تاريخ النشر: 2026-10-23 | 15:06
تاريخ النشر: 2026-10-23 | 15:06
على أعتاب إجراء الانتخابات "الكنيست الإسرائيلية للعام 2026، تطرح أسئلة المستقبل القريب على الفلسطينيين كما هي على الإسرائيليين، الموت والعنصرية والحرب أم الاستقرار والأمن والاقتصاد، أو الدولة وضمان بيروقراطية مؤسساتها أم المملكة وتعظيم سطوة الدين، وكذلك بقاء نتنياهو الأيديولوجي أو عودة نتنياهو السياسي أم التخلص منه بإخراجه من الحلبة السياسية وانتهاء عصره. هذه الأسئلة هي في الأصل تحديات أمام اختبار نوايا التصويت وسلوك السياسيين، إثر يوم الاقتراع في 27 تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، في الجانبين الفلسطيني واليهودي في إسرائيل، فلا مندوحة عن التصرف العقلاني أو لا وقت للجدال حول أولية التخلص من حكم اليمين المتطرف "الليكود والصهيونية الدينية والقوة اليهودية" المشكلين للائتلاف الحاكم على مدار الأربع سنوات الفارطة.
تُترجم استطلاع الرأي العام في إسرائيل خلال الأسبوع الفارط، قبيل الانتخابات، حجم الانقسام في نوايا التصويت للأحزاب الصهيونية الناجم عن الانقسام العمودي في المجتمع اليهودي حول طبيعة الدولة اليهودية وشكلها وصورتها أمام العالم، بالإضافة إلى إشكالية شخص نتنياهو ذاته. وتوضح هذه نتائج الاستطلاعات المتعددة أنّ أياً من المعسكرات لن تتمكن من الظفر بأغلبية مقاعد الكنيست أو أن تكون قريبة من تشكيل الحكومة القادمة دون تَكَسّر أحدها وتمرد جزء من مكوناتها الرئيسية، أو الحصول على موافقة القوائم العربية على الأغلب لتشكيل الحكومة بانضمام أحدها "القائمة الموحدة" ومباركة الأخرى "القائمة المشتركة" كشبكة أمان لها.
في ظني العقلانية التي تتحلى بها الأحزاب العربية في إسرائيل، اليوم، باتت تدرك حجم المسؤولية الملقاة عليها لإحداث التغيير في الحكم داخل المؤسسات السياسية الإسرائيلية وليس فقط في محاولة تحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين في إسرائيل، بل كلاعب رئيسي في توجهات الحكومة الإسرائيلية القادمة، بغض النظر سواء انضمت للائتلاف الحكومي أو دعمته لإسقاط نتنياهو ومجموعاته العنصرية، تجاه الفلسطينيين في إسرائيل أو الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة.
إنّ تركز النقاش حول يمينية معسكر التغيير المنافس لمعسكر نتنياهو، وأنّه لا توجد نوايا لتحقيق السلام وإنهاء الاحتلال وتنفيذ خيار حل الدولتين، على أهميته، لكنه ليس ذو مغزى في هذه الأوقات، فالاختيار هنا بين السيء والأسوأ في السياسة الإسرائيلية، وبين وقف تنامي العنصرية والموت التي تجلبه الحكومة الحالية وتخفيف أضرار العنصرية المتوقع من حكومة معسكر التغيير. فالموقف اليوم كمن يتجرد من ملابسه أمام جنود الاحتلال لتجنب الموت أو الحد من تلقي إصابة قاتلة.
الأمر المدرك لدى الفلسطينيين بطوائفهم الجغرافية المتعددة وانتماءاتهم السياسية المتنوعة، أنّ معسكر التغيير "تغيير نتنياهو" لا يحمل رؤية سياسية لإحلال السلام، في المقابل يحمل برنامجاً لا يؤدي إلى الموت المباشر للفلسطينيين "التطهير العرقي والتهجير القسري". في ظني أنّ الأحزاب والقوائم العربية في الكنيست الاسرائيلي تحمل واجب التغيير في السياسية الإسرائيلية ومؤسسات الحكم لاستثمار مكانتها اليوم كلاعب مؤثر في بقاء وتغييب نتنياهو أو لتحقيق الاستقرار واستعادة الأمل لمجتمعها وشعبها. وهي لديها القدرة اليوم لتحقيق بعضاً منه؛ بخلق وقت مستقطع في الحياة السياسية الإسرائيلية عبر دعم الائتلاف المتشكل لعدة أشهر قبل إسقاط حكومته، ولديها القدرة لإبقاء الحكومة تحت الضغط البرلماني خوفاً من السقوط لتحقيق بعض المطالب الفلسطينية في إسرائيل.
يضطر المواطنون أحياناً لدفع أثمان كبيرة من أجل الحفاظ على الحياة أو إنقاذ الأمل من الموت وكذلك هي الأحزاب؛ ففي أروقة الإمساك بالحكم، وردهات الكنيست، وكواليس المفاوضات، وجعبة السياسيين الكثير من الوعود السياسية والأوراق التفاوضية والصيغ النصية التي تعبر عن موازين القوى من جهة، والحاجة الظرفية للوصول للحكم من جهة ثانية، ومصلحة الجمهور من جهة ثالثة، وبقاء الحزب السياسي من جهة رابعة. لكن اليوم لا يمكن التعامل في مفاوضات تشكيل الحكومة الإسرائيلية ما بعد الانتخابات على أساس المعادلة الصفرية، أو التهديد بالعودة إلى الانتخابات من جديد كأحد السيناريوهات المطروحة؛ فجميع أوراق التفاوض بقدر ما هي ممكنة لتحسين المكانة والحصول على "امتيازات" هي أيضاً أوراق ضغط على الأطراف المتفاوضة، وقد يكلف الوصول إلى حكومة جديدة في إسرائيل لإحداث التغيير المنشود دفع القوائم العربية ثمناُ باهضاً؛ حتى لو كان تشكيلها بأي ثمن لوقف حالة الموت ووقف الانهيار والحفاظ على بقايا أمل للحياة.