغزاة..
مدينة الآلهة الأربعة..
مقامُ حاملةِ الإرث البابلي عشتار المقدسة.
أنا هولير..
نزهة الساسانيين..
حديقة البارثيين..
مخبأ كنوز الفرثيين..
سياحة السلوقيين..
كنيسة الآشوريين..
جوهرة أبناء فارس النفيسة..
ضفّة العثمانيين..
زهرة إمبراطورية أور الثالثة..
ساحرة الملك السومري الجميل شوكي..
ملهمة آشور باني بال..
مربّع عرش إمبراطور آشور سنحاريب
أنا هولير
حاضنة كهف شانده ر الأزلي
مأوى إنسان الينادرتال السحيق
لؤلؤة كوردستان المجيدة
وِسَادةُ الميديين في ليالي الوحشة
محطة غزوات الرومان
محظية هولاكو
عروس إمبراطورية الصفويين
حلّةُ تيمورلنك النّفيسة،
أسيرة الطليان الجميلة.
أنا هولير
لي عند ربي مكرمات.
رواية: هولير حبيبتي
ذات يوم من سنة 2000 قبل ميلاد المسيح قال لي الملك السومري شوليكي بأنه يفخر أن أكون من أكثر أملاك سومر عماراً بالحياة والجمال.
يومَها استأذنني ليدلعني باسم (أوربيليوم) وكان ذاك الاسمُ من أحبِّ الأسماء إليه، كنتُ دائمةَ التّردّدِ على لسانه، وعندما كان يلفظ اسمي، كان كمن يتذوّق قطعة حلوى.
ذاتَ أمسيةٍ عندما كان ساهراً في قلعتي مع عائلته، قال لزوجته بأنه عندما يلفظ اسمي يشعر بأن نبرات صوته تحلو، فلمستُ حينها شيئاً من شظايا غيرة وقد علَت محيّاها.
لكن، وكما هي العادة، فإنهم نزحوا عني، وبقيتُ أسحرهم، فاشتقّوا أسماء مدنهم الجديدة: أور، أديرو، أورك، من ثنايا اسمي.
اِفْتَرّ جمالُ ثغرِها الورديّ بلمسةِ بسمةٍ، وأردفت تقول: لكنني ذات يوم فوجئت بملك أور يطرق أبوابي مستعيداً مجد سومر، ورأيتُني متوَّجةً بلقب سيدة إمبراطورية أور الثالثة لا ينازعُني في منزلتي أحد.
عندما سكنَتْني الأقوامُ الزاكروسية من ميديين، وكوتييين، وأورارتو، وخوريين، وكاشيين، وميتانيين، تباروا وتنافسوا فيما بينهم لجعلي أكثر مدن الأرض جمالاً، وتمتُّعاً بنفوذ سياسي، وإداري، ومالي، ومنزلة رفيعة.
كانوا يتنافسون في جعلي لؤلؤةَ إمبراطورياتهم.
كرّمني الآشوريون عندما قطنوني بأن جعلوا في ربوعي عرش عشتار المقدسة، وكلّلوني في كتابات مسمارية: (أي ــ كشان ــ كلاما) وقالوا لي: أنت بيت سيدة الإقليم، فاكتسبتُ بذلك رمزيةً دينيّة لسائرِ أبناء وحفدة آشور من بعده الذين يعتبرونني محجاً، ويأبون فراقي حيث ما زالوا يقطنون في رحابي، يشمّون من جدراني، ومن ذرات تراب قلعتي روائحَ أجدادهم.
عندما اشتدَّ عودُ الميدييين سنة سبعمائة قبل المسيح، لم يهنأ لهم بالٌ حتى أتوا بجيوشهم وانتزعوني بقوة حدِّ السيف من أبناء آشور، وقد أعادوني إلى منبتي الكوردي، حيث احتفلوا بتكليلي جوهرةَ إمبراطورية ميديا، لكن جمالي لبث يسحر الملوك وقادة الأرض، فانتزعتْني براثن دولة (هه خه ماني) الأخمينية.
لم يرقْ الأمرُ للإسكندر المقدوني، فشنَّ من أجلي معركة أسماها (أربيلا) وانتزعَني بالقوة ليجعلني مُلكاً لإمبراطورية حفدة يونان.
وعندما اشتدَّ عودُ الملك الأرمني (نيكران) درتُ ذات ليلة في خلَده، فلم يهدأ له بالٌ حتى جاء وانتزعَني بالقوة ليجعلني مدينةَ الأرمن الأثيرة.
رواية: هولير حبيبتي
ما لفت انتباهي، هو أن أي امبراطوريةٍ عبر تلك الأحقاب لم تشعر بأنها إمبراطورية مكتملة في قوامها إن لم تُتوِّجني في ملكيتها.
كانت تشعرُ بنقصٍ حتى لو ملكتْ كل أرجاءِ الأرض، لأنها كانت تضع الأرضَ قاطبةً في كفة، وتضع هولير في كفةٍ مقابلة.
رواية: هولير حبيبتي
تولّى حكمي مظفر الدين كوكبري وقد تزوج ربيعة خاتون، أخت صلاح الدين الأيوبي.
يومَها، عاهدني بأنه سيجعلني من أجمل وأقوى الإمارات الإسلامية، وقد أوفى بعهده لي، وبنى أربع خانات للعميان، وفّرَ فيها احتياجاتِهم، وبدأ يقوم بزيارتهم عصر كل يوم اثنين وخميس، ثم بنى تكايا للصوفية، وداراً للأيتام، وأخرى للنّساء الأرامل، وأنشأَ المدرسة المظفرية، ثم جعل بيتاً كبيراً للضّيافة يأوي إليه كل ضيفٍ قادم إلى ربوعي، فكنتُ مكْمن قوةِ الإسلام، وإمارةَ السّحر والجمال في دوحته.
رواية: هولير حبيبتي
أغريتُ هولاكو الذي بدأ نجمُه في الظهور، يومَها قال لي: لو ملكتُ العالمَ كله، ولم أملككِ يا سيدتي، كأنني لم أملك شيئاً، لتعلمي بأن الأرض كلها هي صحراء خاليةٌ دونك، أنت ربيع الأرض، وجوهرة مدن التاريخ.
قاومَه أهلي ستة أشهر وهم يتحصّنون بقلعتي، لكنه كان يزداد عناداً وتهوّراً، ويقدِم على التضحية بكل ما يملك من أجل أن يحتلّني ويقيمَ مدينة آمنةً له في رحابي.
وقد أوفى هذا الرجلُ بعهده معي، فأقام احتفالاً إمبراطورياً ضخماً توَّجني فيه أميرةَ الإمبراطورية المغولية المترامية الأطراف، وسيدتها الأولى بامتياز لا ينازعني في منزلتي منازع.
رواية: هولير حبيبتي
أنا هولير..
ملكة ملوك الأرض..
أميرة الأمراء..
سيّدة السّادة..
سلطانة السلاطين..
جوهرة المعمورة النفيسة..
أنا هولير..
لا أحب الضّعفاء، المهزومين، المستسلمين، الواهنين..
أحبّ أن يقاتلَ أبنائي من أجلي كما قاتل ملوك وجبابرة الأرض من أجل شعرة في رأسي..
أنا هولير، سيدةُ أمجاد حَفَدَتي.
رواية: هولير حبيبتي
عندما تمتلك مفتاحَ الصبر، سيكون بمقدورك أن تفتح أبواباً كانت موصدة وقد أصابها الصدأ
رواية: هولير حبيبتي
للصبر ثمرةٌ يانعة لا ترتمي من شجرتها إلّا بيد ابن الصبر
رواية: هولير حبيبتي
مهما بلغَت العاصفة من شدتها، فإنها تركن إلى هدوء.
الأصلُ في الحياة الهدوء، الشدّة طارئةٌ
الأصل في الحياة السّكونُ، الضّوضاء طارئة..
كلُّ أمر يركن إلى أصلِه.
رواية: هولير حبيبتي
كلّما ينتهي شهرٌ مباركٌ من شهور عسلِ هولير الحافلة، تهِلُّ منارةُ شمسِ شهرِ عسلٍ جديدةٍ لم يسبقْ لها أن نثرَتْ بركات أنوارها على صعيدِ الدّنيا من قبل، تزدادُ هولير في ربوعه ألقاً، تتفتحُ براعم قرنفل صباها كما لم تتفتح في قمر شهر.
رواية: هولير حبيبتي
لا لمسةَ في عبق بهاء هولير تستنيخ لوهلة تكرار..
لا هنيهة في مَكْرمَات مقامها تخضع لرفّة جفنِ ضجرٍ،
كل لَبِنة من لبنات مسكِ صرحِها تستخرِج ومضَ تجدُّدها من ثنايا إطلالةِ هلالِ هنيهةٍ وليدة.
رواية: هولير حبيبتي
هكذا يبدو الخبّازُ في مُستَهلِّ إشراقة صبحٍ هوليريّ جديد،
هكذا يحذو حذوَه السمّان،
هكذا بائعُ الحليب الذي يجلِبُ بضاعتَه صباحاً من عمق قريته إلى رُدْهات الأحياء المُستيقظَة للتو، فتجتمع عليه النّسوة الهوليريات حاملاتٍ بأكفهن الأواني ليملأنها حليباً طازجاً، تم حلبه عقب ركعتي صلاةِ الفجر.
هكذا بائع الجرائد اليوميّة الذي يفرشها على مسطبة أمام كشكه وهي ما تزال تحمل رائحةَ المطابع.
هكذا بائع الدجاج الذي يتجوّل في الطّرقات وهو يصيح بأعلى صوته: يالله مريشّك.. يالله مريشّك.
هكذا بائع أسطوانات الغاز الذي ينشر موسيقى بضاعته بين البيوت،
هكذا إمامُ المسجد الذي تغمره هالةٌ من حياء.
هكذا النسوةُ الهوليريات وهن يخرجْن باكراً من أبواب بيوتهن، يحملن بأيديهن حقائبَ صغيرةً محشوّة بنقود ورقية، يبتعن حاجات يومهنّ من حوانيت مجاورة.
هكذا يدِبّ إيقاعُ الحياة، لحظةَ تشرق شمس صبيحة جديدة على بهاء قوامها، لحظة يخرج الهوليريون من بيوتهم ليصنعوا دعائم حياة يوم جديد.
رواية: هولير حبيبتي
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-23/6ab3f956dba5c-1790179670.jpg
ارفاق ملف: received_messages_from_pages/2026-09-23/6ab3f956dbc6e-1790179670.docx
روابط التواصل الاجتماعي: